أما قبل،

قال تعالى وهو أصدق القائلين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}. إن الله سبحانه وتعالى قد وضع خطًّا واضحًا للعلاقة بين القول والفعل من خلال هذه الآية الكريمة، وهذا ما كان جليًا واضحًا في معانيه، وبالإضافة إلى وضوح أهمية أن يكون قول أحدنا متوافقًا تمامًا مع فعله في كل مكان وزمان وفي أي حوار كان.

كما وقد اتضح أيضًا من هذه الآية – وإن كان ضمنيًا – أن من لا يملك القدرة في فعل ما قد يصدر عنه من قول فالأفضل أن يصمت، وذلك لأنه إن تعارض قوله مع فعله فلن يسلم من غضب الله، وهذا ما كان واضحًا في قوله تعالى {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}.

فالغضب الشديد ينتظر من لا يتفق قوله مع فعله، أيًا كان قوله هذا وأيًا كان اختلاف فعله عن هذا القول، فماذا لو كان القائل أحد المؤثرين في المجتمع من رئيس أو شيخ أو قائد أو داعية…إلخ؟ وماذا لو كان قوله قولًا حسنًا بنّاءً يعد مجتمعه من خلاله بالبناء والإصلاح والنهوض بالمجتمع والشعب والأمه؟ وعند الفعل نجده يسلُك سُلوكًا مُغايرًا تمامًا لما صدر منه من قول.

كثيرًا ما حدث هذا، وما زال يحدث مع بعض الشخصيات البارزة في مجتمعاتنا العربية عند خوض الانتخابات، فإننا نراهم قبل وأثناء المعارك الانتخابية يهتفون بأجندات وبرامج وخطط تهدف جميعها إلى النهوض بالبلد وتنميته ونقله من المكان الذي هو عليه – وغالبًا ما يكون في قاع الأمم – إلى مكان يستطيع من خلاله منافسة باقي دول العالم ومواكبة كل التطورات والمستحدثات والأشكال المختلفة من التقدم والازدهار، هذا بالإضافة أيضًا إلى عزفهم على وتر الشباب وأهمية دورهم في نهضة وتنمية المجتمع.

وعند الفوز بالانتخابات والجلوس على مقعد البرلمان أو المجلس التشريعي أو الوزاري أو أيًا كان مسماه، نجدهم استبدلوا خططهم ومزقوا أجنداتهم ونسوا تمامًا ما قد حملته برامجهم الانتخابية، بل وسارعوا في الإقدام على تصرفات وأفعال تتناقض تمامًا مع ما كانوا يعدون به شعوبهم ومجتمعاتهم، فما تجد من بعدهم تلك المجتمعات إلا مزيدًا من التأخر والتخلف وسوء الحال.

أما بعد،

وليت ما تقدم هو جُل مُصابنا، وأعظم مصائبنا، وآخر ظُلُماتِ ظُلمُنا، فالحقيقة أنني لا أعلم من أين نبدأ، وقد كتبوا نهايات دروبنا بأحبارٍ من اليأس والبؤس، وأضاعوا الأمل في أحلامٍ كُنا قد حلمنا بها ونحنُ صغارًا، ودمروا في أعماقنا لغة التطلع والتحدي، وأمعنوا في نثر كل معاني الخوف من المستقبل في صدورنا؛ حتى بتنا نعيش على ذكرى يوم جميل عشناه قبل سنوات عديدة، متيقنين بأن ما هو قادم مظلم وأن أيامنا تتوالى بمبدأ «من سيئ إلى أسوأ»!

من أين نبدأ؟ فأقصى ما نملكه هو الصمت، وأعظم ما نطمح إليه هو تأخير الكَبتْ، وأجمل ما ننتظره هو الموت، فلا حديث ينفعنا ولا سبيل ينقذنا ولا حياة باتت كما الحياة.
لا شيء يحلق في سماء أفكارنا غير بعض المفاهيم الحزينة والقليل القليل من الإرث القديم، وغيمة سوداء كبيرة جدًا من الحقائق والوقائع والأحداث النافذة لدينا، وصورة لكثير من الطيور العملاقة تدفن رؤوسها تحت التراب ومولودٌ أتى للحياة وهو يجهل أن أقصى حرية يستطيع ان يحظى بها مستقبلًا هي حساب على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» والحرية ستكون في كلمة المرور فقط لا غير.

علمونا قديمًا أن التاريخ يعيد نفسه، وأن الأيام دول، وأنه لا عمل تعمله فيجزى به غيرك فمن جد وجد، وأن حبل الكذب قصير، فلماذا وقف التاريخ وألقى ثيابه في زماننا؟ ولماذا لا دوال في أيامنا؟ فصارت تكرارٌ بتكرار دون أي جديد. لماذا يجتهد أحدنا فيُعاقَب ويُخطئ غيرنا فيرقى ويكافأ؟ ولماذا الصادق يُحاكم ويُخاصَم ويجول الكاذب ويساوَم؟ هل العيب فينا أم في زماننا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد