في البداية وجب ضبط المصطلحات وتجلية المفاهيم وحماية القيم والمبادئ قبل تفسير الظواهر والأحداث؛ فتلك القيم والمبادئ التي غرسها الله في فطرتنا البشرية هي الخريطة المفاهيمية التي تساعدنا على أن نسلك الطريق الصواب في معركة الحياة ورحلة الدنيا، وتمنعنا من الضلال والضياع، فالقيم والمبادئ الإنسانية المغروسة في الفطرة والتي أعاد القرآن الكريم وسنة المصطفى- صلى الله عليه وسلم-لها فاعليتها وحيويتها هي خطوط حمراء ثابتة لا تقبل التجزئة أو التفتيت أو التجاوز تحت أي ظرف كان:

1-أرض فلسطين ليست رقعة جغرافية حدد حدودها الانتداب البريطاني بعد سايس بيكو كما أنها أبدًا ليست ما تبقى من أرخبيل وجزر في الضفة الغربية، وقطاع غزة مما لم تصل أداة الاحتلال الصهيوني إليه، ولن تكون كذلك، وتبقى الأرض المحتلة أرضًا فلسطينية، وليست الكيان الصهيوني.

2-  أرض فلسطين هي أرض متميزة بذاتها ومتمايزة عن غيرها فهي أرض مقدسة مباركة تلتقي فيها أبعاد عالم الغيب (السماء) وعالم الشهادة (الأرض)، وهي أرض مقدسة كتب فصول قداستها استئمان الله للأنبياء والعلماء والعظماء سيادتها وأمانة الحفاظ عليها، لا تنتقل ولايتها ووصايتها عبر الملكية الإثنية والتاريخية بل بالأحقية الإيمانية والاستحقاق العملي الاستخلافي.

3-  لطالما انتزعت سيادة الأرض أقوام بائدة زائلة لم يمنعها إدعاء ملكية الأرض الخلود فيها، فكما زال الحيثيون والفراعنة والعمالقة والآشوريون والبابليون والفرس والهيليون والبيزنطيون والصليبيون والبريطانيون، سيزول الصهاينة والخونة المعتمدون عليهم للبقاء، فمهما تغيرت الجغرافيا لن تتغير معالم المكان ولن تتغير ملكية الأرض ولن تنتقل للمغتصب وتنتزع من أهلها بفرض الواقع.

4-  زيارة الأراضي المحتلة المنهوبة المسلوبة تحت أي سبب وظرف مهما كان، يعد بوضوح شرعنة للاحتلال الصهيوني الذي يحتل الأرض، ويدنس المقدسات ولا يؤذي الإنسان الفلسطيني فقط،؛ويسلب حقوقه وينتهك حريته بالقتل والمحو والتشريد والتهديد؛ بل يستهدف فطرة كل شريف بتغيير القيم وقلبها، وإفساد الذاكرة والتشكيك فيها حتى يسهل قبول الظلم والفساد والانتهاكات، فيصبح المحتل صاحب الأرض والمدنس لها حاميًا لها، بل تصبح زيارة الاحتلال بسبب رياضي أو غيره (ولو أن في ذلك أمرًا واقعًا) أمرًا عاديًّا.

5-  زيارة الأرض الفلسطينية المحتلة تحت أي سبب هو وقوف إلى جانب الاحتلال ومشاركة لجرائمه وادعاء أن التطبيع الرياضي بعيد عن التطبيع السياسي، هو إما سذاجة عاطفية تريد التبرير للخيانة، وهي بذلك أولى خطوات قلب القيم إلى أضدادها، أو جهل بالأدوات الصهيونية الساعية لرفع العزلة السياسية والدبلوماسية المفروضة عليها من أحرار العالم بسبب جرائم الكيان الغاصب وجهل بخطر التطبيع بكل أشكاله على وعي الأمة والفطرة الإنسانية وخطر الكيان على أوطاننا العربية الإسلامية لا على الفلسطينين وحدهم. أو مسلوب الفطرة حلت النظرة الصهيونية بأساطيرها ونظرياتها محل القيم القرآنية والنبوية والإنسانية التي كرم الله بها الإنسان؛ فرضي بالخضوع والخنوع والقبول بالاحتلال أو خائن مطبِّع يريد أن تعم الخيانة حتى يفك عزلته عن المجتمع، ويعدي أمته بفيروس ينخر الجسد كله فتنقص مشاعر الذل والخيانة المسيطرة على عقله وقلبه.

6- «بوداوي» سيكون أول رياضي جزائري يخون لا الشعب الفلسطيني فقط كما يتصور البعض؛ بل سيخون التاريخ المشرّف للثورة الجزائرية وللشعب الجزائري وللدولة الجزائرية (الموقف الرسمي) التي رفضت العدو الصهيوني وشرعنة وجوده رغم الضغوط والابتزازات التي لا يمكن أن تظهر أمام الحجم الهزيل للضغط على رياضي.

7-  «بوداوي» سيكون الاختراق الفاشل الأول للكيان الصهيوني للساحة الرياضية الجزائرية العصية على الاختراق. ساحة أرقت الكيان الصهيوني فعزلته وأساءت وجهه منذ البطل مزيان دحماني والأبطال الذين أصلوا للمقاومة الرياضية، أبطال ملكوا القلوب رغم أنهم تخلوا عن الألقاب الرياضية التي تعبوا لأجلها، فشتان بين كتابة تاريخ المجد والشرف، وكتابة الخضوع والخنوع للابتزاز حتى لا نقول الخيانة الحقيقية لقيم نوفمبر وأصالة الشعب الجزائري وشرف الرياضيين الجزائريين.

8-  لم أكن أنتظر من لاعب محلي، نما في الجزائر وترعرع في صحراء الشرف والنخوة والعزة والقرآن أن يسلك هذا الدرب الذي لن يسيء فيه للجزائر العظيمة ولأهل الصحراء الأمجاد؛ بل سيخسر فيها شرفه وقيمه، ومحبة الجزائريين له، سيسقط في عيون الجزائريين ويهوي رصيد شعبيته الفتية، فتصبح ضحلة تكاد تؤول إلى العدم، سيمثل «بوداوي» نفسه لكنه سيوسخ جواز الجزائر الذي سقي بدماء الشهداء بختم ومداد الخونة الصهاينة الذين كان بعض من صهاينتهم في الجزائر سببا في احتلال فرنسا للجزائر.

9-  لقد شرف لاعبون جزائريون تربوا خارج الوطن القيم الوطنية ولم يخونوها فرفضوا الذهاب للكيان الصهيوني فشرفوا انتماءهم للوطن رغم أنهم تربوا بعيدًا عنه ومالوا للروح الجزائرية التحررية الرافضة للظلم، بدلًا من الخضوع للمطامع والمخاوف؛ فالتاريخ لا يمكن أن تكتبه القلوب الخانعة الخاضعة المترردة المرتعشة؛ بل قلوب الاسود ولو تربوا بعيدًا عن الوطن.

10-  لمن يظنون أن الزيارة بريئة وأنه لم تكن هناك ضغوطات على اللاعب من الإدارة الرياضية الفرنسية، فلينظروا إلى خبث الآلة الإعلامية للنادي، كيف ركز حساب الفريق الفرنسي على «بوداوي» وكأنه مستهدف بتسليط الضوء على سفره من ناحيتين اثنتين، من ناحية كون صورته أول صورة في «الاستوري» والتركيز على كتابة وجهة السفر فيها دون غيرها من اللاعبين، والتأكيد بعدها صوتًا وصورة على نزول «بوداوي» دون غيره من اللاعبين من الحافلة عند الوصول للمطار قبل المغادرة. وكان ذلك أداة إخبار بأن اللاعب لن يتخلف عن الزيارة التي راهن الكثير أنه لن يكون فيها.

في الأخير سعيد كل السعادة بحجم الرفض المطلق للزيارة رغم ما للاعب من مكانة في نفوس الجزائريين، إلا أن خيانة القيم الوطنية والمبادئ الإسلامية تحت أي دعوى، لا يمكن أن يقبل، وفي الوقت نفسه أؤكد على وجوب اليقظة لتبصير السذج وتوعية الجاهلين بأخطار التطبيع بأشكاله المتعددة، والتدافع مع الخونة المطالبين بالتطبيع فخطر الاختراق الصهيوني الهادف لتمهيد التطبيع السياسي، يمر عبر ضعاف المناعة الإيمانية والعقدية الصلبة للجزائرين الرافضين للتطبيع عبر هذه الاختراقات الفردية التي ستؤكد على وحدة الجزائريين وتكاتفهم في رفض التطبيع، فكما أنهم وقفوا أمام رئيس جمهورية (بوتفليقة) أراد التطبيع لن يجعلهم خطأ فادح لرياضي شاب مغمور؛ يقبلون التطبيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد