ماذا لو طلبت من رجل أعمى أن يقذف بحجر في برميل يبعد عنه عدة أمتار، دون أن تخبره كم يبعد عنه البرميل، ودون أن تخبره في أي اتجاه يوجد البرميل، هل تعتقد أن ذلك الأعمى قد ينجح في قذف الحجر داخل البرميل؟

ماذا إن طلبت منه أن يقذف عشرة أحجار، وأخبرته أنك بعد كل مرة ستحرك البرميل لمكان آخر جديد؟ ترى هل يستطيع أن يصيب في العشر مرات؟

هذا المثال ومثله هو محل سجال بين المؤمنين بوجود إله والمنكرين لوجوده. وهو يضع العشوائية في مكانة واضحة من العجز أمام التفكير الطبيعي. إذ إن التفكير الطبيعي سيستبعد أن مثل هذا الكفيف سيستطيع إصابة الهدف مرة، وربما حكم باستحالة إصابته الهدف عشر مرات متتالية بهذه المعطيات المذكورة. ولكن الرياضيات تقول غير ذلك.

دعنا نفترض أن احتمال أن يصيب الرجل الكفيف الهدف 1%. فمن وجهة نظر الرياضيات فإنه من المتوقع أن الرجل سيصيب الهدف مرة واحدة، إذا حاول مائة مرة. أما كي يصيب الهدف عشر مرات متتالية فتقول لنا الرياضيات أن احتمال هذا سيكون 0.000000000000000001% . أي إن الرجل إذا كرر التجربة مائة مليار مليار مرة، كل مرة منها يرمي فيها 10 أحجار، فإن مرة من المرات فقط ستصيب العشرة أحجار أهدافها.

ماذا إذا توفر الوقت وتوفرت الأحجار لتكرار التجربة هذا العدد من المرات؟ هل ينجح الكفيف في تحقيق ما حكم العقل بالبداهة أنه غير ممكن؟ الرياضيات تقول نعم، سينجح مرة واحدة.

برهان القرد

هناك تجربة شهيرة في ذلك السجال أجريت في المجلس القومي البريطاني للفنون، وأوردها العالم جيرالد شرويدر مع تفنيده للمسألة[1]. التجربة تقوم بتجميع ستة من القرود في قفص أمام لوحة مفاتيح بعد تدريبهم على النقر عليها، لإنتاج قصيدة لشكسبير. قامت القردة بالضرب على المفاتيح لمدة شهر وكانت النتيجة خمسين صفحة مكتوبة ليس بها كلمة صحيحة.

يورد شرويدر في تفنيده بعض الحسابات الرياضية لمعرفة كم مرة يجب تكرار التجربة.

التجربة هي الضغط على مفاتيح اللوحة 488 مرة (بعدد أحرف القصيدة) والهدف طباعة القصيدة.

لأن عدد المفاتيح كان 26 حرفًا، فيكون احتمال تكون القصيدة 1\26 مضروبة في نفسها 488 مرة. وهو ما يعادل 10 للأس -690. أي إننا نحتاج إلى تكرار هذه التجربة 10 للأس 690 كي نحصل على القصيدة في واحدة من هذه التجارب.

ثم يستطرد شرويدر، ويتخيل مادة الكون بأكمله تتحول لرقاقات كمبيوتر، وزن الواحدة جزء من المليون من الجرام، تقدر كل منها على تكرار التجربة مليون مرة في الثانية. بحساب عدد المحاولات من نشأة الكون نجد أنها 10 للأس 90 محاولة. أي إننا ما زلنا نحتاج إلى كون أكبر من كوننا أو زمن أكبر من عمره 10 للأس 600 مرة لننتج قصيدة لشكسبير بالصدفة باستخدام هذا الكم الهائل من رقائق الكمبيوتر.

وقد حَسَم هذا النقاش طويلًا، وبين أن الصدفة عاجزة عن خلق عالم محكم، ليس فقط بالحكم العقلي المبدئي، ولكن أيضًا بالرياضيات. لأن عمر مادة الكون وقدرها لا يكفي حتى لخلق قصيدة لشكسبير بالصدفة.

الأكوان المتعددة

إلى أن جاء القائلون بالصدفة وقالوا، ماذا لو كان هناك أكوان متعددة[2]، كثيرة جدًّا. مجموع أحجامها وأعمارها أكبر من عالمنا 10 للأس 600 مرة؟ ستقول الرياضيات وقتها إن إنتاج قصيدة شكسبير بالصدفة ممكن لو تحولت مادة هذه العوالم لرقاقات الكمبيوتر المذكورة.

ما الذي يمنع أن يكون كوننا المنضبط المحكم هو نتاج كم هائل من التجارب أنتج أعداد مهولة من الأكوان غير المنضبطة، وبالصدفة أنتج كونًا منضبطًا بينها. قد يرفض العقل ذلك عند التفكير به، ولكن الرياضيات لا ترفضه.

إن التفكير المبدئي يستبعد ذلك؛ لأن الكثير مما في الكون ليس فقط منضبطًا، ولكنه متناغم. وليس فقط متناغمًا ولكنه غائي يكشف عن إرادة واضحة من ورائه.

الدورة الدموية

فمثلًا، انغلاق صمامات القلب بالتوقيتات والتتابع الصحيح، الذي إن اختل قليلًا إما انفجر القلب – لانغلاق الصمامات عند الانقباض – وإما سرى الدم في غير مساره الذي يضمن الحياة للإنسان. فالمسار المعتاد للدم يكون من القلب للأطراف مرورًا الأمعاء ليحمل للأطراف الغذاء، ثم للقلب مرة أخرى ثم للرئتين لتنقية الدم وهكذا. فهذا انضباط لم تجر العادة ولا المثال أن يوجد مثله عن طريق الصدفة بغير مصمم قصد هذا الضبط وأحكمه. ولكن الرياضيات تقول إن وجود العوالم الموازية بأعداد تكفي لتجارب كثيرة جدًّا قد تنشئ هذا بغير قصد وبغير مصمم ضابط.

هذا عن الانضباط، فماذا عن التناغم؟ ليست فقط الدورة الدموية تعمل هكذا وحدها، ولكن الجهاز الهضمي يحلل الطعام ويسلمه للدم عن طريق الأمعاء كي تدفعه الدورة الدموية لإيصال الطعام لكل الخلايا كي تنتج حرارتها للدفء والحركة، ويسلم نواتج الاحتراق للكلى والجهاز التنفسي كي تتخلص من بقايا الاحتراق. وبينما يتسلم الجهاز التنفسي ممثلًا في الرئتين نواتج الاحتراق الغازية ليطردها خارج الجسم في شكل ثاني أكيسد الكربون، يأتي بمزيد من الأكسجين لإتمام عمليات الحرق الجديدة اللازمة. إن تم انضباط كل جهاز على حدة، الدورة الدموية على حدة، الجهاز الهضمي على حدة، والتنفسي على حدة، عن طريق الصدفة والتكرار، فما الذي يدفعها للتناغم سويًّا؟ هل العوالم وهي تتكرر والتجارب وهي تنسخ قادرة على توجيه مخرجاتها والتنسيق بينها بلا أي قصد لتتناغم بهذا الشكل الذي نراه في أجهزة جسم الإنسان؟ بل تتناغم أيضًا مع نسب الغازات في الجو؟ ومع مجموعة أخرى من الأجهزة بداخل النباتات الخضراء تعادل الأكسجين المهدر وثاني أكسيد الكربون الناتج بواسطة الإنسان؟

ثم بعد الانضباط والتناغم، تأتي الغائية. فكل هذه الأجهزة غايتها حفظ الإنسان، وتهيئة العالم له ولتكاثره، وتشكيله على هيئة تمكنه من البناء والحرب والبطش. البعد عن الشمس، ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ووجود الحيوانات، والنباتات والتربة، والأمطار والسحب والأنهار، كل المضبوطات والأنظمة المتناغمة داخل جسد الإنسان وخارجه تتناغم لتحقيق غاية مشتركة، ألا وهي تمكين الإنسان من الحياة والتكاثر والسيادة. فمن دون وجود إرادة، ما الذي يفرض على التجربة المتكررة عدد مهول من المرات هذه الغاية بالذات لتتكرر التجربة مرات ومرات حتى تصل لها دون غيرها؟

تجربة جديدة

نعود من جديد للرياضيات. تعال نتخيل محاولة خلق قلب إنسان له أربع غرف، ليلائم موضعه في الدورة الدموية بالصدفة، بلا إرادة معينة. ما احتمال أن تنجح عملية خلق هذا القلب بأربع غرف؟

في برهان القرد قلنا إن في كل نقرة، يوجد 26 احتمالًا، لان عدد المفاتيح 26 مفتاحًا. فيكون احتمال أن ننقر الحرف الصحيح 1\26

هذا لأن هناك إرادة حددت الممكنات من التجربة، أو بعبارة أخرى حددت عدد مفاتيح لوحة المفاتيح. وهناك إرادة أيضًا حددت النتيجة المنتظرة، فجاءت الرياضيات بعدها لتحسب لنا احتمال حدوث هذه النتيجة بالذات بين هذه الممكنات.

أما وأن الصدفة تنكر وجود إرادة، فلا يكون هناك حدود لعدد الممكنات. قد يكون القلب المخلوق ذا غرفة أو اثنتين أو أربعة أو مائة أو ألف أو تسعة ملايين أو 20 للأس 770.

أي إن عدد المخرجات المحتملة هنا يمكن التعبير عنه رياضيًّا بـ: مالانهاية. ويكون عندها احتمال نجاح تجربة خلق قلب ذي أربع غرف بشكل عشوائي هو 1\مالانهاية وهو رياضيًّا يساوي: صفرًا. وهذا رياضيًّا يسمى مستحيلًا. فها هي الرياضيات أخيرًا تتفق مع التفكير المنطقي، حينما نأخذ في الاعتبار عدم وجود إرادة تحدد عدد المخرجات الممكنة.

والجدير بالذكر هنا، أننا في التجربة السابقة قد افترضنا أن المخرجات المحتملة دائمًا ستكون على هيئة قلب، وأن الاحتمالات فقط تحدد عدد الغرف به. الأمر الذي يفترض وجود قصد وراء التجربة تجعل المخرجات دائمًا على هيئة قلب. ووجود مثل هذا القصد لا يتماشى مع الصدفة. وبالتالي فالممكنات من هذه التجربة أكثر تعددًا مما ذكرنا.

الرياضيات والخلق

ما ذكرناه عن خلق قلب هو مجرد مثال. ولكنه ينطبق على كل ما في الكون، حرارة الشمس، حجم الكواكب، بعد الأرض عن الشمس، نسب الغازات في الهواء، زمن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، قوة الجاذبية وقوة المجال الكهرومغناطيسي، وقوة المجال النووي. وكلها مضبوطات لو لم توجد بمقاديرها الصحيحة لاستحالت الحياة على الأرض[3]. الأمر إذن لا يختص فقط بالأحياء ولكن أيضًا بكل المضبوطات والمتناغمات والغائيات الكونية التي لا حياة فيها. فالطرح إذن لا يختص فقط بتفنيد قدرة العشوائية ممثلة في الطفرات العشوائية على خلق هذه الأحياء المضبوطة المتناغمة الغائية، بل أيضًا الطرح نفسه يشمل قدرة العشوائية على خلق الكون بما فيه من جمادات من انفجار عشوائي[4] معدوم الإرادة والقصد.

الخلاصة

إن الرياضيات إذ تقضي بعدم استحالة تحقق نتيجة ما من تجربة ما بالصدفة، إذا تكررت التجربة عددًا مهولًا من المرات، فإن هذا محكوم بشرط: أن تكون احتمالات نتيجة التجربة عددًا محدودًا من الممكنات. أما وأن الممكنات لا حصر لها، وعددها رياضيًّا مالانهاية، فإن الرياضيات تؤكد استحالة تحقق أحد هذه الممكنات بعينه، أو بلغة الرياضيات، سيكون احتمال التحقق صفرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد