والدتي لا تحب الرياضيات، تكره النظر إلى المعادلات الرياضية، دائما ما تردِّدُ أن رؤيةَ الأرقام تُصيبها بالدوار، مع ذلك هي قادرةٌ على إدارة الموارد المالية لبيتنا بشكلٍ مذهل، تقوم بحسابِ الإيرادات والمصروفات، وتنظِّم التعاملات المالية كـ«رياضيٍّ» تمامًا!

مِن هنا انطلقت كاتبتُنا جاكلين ستيدال في كتابها الشيق «تاريخ الرياضيات» التابع لسلسلة «مقدمة قصيرة جدًا»، والتي تهدف إلى تقديم صورةٍ مجمَلةٍ عن بعض العلوم والمعارف، وتفتح الأبواب أمام القارئ للدخول إلى عالم الثقافة، مساعِدةً في تطبيق قول أحدهم: «المثقف هو مَن يعرف شيئًا مِن كلِّ شيء».

والرياضيات أحد فروع المعرفة، ترتبط بالعديد من الاستنتاجات المنطقية، والتي تُطبَّق على كائناتٍ مختلفةٍ مثل الأعداد والأشكال وما إلى ذلك.
هذا التعريف النظري قد لا يروق لكثيرٍ من العامة، خصوصًا مع وجود هالةٍ تحجب الرياضيات عن المجتمع، وتعتبرها علمًا خاصًا بالصفوة.

هذا الوهم الذي تشكل حول الرياضيات غير معروف المنشأ، لكنَّ العقلَ البشريَّ مع مرورِ السنوات صدَّقه وتناقله بوصفه حقيقةً مقدَّسةً غير قابلةٍ للنقاش، فيكفي أن تسأل أحدهم عن فيثاغورث أو نيوتن مثلًا، ستجد الإجابة – غالبًا – تصف شخصًا كبيرًا له لحية بيضاء طويلة، يعيش منعزلًا ولا يتحدث إلى عامة الناس، بل يكتفي بمناقشة المسائل الرياضية مع زملائه وتلامذتِه.
ولعل هذه النظرةَ تدعونا إلى التساؤل: هل الرياضيات علمٌ مختصٌ بفئة من القوم لا يشاركهم فيه غيرهم؟

لا شكَّ أن الرياضيات – شأنها في ذلك شأن باقي المعارف – تُخرِج لنا فئةً من المتخصصين فيها يشتغلون بأحد فروعها ويضعون النظريات ويطورون القواعد، لكن هؤلاء المتخصصين لا يحتكرون الرياضيات لأنفسهم، إنما يتعدَّى استخدامها للكثيرين من غيرهم، والذين لا علاقةً لهم بالرياضيات الأكاديمية التي تُدرَّس في الجامعات وتُعقَد من أجلها الندوات، إنما حاجتهم إلى الرياضيات تتمثل في تعاملاتهم اليومية في هذه الحياة.

إذا تتبَّعنا تاريخ الرياضيات بشيءٍ من النظر سنؤكد زعمنا هذا، فمع حاجة الإنسان إلى العدِّ ظهر النظام الأحادي الذي يعتمد على الإضافة، بمعنى أننا نستخدم فيه رمزًا واحدًا يمثل كميةً واحدة، وإذا أردنا إضافة كميةٍ أخرى نضيف نفس الرمز، فإذا أردنا -مثلًا- عدَّ برتقالتَيْن نكتب الرمز الآتي: //، وإذا أردنا عدَّ ثلاثِ برتقالاتٍ يتحول الرمز إلى ///، وهكذا.

ثم مع بدء ظهور الحضارات والحاجة إلى تبادل الممتلكات والمنافع ظهرت النواة الأولى للتجارة والتي كانت تحتاج بالطبع إلى بعض العمليات الرياضية، فظهرت بعضُ الأنظمة العددية كالنظام البابلي والنظام المصري والنظام الروماني وما إلى ذلك، وقد جاء كل نظامٍ موافقًا لما يحتاجه الأشخاص في تعاملاتهم، وهذه الأنظمة تشترك فيما بينها في بعض الأشياء، ولكلٍّ منها ما يميزه عن غيره.

مع مرور الأعوام والحاجة إلى نظامٍ شاملٍ يجمع بين هذه المميزات جميعًا ويكون استعماله أكثر سهولةً ظهر نظام العد الحالي الذي يعتمد على رقم (10) كأساسٍ له، ويرمز إلى كل رقمٍ تحت العشرة برمزٍ مختلف، هذه الرموز هي الأعداد من (1) إلى (9).
من المميزات التي حملها هذا النظام خاصية القيمة المكانية للأعداد، بمعنى أن قيمة الرقم (9) تختلف في (91) عنها في (911)، وهذه الخاصية – وغيرها – كان لها أثرٌ كبيرٌ في اطِّرادِ هذا النظام وشهرته على مستوى كبير.

مع النظر إلى هذه الصورة الإجمالية جدًا عن تاريخ الأعداد نتبيَّنُ بكل ثقةٍ أن حاجةَ الناس كانت من أكبر الدواعي إلى تطورِ علم الرياضيات عبر مرور الأعوام، وأن الناس في كل زمانٍ ومكانٍ كانوا يستعملون هذه النظم العددية ويطبقونها في حياتهم حتى لو كان ذلك بدونِ درايةٍ منهم أن هذا يندرجُ تحت الرياضيات، مما يؤكد لنا أن الرياضيات ليست مختصةً بالصفوة وحسب.

كذا فإن الصورة الذهنية التي ارتبطت بعلماء الرياضيات – والتي تُظهِرهم بمظهر السجناء؛ كلٌّ منهم يحبس نفسه في بيته وكأنه يعيش في برجٍ عاجيّ، يعكف على كتبه – تتطلب إعادة النظر والفهم.
نعم قد أشارت بعض الدراسات إلى أن فيثاغورث مثلًا كان يتخذ بطانةً له يناقشهم في بعض المسائل، وأن بعض الرياضيين أغلق الباب على نفسه لوضع برهانٍ معيَّنٍ كما هو الحال مع أندرو وايلز الذي وضع برهانًا لنظرية فيرما، لكنَّ هذا لا يعني أن العزلةَ كانت وما تزال ديدنَ الرياضيين في كل وقت، بل المعروف أيضًا أن الأفكار الرياضية تنتشر على نطاقٍ واسع، كما أنه توجد ندواتٌ خاصةٌ ببعض فروع هذا العلم، والتي بلا شكٍّ تساعد بشكلٍ كبيرٍ في إثراء المجالات الرياضية وتبادل الأفكار والمعارف، والتاريخ مليءٌ بمثل هذه النماذج التي لا تدعُ مجالًا لافتراض العزلةِ كحالةٍ دائمةٍ للرياضيين.

دليلٌ آخر يظهر الرياضيات بمظهر الحيوية والاندماج في الواقع وينزع عنها رداء العزلة، ذاك هو دخول الرياضيات في مختلف الفنون والعلوم، فعديدُ الأنشطةِ الرياضيةِ أخذت في الظهور استجابةً للنمو السريع في جوانب الحياة المختلفة.

لمعرفةِ بعض الفنون التي تدخلُ الرياضياتُ فيها بشكلٍ ما يمكننا الاطلاع على ما كتَبَه جون دي في مقدمته الشيِّقة للترجمة الإنجليزية لكتاب «العناصر» لإقليدس، فقد أشار جون إلى بعض الفروع التي أصبحت الرياضيات جزءًا منها، فإلى جانب الحساب والهندسة – اللذيْن يُعدَّان المكونَيْن الأساسيَّيْن للرياضيات – يوجد الفلك والموسيقى وفن العمارة والاستاتيكا والديناميكا والرسم المنظوري والجغرافيا وغيرها من المعارف.

بالطبع هذا يؤكد أن الرياضيات ليست بمعزلٍ عن بقيةِ العلوم، بل هي مختلطةٌ بها، تحاول مواكبةَ التطورِ الذي تسير به بقية العلوم والمعارف، وتُثبِت موضوعاتُها «البحتة» يومًا بعد يوم أنها قادرةٌ على الإفادة في العديد من المجالات «التطبيقية».

قد يتساءل أحدهم عن سرِّ تواجد الرياضيات في طليعةِ العلومِ المؤثِّرةِ في غيرها، ولأن السؤالَ يحمل في طيَّاتِه بُعدًا فلسفيًا جاءت إجابة جاليليو جاليلي الفيزيائي والفيلسوف المعروف: «الرياضيات هي لغة العلم».

وعلى الرغم من بساطة كلمات جاليليو شكلًا، إلا أن مضمونها هو الآخر يشير إلى فلسفةِ الرياضيات، فالرياضيات ليست مجرد رموزٍ وأشكال، إنما هي لغةٌ مقترنةٌ بهذه الرموز، لغةٌ تستطيع أن تنقلَ المعارف وتحافظَ على العلم، هي ليست لغةَ العلم وحسب، إنما هي لغة العلم المدهشة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد