عَلاقة الفرنسيّين بالرّياضيات عميقة وترجع لقرون من الزّمن، ولذلك فالبلد الأول في العالم من حيث نسبة السكان لكل ميدالية (فيلذر) تحصل عليها، لم يتقبل تذيّل صغاره الترتيب الأوربي السّنوي في القدرة على استيعاب الرياضيات، فالعار هذا لا تقبله أمة تفتخر بتفرد نموذجها التربوي في صيغته المختلفة عن باقي البلدان، وفي إطاره العمومي في كل المستويات التعليمية. لذلك قامت الدنيا وقعدت، وطلب من كبار علماء الرياضيات التفكير في شكل إصلاح عاجل يعيد الرياضيات للقلوب ويقوي تعلق الصغار له ويرفع قدرتهم في تذوق حلاوة مضمونه.

تولى المهمة سِيدرِيك فِيلَانٍي المتحصّل على ميدالية فيلذز للرياضيات سنة 2010، والذي أخذ على عاتقه منذ تتويجه بالجائزة العلمية الأهم في العالم، مسؤولية المصالحة بين الرياضيات والعموم، فكرس معظم وقته لتقديم العروض للصغار قبل الكبار محاولًا إقناعهم أن عالمنا كتب بلغة واحدة، وهي بالقطع لغة الرياضيات عبر التركيز على الربط بين تطبيقاتها في الحياة اليومية والمجهود النظري الذي يختفي وراء كل استعمال. وقد جعل الرجل رسالة دفاعه عن العلوم برنامجًا أدخله قبة البرلمان الفرنسي سنة 2017. وقد اشتغل ثلاثة شهور بالتشاور مع معظم الفاعلين في قطاع التربية والتعليم ليقدم يوم الاثنين الماضي تقريرًا يُنتظر أن يتّخذ خارطة طريق لمخطّط استعجالي يهدف إنقاذ الرياضيات في صفوف الصغار بالخصوص.

ولأن مضمون التقرير يبقى صالحًا لكل الأمم التي تحمل همّ الرقي بتعليمها ومستوى صغارها العلمي، فمن الواجب أن نحمل خلاصاته وتوصياتها بلسان عربي علّها تعود بالفائدة على مجتمعاتنا. التقرير مكون مما يناهز 100 صفحة، وهو منشور منذ يوم إعلانه على موقع وزارة التعليم الفرنسية. وبالنظر لاختلاف السياقات بين المجتمعات، فسنركز بالخصوص على التوصيات الواحد والعشرين التي تضمنها التقرير. وقد صيغت في 5 مجموعات أساسية وفق طبيعة الإجراءات والفئات المعنية:

· أولًا: أولوية من الدّرجة الأولى، وتتضمن 4 إجراءات فورية، أهمّها الإعلان عبر قوانين تشريعية عن إتخاد الرياضيات أولوية وطنية قصوى تقتضي تضافر كل الجهود بما فيها انخراط الأسر في برامج التقوية، وتجهيز المؤسسات التّعليمية بوسائل تنزيل المقترحات المعتمدة للشّروع في التنفيذ انطلاقًا من الدّخول المدرسي المقبل سبتمبر 2018.

· ثانيًا: الرياضيات، فعالية ومتعة وطموح للجميع، ويقترح هذا المحور 6 إجراءات استعجالية اهمها ربط الرياضيات بالممارسة عبر خلق أندية ألعاب الذكاء وتطوير صيغ تربط باقي المواد، وخصوصًا اللغة الفرنسية بالرياضيات، واعتماد الصّيغ الإغريقية في التعليم عبر تقوية مفاهيم البرهنة والمنطق.

· ثالثًا: أرقام وحسابات، ويقوم هذا الفرع في مقترحاته الثلاثة على الإطلاق الفوري لتجارب طريقة سنغافورة في تعليم الرياضيات والقائمة على ربط المضمون بالملموس، والنظري بالحسي، والعمل على تقوية قدرة التلاميذ منذ المستويات الأولى في الحسابات الذّهنيّة بالاستناد على التكرار والاستمراريّة.

· رابعًا: التكوين المستمر والتقويّة المهنيّة، ويتضمّن هذا الشّقّ ثلاثة إجراءات تتلخّص في النهوض بالتكوين الموجه للأطر التربوية، خصوصًا بالمستويات الابتدائية، وخلق مختبرات بحث مصغرة في الرياضيات على مستوى الإعداديات والثانويات.

· خامسًا: الإشراف والتّقييم، ويتضمّن هذا الباب 6 إجراءات أهمّها تعيين مشرف وطني وشبكة مشرفين جهويين للإشراف على سير تنفيذ برنامج إنقاذ الرّياضيات، وكذا إعادة صياغة البرامج وفق التوجّهات المقترحة وخلق قاعدة وطنية لأساليب تلقين الرياضيات تضم محتويات متاحة للجميع.

التقوية المنتظرة لنظام التعليم الفرنسي مطالبة بمعالجة مشاكل أخرى جوهرية لم يطلها التقرير، خصوصًا تلك المرتبطة بفقدان مهن التّدريس لبريقها بالنظر للمجهود المطلوب وضعف التعويضات مقارنة مع مهن أقل جهدًا في القطاع الخاص، وكذا تأثر التعليم بسقم الهوية الذي لم تعد فرنسا قادرة على إخفائه، ولكن ارتداداته على اللغة ومستوى التعليم عمومًا بات غير ممكن تجاهله. وعمومًا فالاعتراف بوجود الخلل، وجعل تناوله أولويّة وطنيّة هو سمة الأمم الصّادقة في بناء رقيّها، وبه تستحقّ مكانها في ركب المتفوّقين. وفي انتظار أن تتبني الحكومات العربيّة نفس الأولويات، فلنا جميعًا أن نحاول إنقاذ الرّياضيات في بيوتنا الصغيرة، فلا أمل في بناء مستقبل تغيب فيه لغة المنطق وتوازن الكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!