السردية الرئيسية في الجزء الأول من سلسلة أفلام “الماتريكس” أو  “المصفوفة” والذي أعده الأفضل والأكثر اتساقًا مع ما يطرحه كاتب الفيلم من مضامين ثورية بين الأجزاء الثلاثة، تتحدث عن انتصار الذكاء الصناعي للآلات على البشر مما ترتب عليه استعبادهم  لتحويل أجسادهم إلى بطاريات في حقول كبيرة لاستحلاب الطاقة بعد أن حجبت سحابة كبيرة من صنع البشر الشمس التي كانت تمدهم بالطاقة، ولضمان الخضوع الكامل ربطت الآلات عقول البشر بمصفوفة ضخمة “الماتريكس” من برامج الكومبيوتر شديدة التقدم والتعقيد لتزييف وعيهم، لتحيا عقولهم داخلها عالمًا من الأحلام عبر البروكسية التي يندمج فيها الواقع بالخيال في زمن يشبه إلى حد التطابق الحياة عام 1999 ميلادية.

يهرب من تبقى من البشر أحرارًا إلى مدينة  تحت الأرض بعيدة عن متناول الآلات ليستكملوا منها إدارة صراعهم ضد الآلات لتحرير العقول عبر أنفاق المجاري القديمة، والبحث داخل المصفوفة عن “المخلص” القادر على تجاوز كل القيود البرامجية داخل المصفوفة والانطلاق  بحرية كاملة دون خوف من عملاء الآلات بالداخل، لتحرير أكبر عدد من البشر تمهيدا للانتفاضة ضد جمهورية الآلات وهو من لقَّبوه بـ “the one”  أو المخلص. هذه الفكرة الراسخة بجذورها في عمق الثقافة الإنسانية والتي تم استدعاؤها في الثقافة المسيحية والإسلامية والبوذية، وإن كان المعني الرمزي للمخلص داخل الفيلم قد يتجاوز فكرة الشخصنة الهوليوودية الضيقة المرتبطة بشباك التذاكر إلى البحث عن النخبة أو الحزب أو التنظيم “الأكثر قدرة” على اختراق وتجاوز كل القواعد والقيود التي يفرضها النظام عمومًا.

 

ليعثروا على “نيو” الشاب الذي يعيش حياتين؛ واحدة نهارية كمواطن عادي تحت اسم مستر أندرسون موظف بإحدى الشركات التقنية يحيا حياة عادية دون تساؤلات، وليلية تحت اسم “نيو” الهاكر على الشبكة العنكبوتية الذي تؤرق ذهنه الأسئلة حول طبيعة الماتريكس، هذه الأسئلة التي عبر عنها مورفيوس مخاطبا “نيو” :


 – ما تعرفه لا تستطيع أن تعبّر عنه، لكنك تشعر به. لقد شعرت في حياتك، أن هناك شيئًا خطأ في هذا العالم. لكنك لا تعرف ما هو الخطأ، لكنه موجود، كشيء غريب في عقلك، يقودك إلى الجنون. وكأننا هنا أمام إعادة إنتاج  لرواية “دكتور جيكل ومستر هايد” ولكن بطرح جديد أكثر ثورية وأكثر تحررًا من أخلاقيات العصر الفيكتوري.

 

تبدأ رحلة تحرير “نيو” من المصفوفة بعد حوار فلسفي مع “مورفيوس” زعيم التنظيم السري الموقن من إمكانية النصر على الآلات وإنقاذ البشرية، حول موقع الحقيقة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي ليعرض عليه “مورفيوس” الاختيار ما بين الاستسلام والعودة لمستر أندرسون تمامًا وتناول “الحبة الزرقاء”، أو السعي  حتى آخر نفس نحو الحقيقة وتناول “الحبة الحمراء” مؤكدًا أن :


– الماتريكس عالم وضع أمام عينيك لكي يعميك عن الحقيقة أما الحقيقة فيجب أن تراها بنفسك ولا يستطيع أحد شرحها لك.

يختار نيو البقاء في أرض العجائب وتناول “الحبة الحمراء” ليرى كم هو عميق جحر الأرنب ويتعرف على صحراء الحقيقة “بعد أن خاض تجربة تشبه الولادة وآلمه بصره عندما استخدمه موضوعيا للمرة الأولى خارج المصفوفة، وبعد سلسلة طويلة من التدريبات لتحرير عقله يستعد لعمل الزيارة الأولى لـ”الأوراكل”، والتي ينعتها “مورفيوس” بأن “نبوءاتها ليست على صواب وليست على خطأ” ولكنها “مرشد عمل” وفقط.

هناك يلتقي “نيو” بطفل يمسك بملعقة ويثنيها بمجرد النظر بطريقة مستحيلة وعندما يتعجب نيو من ذلك يقول الطفل:  لا تحاول أن تثني ملعقة بمجرد النظر فهذا مستحيل ولكن بدلا من ذلك حاول أن تصدق أنه ليس هناك ملعقة من الأساس.

 
الطفل أو بالأحرى كاتبا الفيلم الأخوان “واتشوسكي” هنا لا يناقشان حدود العقل البشري فقط، ولكنهما يجيبان في جمل بسيطة عن السؤال الأهم بعد من أين؟ وهو إلى أين؟ بمعنى هل يمكن تغيير المجتمع للأفضل؟ أم أن من العبث محاولة تغيير هذا العالم؟ ويجيبان على لسان الطفل “نعم” يمكننا تغير العالم لو كان لدينا “الفهم” لطبيعة هذا العالم و”اليقين” بإمكانية تغييره، فمصدر القوة الأعظم للنظام والحكومات التابعة له هو قناعتنا الذاتية بتلك القوة واستسلامنا لها.

 

 

هذا الاستسلام الذي قد يكون جبريًّا دونما إرادة أو معرفة أو اختيار كما هم البشر العاديون المرتبطون بالماتريكس، والذي عبر عنهم مورفيوس:
– الماتريكس هو نظام يا نيو، وهذا النظام هو عدوّنا. وأنت حين تكون بداخله تنظر حولك، ما الذي تراه؟ رجال أعمال، معلّمين، محامين وعاملين. إنها عقول الناس الذين نحاول مساعدتهم.. لكن لحين إنقاذهم فهؤلاء الناس هم جزء من النظام، وهذا ما يجعلهم أعداء لنا. عليك أن تفهم أن أغلب هؤلاء الناس غير جاهز ومستعدّ بعد ليعي حقيقة ما يحصل. والعديد منهم قد اعتاد حياته، الكثير منهم يعتمد دون أمل على هذا النظام لدرجة أنهم سيقاتلون دفاعًا عنه.

 

 

أو استسلامًا إراديًّا  بعد معرفة واختيار، والذي عبر عنه البطل الضد “سيفر” والذي كان ضمن فريق عمل مورفيوس ولكنه ندم على تناوله “الحبة الحمراء” منذ تسع سنوات؛ وهو يخاطب العميل سميث بأحد المطاعم أثناء التدبير لمكيدة الإيقاع بمورفيوس، بينما يغرس شوكته في قطعة اللحم :


 – أنت تعرف أنني أعلم أنه ليس هناك قطعة لحم. أعلم أنني عندما أضعها في فمي الماتريكس يخبر عقلي أنها لذيذة.. بعد تسع سنوات هل تعلم ما أعتقده؟
ويتناول قطعة من اللحم في استمتاع ويقول :  اللامبالاة شيء مبهج.

 
ثم يشترط على العميل سميث بعد نجاح المكيدة أن يعود للمصفوفة ولا يتذكر شيئًا من الماضي، وأن يكون شيئًا ذا قيمة في هذا العالم الوهمي “فنانًا شهيرًا” حتى يموت كغيره، فلا فائدة من محاولات تغيير هذا العالم معبرًا بوضوح عن مثقفي البرجوازية والطبقة الوسطى الحديثة من المرتدين لعباءة “ما بعد الحداثة”، المدافعين عن سياسات “الليبرالية الجديدة” و”فلسفات نهاية التاريخ”.

 

 

نعود مرة أخرى إلى غرفة “الأوراكل” حيث تدير هذا الحوار مع “نيو”، تقول الأوراكل :


 بالمناسبة لا تقلق على هذه المزهرية.
فيستدير نيو لينظر إلى المزهرية وهو يقول:
 – أي مزهرية؟
فيرتطم مرفقه بمزهرية فوق المنضدة خلفه لتسقط وتتحطم، فتقول الأوراكل :
–  هذه المزهرية.
تبدو معالم الدهشة الشديدة على وجه نيو ويعتذر متسائلا :
–  كيف عرفت؟
–  ما سيجعلك تستغرق في التفكير لاحقا هو هل كانت المزهرية ستنكسر لو لم أقل لك ذلك؟
هنا الأوراكل تناقش قضية غاية في الخطورة حول مصدر الفعل الإنساني سواء الفردي أو الجمعي  بين الاختيار والإجبار، بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، متجاوزة المنطق الصوري الميتافيزيقي الذي ينطلق من الكليات المطلقة إلى الجزئيات ويفصل الظواهر عن بعضها وعن سياقها الاجتماعي، مما يسقط الفعل الفردي والجمعي عبدًا لقوى غيبية من خارج التاريخ كواحد من ظلال كهف أفلاطون، أو عبدًا للعبث الذي هو جوهر العالم كما يقول ألبير كامو، كما تتجاوز النظريات الحتمية والميكانيكية التي تعزل الشرط الذاتي عن الموضوعي وتخرجه تمامًا من المعادلة، مما ينفي تمامًا قيمة الذات في عملية التغيير ويخرج الفعل الإنساني من دائرة التأثير ليسقط عبدًا للقوى الاجتماعية والاقتصادية المتصارعة.


فالأوراكل هنا أو بالأحرى كاتبا الحوار ينتصران للمنهج الجدلي الذي يرى الظواهر المتناقضة كلًّا متصلًا ومتفاعلًا ضمن سياق أوسع يشمل التفاعل ونتيجة التفاعل، كما أنه يضع الفعل في المسافة بين الوجود والوعي، بين الذات والموضوع، وبالتالي فالجدل الدائم بين الظواهر المختلفة والمتضادة والتفاعل الدائم فيما بينها هو الأصل، وهو ما يخلق التغيير سواء للأمام أو للخلف، ومن هنا لن نستطيع الإجابة هل كان مقدرًا أن يكسر نيو المزهرية أم أن توقعات الأوراكل وإلمامها بالعديد من العوامل هو ما دفعها لقول ذلك، كما أنه لو لم تنبه الأوراكل نيو للمزهرية هل كان ليكسرها من الأصل، بمعنى أكثر وضوحًا هل وجود ودعاية التنظيم الثوري هي من يخلق الثورة؟ أم أن حركة الجماهير وحدها هي من يخلقها؟ أم أن الأمر في المسافة بين هذا وذاك؟ وهو ما سيقدمه المونولوج الختامي الذي يوجه فيه نيو عددًا من الرسائل للجميع ويقول: 


 – أعرف أنكم بالخارج، وأعرف أنكم خائفون منا، خائفون من التغيير، أنا لا أعرف المستقبل، ولم آتِ لأخبركم كيف سينتهي هذا، إنما أتيت لأخبركم كيف سيبدأ، سوف أريهم ما لا تودون أن يروه، سأريهم عالمًا بدونكم، عالمًا من دون قواعد أو تحكم أو حدود، عالمًا كل شيء فيه ممكن، هذا هو خياركم.
لينتهي الفيلم بنيو يعلن أن الطريق إلى الحرية هو المهم ويتجول بكل حرية داخل المصفوفة، متجاوزًا كل قيودها البرامجية لتحرير المزيد والمزيد من العقول تمهيدًا للثورة على جمهورية الآلات، على خلفية صاخبة لموسيقى روك تهتف “استيقظ”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد