ولا يمكننا أن نخوض في حديث عن النظام العالمي ومصفوفته دون الحديث عن أهم أدواته وملامحه الرئيسية، ألا وهي (الدعاية). فلو أننا أردنا أن نختار اسمًا لذلك النظام الذي نحيا تحت سطوته فهو بجدارة (نظام الدعاية)، ولو سمي هذا العصر باسم لكان (عصر الدعاية). فالدعاية أصبحت تدخل في كل شيء، وتؤثر في كل اختيار.

فاختيارك لشكل ملابسك ونوعية طعامك تؤثر فيه الدعاية، واختيارك لمكان إقامتك أو أجازتك تؤثر فيه الدعاية، واختيارك لمرشحك في أي انتخابات وللنظام السياسي الذي تفضله أو تميل إليه يتأثر بالدعاية، وأيضًا اختيارك للقناة التي تتابعها والبرنامج الذي تشاهده والمثقف الذي تأخذ منه، والداعية الذي تستمع إليه، والعالِم الذي تستفتيه، والكتاب الذي تقرأه، والقضية التي تهتم بها، والطبيب الذي تذهب لمراجعته، والصيدلية التي تشترى منها دواءك، كل ذلك يتأثر قرارك فيه بالدعاية.

الدعاية هي كلمة السر التي تدير بها المصفوفة العالمية المشهد لصالحها، وتحقق نجاحاتها، وتبسط سيطرتها. والدعاية ليست هي الإعلام فقط، بل الإعلام مجرد أداة من أدواتها العديدة، فالدعاية كما تتم من خلال وسائل الإعلام بأنواعها، فإنها تتم من خلال التقارير المنشورة عن موضوعات معينة، والأفلام والمسرحيات، والقضايا المتفجرة في مجتمع ما. وصناعة السينما وصناعة الكرة. بل والدعاية من خلال فرض نمط حياة معين.

الحقيقة أن الدعاية هي كل محاولة أو أداة أو تكتيك يتم استخدامه للتأثير في تفكير الناس أو توجيهه أو السيطرة عليه بغرض تغيير شخصياتهم أو سلوكهم أو قناعاتهم. والدعاية قد تكون سلبية أو إيجابية، بحسب الهدف الذي تهدف إليه. فلو أنها تروج لمنتج ذي مزايا حقيقية وتظهر تلك المزايا بموضوعية فهي بلا شك إيجابية. أما لو خالفت الموضوعية وراحت تطبع في نفوس الناس صورة ذهنية للمنتج تختلف تمامًا عن حقيقته الرديئة، فهي دعاية سلبية. وتزداد سلبيتها كلما تعمق الفارق بين حقيقة المنتج والصورة المروجة له، حتى نبلغ أكثرها سوداوية وسلبية في ذلك النوع من الدعاية الذي يقلب الحق باطلًا، والباطل حقًّا، ويصنع من الضحية مجرمًا، ويصور المجرم الجلاد على أنه الضحية.

والدعاية التي يستخدمها النظام العالمي لترسيخ سطوته هي من أسوأ أشكال ذلك النوع الأخير، والأمثلة على ذلك كثيرة وموجودة في كل المستويات، ولعل من أقربها وأوضحها ما حدث في مصر خلال الفترة من 25 يناير 2011 وحتى اليوم، ولكن دعونا نوضح الأمر من خلال أمثلة أكثر ارتباطا بالأمة جمعاء.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي تم فيها تحويل اتجاه أربع طائرات نقل مدني وتوجيهها لتصطدم بأهداف محددة نجحت في ذلك ثلاث منها. الأهداف تمثلت في برجي مركز التجارة الدولي بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، والتي سقط نتيجتها 2973 قتيلًا و 24 مفقودًا، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين. هذه الحادثة التي تم استغلالها دعائيًّا من قبل النظام العالمي لترسيخ إلصاق الإرهاب بالمسلمين وتبرير غزو العراق وأفغانستان، بل وتبرير كل الأعمال العسكرية والاضطهاد والقمع ضد المسلمين حتى يومنا هذا. وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هجوم 11 سبتمبر نفسه، إلا أن ضحاياه الذين لم يتعدوا ثلاثة آلاف قتيل تم استغلالهم دعائيا لتبرير غزو دولتين واحتلالهما، قتل خلالها في العراق وحدها حسب دراسة مسحية أجرتها مجلة لانسيت الطبية البريطانية  655000 عراقي منذ بداية الغزو الأمريكي في 19 مارس 2003 وحتى 11 أكتوبر 2006 فقط!

والحال في أفغانستان لا يختلف كثيرًا عن مثيله في العراق من حيث عدد الضحايا ووحشية الحرب. ورغم ذلك فقد استطاعت الآلة الدعائية الضخمة للنظام العالمي أن تغطي على موت مئات الآلاف، بالنحيب على موت ثلاثة آلاف.
واستطاعت تبرير هدم أحياء ومدن كاملة وتسويتها بالأرض قصفًا بالطائرات والمدافع، بهدم برجين ومجموعة مبانٍ أخرى محدودة، وتمكنت من حصر صورة المسلمين داخل إطار الشر المحض، ووضع الجيوش الغازية المعادية في صورة الشريف المدافع عن الحق. وتمكنت من إظهار احتلال الشعوب وقمعها وقهرها على اعتبار أنه تبشير بالديمقراطية وتحرير من القهر!

مع أن مجرد النظر للأرقام والإحصائيات يشى بوضوح بحقيقة الأمر، إلا أن الدعاية السوداء غيرت ذلك كليًّا، حتى وجد من المسلمين أنفسهم من فرح بموت الإرهابي (الملا عمر) الذي لم يفعل شيئا سوى أنه دافع عن بلاده وبلاد المسلمين ضد احتلال أجنبي متجبر ظالم، ووجد من المسلمين أيضًا من سمع خبر مقتل (بن لادن) ثم جلس يحمد الله على الخلاص منه، مغيبًا عن واقع أننا لو أقررنا بأن كل ما فعله بن لادن كان إجرامًا محضًا، فإنه لا يتعدى كونه قطرة في محيط نجاسة إجرام النظام العالمي.

وما زالت الدعاية تقوم بدورها القذر. فعندما أرادوا – لأغراضهم – إبكاء العالم أجمع على طفل – إيلان – مات أثناء محاولة أسرته الفرار إلى أوروبا من الجحيم السوري الذي صنعوه على أعينهم، فعلوا.

في حين أن تلك الآلة الدعائية نفسها هي التي تجاهلت، بل وشاركت في إخفاء جريمة موت آلاف الأطفال في العراق جراء حصار ضربه ذلك النظام عليها، وموت مئات الأطفال في غزة تحت قصف طيران الصهاينة المجرمين. وموت آلاف الأطفال في سورية بالبراميل التي يضرب بها جيش بشار المدن السورية، بشار الذي ما زالوا يدعمونه حتى اليوم ويبحثون له عن خروج آمن!

إنها الدعاية يا سادة.الدعاية السوداء التي تمارس على كل المستويات. من الخطاب الإعلامي، إلى عناوين الصحف، إلى كواليس الأفلام، والبرامج الحوارية. الدعاية التي تخدمها صياغة المصطلحات وتبني الشعارات. الدعاية التي تتسلل إلى الجميع من خلال نمط الحياة وصناعة الموضة ومقاييس الجودة! إنها الدعاية التي طغت على العصر حتى صارت صفته التي يتصف بها، وكارثته التي شوهته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد