لو لم أكن معلمًا لوددت أن أكون طبيبًا.

توطئة: 

«هروبًا من جو كورونا الذي ملأ كل السطور والمقالات والقنوات و… ارتأيت أن نكتب في شيء خارج الصندوق، وأن نحلق معًا في موضوع معين، قلما نتمعن فيه، دعونا ندردش قليلًا حول شخصية الطبيب من جانب النضج الذي يحصله جراء خدمته..» ولعل من إيجابيات كورونا أنها جعلتنا نعيد النظر في أهمية الطبيب.

  • لماذا الطبيب متميز؟

لو أمكنني أن أختار مصيرًا آخر غير التدريس لاخترت التطبيب.

مند طفولتي وأنا أتأمل شخصيات الناس بمختلف أنواعهم مدرس، سائق التاكسي، بائع السجائر، ملمع الأحذية… ولعل أبرز الشخصيات التي استوقفتني هي شخصية الطبيب (ليس كل طبيب طبعًا). كيف لا ونحن لا نجد في مياديننا المختلفة أطباء، سواء في الأدب بمختلف بنياته وأنواعه القديمة والحديثة، ونجدهم في الفلسفة والفقه والفكر الإسلامي و… مما يؤكد أنها شخصية ليست عادية، بل هناك ما يميزها.

إن لفظة طبيب وحدها تفرض نفسها في ذهن ولاشعور الإنسان، فمجرد ذكر اسم طبيب (كذات؛ يجوز أن تكون ذكرًا أو أنثى) تحضر سلطته كذات غامضة عميقة يحوطها سر إلهي.. أو كمخلِّص لأوجاع النفس والبدن، أو باعتباره تجسيدًا للعلم النافع. فله على الجانب النفسي لدينا سلطة، إذ يشعر السقيم فور دخوله عند الطبيب واستسلامه ليديه المتفحصتين بأنه قد شفي، وكأنه كان مدعيًا للمرض فقط، أو كأن في يد الطبيب سرًا إلهيًا غامضًا.. بغض النظر عن الافتراضات التي تفسر هذه الظاهرة[1].

  • كيف تكون رؤية الطبيب للناس؟

لا شك أن الطبيب يعيش في عالمين رئيسين: عالم المستشفى/ العيادة، وعالم الحياة العادية. ففي المستشفى/ العيادة مهمته التطبيب، الملاحظة والفحص والتحليل والحكم.. ولعله أعلم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فخطأ غير محتسب قد يودي بحياة إنسان.. تم دخوله في عالم الجراحة والتشريح وزراعة الأعضاء أو بترها، ناهيك عن عوالم النفس البشرية المعقدة.

وفي حياته اليومية يعيش مع أسرته بشكل عادي، ومع أصدقائه وأقربائه، ويحتك بمختلف شرائح المجتمع في المقهى والسوق… إلخ. لا شك أنه توقف ولو مرة مع هذا الإنسان (الـمريض) الملقى في سريره بالمستشفى/ العيادة.. وهو في منتهى الذل والخضوع والهوان والاستسلام التام جسديًا ونفسيًا، وقد كان قبل ذلك في الخارج يصرخ ويغضب ويظلم ويتجبر وتعلو وتهدأ.. أين حدتك التي تتبجح بها على الناس أين مالك الذي تختال به أين تقززك وتكبرك وأين غرورك اللعين.. أين غباوتك وأنت تغضب على أتفه الأشياء، وتسخط على الحالة والحظ وهم منك براء، وأين جحودك لله الخالق ونعمه.

شتان بينك حـيًا أيها الإنسان «تضحك ـ تغضب ـ تظلم…».

وبينك وأنت طريـــــح الفراش «ضعيفًا، مغمورًا، زاهدًا…».

  • نضج الطبيب

صار الطبيب يبتسم بحرقة في وجه ذلك الغاضب القابع بسيارته، ويقذف الناس بالسباب المتناثر لسبب أو لآخر، يشاهد ترامب أو ــــ وهما يرعبان العالم وينشران سلطتهما، في حين أنهم يعجزون عن صد فيروس مجرد متناهي الدقة في الصغر يهددهم وشعوبهم.. لذلك تجد شخصية الطبيب الحق تتسم بالحكمة، والرشد، والتواضع، والوقار، والتوازن، واليقين.

خاصة وأنهم يحتكون/ يلتقون في اليوم الواحد بمختلف شرائح المجتمع الغني والفقير، المثقف والجاهل، الكبير والصغير، الرجال والنساء… غير أن بعض الأطباء يقعون في صدام معهم عوضًا عن الانسجام؛ ذلك الانسجام الذي يتيح لهم التخليل السليم وحس الحكم، ويتيح لهم التأمل.

[1] هذه الافتراضات القديمة التي أثبتها العلم الآن تدعي بأن الشفاء والدواء كامن في الإنسان نفسه بمعنى أن المريض يحتوي في داخله على الدواء.. يتعلق الأمر هنا بشيء أكبر من الجسم بل بالكيان النفسي المجرد صاحب السلطة الكبرى. 

«دواؤك فيك وما تُبصر وداؤك منك وما تَشعر
وَتزعم أنك جرمٌ صغير، وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ». *طب علي بن أبي طالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد