أذكر أنه في أحد محاضرات الفصل الماضي، تناول المحاضر مفهوم القلة والكثرة، ما زلت أذكر تفاصيل كلامه، لِما كان لها من أثر كبير عليّ.

بدأ حديثه حينها عن مفهوم الطموح في حياة الإنسان، وهل القناعة هي الأمر المقابل له، حيث ذكر أنه حسب تجارب اجتماعية، فإن الإنسان  الذي يقنع بما لديه، يكون أكثر سعادة ممن يسعى دائما للأفضل.

أردف قائلا أن كلامه لا يعني عداءه لتطوير الذات والسعي الدائم لذلك، ثم شرح فكرته بالمثال التالي:

عند ارتباطك بعلاقة ناجحة مع شخص ما، فإنه قطعا ليس الشخص الأنسب على الإطلاق لك.

 

بتفكيرٍ إحصائيٍ منطقي فإن على الكرة الأرضية ٧ بليون إنسان، هناك من هو أنسب لك من هذا الشخص.

إذا؟

حسب ما ورد في نتيجة البحوث فإنك باقتناعك واستمرارك بما لديك ستكون أكثر سعادة، ممن يترك شريكه ويذهب للبحث عن ذاك الشريك “«المثالي» له، رغم سعادته بعلاقته السابقة.

وذلك يمكن تعميمه على كثير من مجالات الحياة، كالعمل، والدخل، وشراء الحاجيات.

 

بهذه الفكرة أراد الوصول إلى المحور في حديثه حينها، تناول مجموعة من آراء العلماء على أساس بحوث اجتماعية قاموا بها، وكان الرأي الأساسي الذي سانده شخصيا هو أن قلة التفكير والعلم تكون أفضل!

فكرته تشرح نفسها عبر آلية التجارب التي ذكرها، حيث قسم العلماء عددا من الأشخاص إلى مجموعتين، وأدخلوهم إلى متجر تسوق وطلبوا منهم اختيار منتجٍ معين.

المجموعة الأولى سُمح لها بالتفكير قبل الشراء كما أرادت، وأعطيت الوقت الكافي والهدوء لتقوم بذلك.

أما المجموعة الثانية: فخلال بحثهم عن المنتج المناسب لهم تعرضوا إلى عنصر تشتيت؛ جعل تركيزهم على ما سيختارونه يتجه لأمر آخر تماما، حتى لم يبق لهم إلا قليل من الوقت، جعلهم يختارون أول منتج مرضٍ لهم.

بعد أسبوع من العملية قام الباحثون بالتواصل مع الأشخاص من المجموعتين، وكانت نسبة رضا المجموعة الثانية بمنتجاتهم أكبر بكثير من نسبة رضا أصحاب المجموعة الأولى.

ثم أكمل: إنه غالبا ما تكون الإجابات الأولى في الامتحانات هي الصحيحة، لا التي يقوم الطلاب بكتابتها بعد محو الإجابة الأولى.

حتى في عالم الرياضة عندما يتصرف لاعب كرة السلة بعفوية دون كثير من التفكير، فإنه غالبا ما يحرز هدفا، بعكس متردد يحسب كل خطوة يقوم بها في اتجاه هدفه.

إذا فإن اتباع «الحدس» يوفر علينا الكثير من الإرهاق، ويجعلنا أكثر سعادة بما نملك.

هذا عن قلة التفكير، ولكن ماذا عن قلة العلم؟!

شرح الفكرة حينها: أنه كلما كثر علمنا بأمر ما، صعب علينا اتخاذ القرار المناسب بشأنه.

ومثالا على ذلك قال: إن كنت تحتاج شراء سيارة، واحترت بين عدة سيارات مختلفة، وأخذت تبحث في معلومات كل منها، فإنك كلما علمت عن سلبيات إحداها أتتك سلبيات الأخرى، وكلما ابتعدت عن أكثرهم سلبية جاءتك الأقل إيجابية لتنفرك منها، حتى تضيع الكثير من الوقت والطاقة وأنت محتار لا تلوي على شيء، ثم تمل في آخر المطاف، وتختار دون وعي كاملٍ لما أنت مقدم على اختياره، وتكون قد أفسدت على نفسك الاستمتاع بما اخترت، لأن ميزات باقي السيارات ستبقى تلاحق فكرك.

ضحك حينها وقال: إن كلامه هذا لا يعني عدم حاجتنا للعلم وإمكانية أخذ محاضرات الصباح فرصة للنوم، لكن جهلنا يكون أحيانا لصالحنا؛ إن أحسنا استخدامه بطريقة ممنهجة، ثم أردف ضاحكا: إن ما نحتاجه في حياتنا هو «نصف علم».

في بقية المحاضرة تحدث بأن الإنسان  الطبيعي يميل إلى إعطاء نفسه قيمة أكبر من واقعها، وأن الشخص المعاني من الاكتئاب هو من يقيّم نفسه بواقعية أكثر من سواه.

فكرته حينها كانت: إننا كبشر، نعتقد أننا نملك سلطة أكبر على حياتنا مما هو الحال في حقيقة الأمر.

إنّ حياتنا كبشر محكومة بالصدفة أكثر بكثير من حكمنا نحن عليها، وإنْ  كنتُ شخصيا أختلف معه في المسميات، فإن كان يسمي ذلك صدفة فأنا أسميه قدرا وحكمة إلهية.

لكني اتفق معه في جوهر الفكرة، أننا نسيء تقدير حجم سلطتنا على حياتنا رغم قدراتنا المحدودة.

رغم أن ذلك صِحيّ لنفس الإنسان، وليستطع متابعة حياته بالصورة الطبيعية، فإنه يحتاج لرفع قدر نفسه إلى الصورة التي يتمناها ثم يكاد يجزم بصحة ذلك.

في كلّ ذلك لم أذكر إلا آية قرآنية، كثيرا ما كانت سببا في حيرتي  «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم».

وأدخل في دوامة الأسئلة، هل القرآن يعادي العلم؟ ماذا عن اقرأ وكونها بداية أول آية نزلت في القرآن؟!

وأستمر في دوامتي دون جواب كامل شاف.

كانت كل أفكار البروفيسور يومها تفسيرا منطقيا لما تحمله هذه الآية.

لا أعلم إن كنت قد أخطأت استخدام تلك الأفكار في تفسير الآية خارج السياق الذي نزلت فيه.

لكن بالنسبة لي شخصيا فإنها فكرة تزيد من فهمي للآية وتطبيقي لها.

في نهاية المحاضرة ذكر لنا المحاضر: أن الآراء التي ذكرها يساندها عدد كبير من العلماء، لكن بطبيعة الحال في المجالات العلمية فإن كثيرا منهم يرفضها أيضا، ويساند أفكاره بوجود تجارب تدعم وجهة نظره.

ولكل شخص حرية اختيار أحد تلك الآراء في حياته، أو الخلط بينهما حسب ما يناسبه، لكن دون أن يضيع الكثير من الوقت في الاختيار، فإنه سرعان ما سيلاحظ أن كثرة التفكير لن تفيده كثيرا، عليه فقط أن يبادر ويبدأ، وكل شيء سيكون على ما يرام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد