في المقالات الثلاث السابقة تحدثنا عن مفاهيم الرحيل، ونظرياته المختلفة، والعوامل التى تشجع على حدوثه وتسهل ذلك، ولمن أراد قراءة ماسبق العودة لصفحة الكاتب على الموقع

 

في مقال اليوم سنتحدث عن الرحيل العكسي، العودة للديار بعد غياب يقصُر أو يطول، وربما أُهملت الدراسات الخاصة بهذه الظاهرة كونها جزءا أصيلا من ظاهرة الرحيل بشكل عام، لكن بعض الباحثين انتقدوا هذا الإهمال مشددين على أهمية تناول الظاهرة بشكل متكامل.

 

وغالبية العوامل التى استعرضناها في مقالنا السابق، قد تفسر بها ظاهرتا الرحيل الأصلي والعكسي، لكن هناك مجموعة من العوامل قاصرة فقط في تأثيرها على الرحيل العكسي وسنعرض لها فيما يلى:

 

 1- تغير القدرة الشرائية للعملة:-

ارتفاع أو انخفاض القدرة الشرائية للعملة النقدية المتداولة في بلد الهجرة، قد يكون لها بالغ الأثر على اتخاذ المهاجر لقرار العودة لوطنه، ففي الحالة الأولى قد يساعد ذلك المهاجر على تحقيق الهدف أو العائد المطلوب من هجرته، بمعدل أسرع مما كان يتصوره فيبادر بالعودة لبلده، وفي الحالة الثانية قد يعود خائب الرجاء نوعا؛ ذلك أن هجرته لم تحقق أهدافها المنشودة، أو تغطي تكاليفها بما يدفعه للاستمرار بعيدا عن أهله.

 

2- تحقق الأهداف:-

 

لا أحد يهاجر بلا هدف، قد يهاجر من يبحث عن عمل، عن تعليم أفضل، عن خبرة في مجال ما، عن مستوى معيشي مرتفع، حياة أكثر رفاهية وأحيانا إنسانية، وقد يرغب البعض في الحصول على الجنسية… إلخ.

 

يرتبط مقدار تحقق هذه الأهداف سلبا أو إيجابا برغبة وقدرة المهاجر على العودة، وأثبتت الدراسات أن من يتخذ من البدء قرار الهجرة كقرار مؤقت، يكون معدل إنجازه في العمل وكمية ما يحوله من أموال، أكثر من نظيره المتخذ لقرار الإقامة الدائمة والاستقرار.

 

بالطبع قد لا تتحقق هذه الأهداف، لكن الخوف من العواقب الأسرية والمجتمعية والوصم بالفشل والضعف، قد تدفع بالمهاجر للاستمرار ولو إلى حين، حتى تتحول ظروفه للأفضل أو تتحقق أهدافه ومن ثم يعود.

 

 

3- تغير عوامل الجذب والطرد بين البلدين :-

 

بشكل عام ترتبط ظاهرة الرحيل الأصلي بعوامل الجذب، فيما ترتبط ظاهرة الرحيل العكسي بعوامل الطرد، ، وتصنيف العوامل المؤثرة في اتخاذ قرار الرحيل إلى عوامل جذب وطرد معقد وغير مستقر، ذلك أن مجمل الظروف المحلية والإقليمية والدولية تؤثر فيما يمكن اعتباره عامل جذب للهجرة لدولة ما، أو الهجرة منها.

 

وسنعرض لعدة أمثلة موجزة:-

 

مثالنا الأول ماحدث في الصين في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تناقص بشدة معدل عودة الطلاب الصينيين الدارسين بالخارج، لأسباب تتعلق بالوضع السياسي في البلاد، ظروف العمل السيئة، الأجور المنخفضة وما يتبع ذلك من تردي مستويات المعيشة.

 

فعملت الحكومة الصينية على إقرار قوانين، تتيح معاملة تفضيلية للطلاب العائدين من الخارج فيما يتعلق بظروف العمل والأجور والرعاية الصحية، دون الارتكان إلى انتماءاتهم السياسية والتي كانت تلعب دورا بارزا في هذا الإطار،

نتاج ذلك كان مشاركة فاعلة لهؤلاء في الطفرة الصناعية والحضارية التي حققتها الصين بدءا من ذلك العهد.

 

المثال الثانى ماحدث في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أحداث سبتمبر 2001 من تضييق أمني وتجاوزات وسمت بالعنصرية تجاه العرب عموما والمسلمين خصوصا، كانت مثل هذه الإجراءات والتصرفات داعية وبوضوح لعودة الكثيرين منهم خصوصا الطلاب والسياح لبلادهم، ولقد حدثت انفراجة فيما بعد في هذا الشأن وإن تعقدت الإجراءات المطلوبة للسفر لأميركا عما كانت سابقا.

 

كذلك يشكل عامل مثل الهجرة غير الشرعية سببا رئيسا، في إجبار المهاجرين على القيام برحيل عكسي إجباري، مثال ذلك ما قامت به المملكة العربية السعودية عام 2013، من عملية ترحيل وصفت بأنها واحدة من أكبر عمليات الترحيل في التاريخ الحديث لمن لا يمتلكون إقامات نظامية أو شرعية داخل حدود المملكة، وقد بلغ عدد هؤلاء ما يقارب المليون شخص.

 

 

أضف لذلك تحول عامل الجذب كتوافر فرص العمل في أوروبا في حقبة الخمسينيات، إلى عامل طرد في السبعينيات عن طرق سن قوانين من قبل نفس الدول التى كانت تدعو وتشجع على الهجرة إليها، وهذه القوانين بطبيعة الحال كان لها بالغ الأثر في دفع المهاجرين إلى اتخاذ قرار العودة بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

 

4- جنسية بلد الهجرة:-

 

يلعب الحصول على الجنسية دورا مزدوجا فيما يتعلق بعملية الرحيل العكسي، فقد يكون دافعا للاستقرار في بلد المهجر، وقد يكون دافعا للعودة منها إلى البلد الأصلي، حيث إن الحصول على الجنسية كان وراءه هدف ما سياسي إو اقتصادي أو اجتماعي، ولا يشكل الحصول على الجنسية سوى معبر لهذا الهدف.

 

أينشتاين يصبح مواطنا أمريكيا. 1

 

 

 

 

 

5- تغير قيمة رأس المال البشرى:-

 

يؤثر أداء المهاجر وتحقيقه للغايات من وراء سفره من عدمه، في قرار عودته أو استمراره حيث يكون، فالناجح قد يعود لاكتفائه بما حققه، وقد يستقر في بلد مهجره لصعوبة تحقيقه نفس القدر من النجاح في بلد المنشأ، ومن لا يوفق قد يلجأ للعودة إلى بلده بحثا عن فرصة أخرى، وقد يستمر بالخارج أفضل من العودة لبلده في كل الأحوال.

 

 

6- الانتقائية:-

 

الانتقائية في اختيار المهاجرين قد تكون سببا في بقائهم أو عودتهم من بلد الهجرة، ويرى الباحثون أن عودة المهاجرين من عدمها تعتمد على إيجابية أو سلبية اختيارهم من الأساس، فالمنتقون إيجابيا سيعود منهم الأسوأ، والمنتقون سلبيا سيعود منهم الأفضل، ومعايير الانتقاء تتعدد كالمستوى التعليمي، الكفاءة، الخبرة…إلخ.

 

 

7- المشاعر الوطنية:-

 

تخلُص بعض الدراسات إلى أن المشاعر الوطنية تنمو أو تزداد، عند الأقل تحققا في بلد الهجرة، مما يدفعه نحو تغذية حس الانتماء لوطنه كمحاولة لتدعيم ثقته بنفسه، وقد يلجأ لذلك في مواجهة سلوكيات عنصرية تتعلق بديانته أو قوميته.

وأحيانا وبرغم هذه المشاعر، قد تمنع ظروف معينة، المهاجر من العودة إلى وطنه فيتولد حينها مايعرف بوهم العودة، أسطورة العودة Myth of Return.

 

 

8- الاحتفاظ بروابط قوية مع البلد الأم:-

قد تشكل الأسرة مكونة من الزوجة والأطفال الرابط الأهم بين المهاجر وبلده، ولعل الحنين إلى الاجتماع بهم، وتقضية الوقت كأسرة طبيعية متحابة ومتآلفة يكون الدافع الأبرز للعودة، كذلك إرسال الحوالات المالية لهم بانتظام يزيد من احتمال عودته بتحقق الأهداف المادية المرجو تحقيقها من وراء سفره.

 

 

9- مستوى الانسجام:-

 

مهاجرون جدد يتعلمون الإنجليزية بكندا

 

 

 

 

لأنه عامل نفسي، وليس اقتصادي، فلم يحظ بالاهتمام اللائق أو المطلوب. برغم أهميته وتأثيره على قرار المهاجر بالرحيل أو العودة.
فبرغم أن من يهاجر بدافع تحسين مستوى معيشته أو بحثا عن بيئة عمل أفضل، يندر أن يؤثر انسجامه من عدمه مع بيئة البلد المهاجر إليه على قراره بالاستمرار.

 

فإن التأثير من الممكن أن يتعلق بتغيير هذا البلد ببلد آخر، كما أن عدم الانسجام قد يؤثر على مستوى إنتاجية العامل وبنائه لرأس ماله البشري، فيعجز عن تحقيق الهدف الاقتصادي من هجرته فيعود إلى بلده، كما أن أصحاب المؤهلات العليا والكفاءات الأكثر تميزا يكونون عرضة للتأثر في قرارهم بالبقاء أو العودة، أكثر بكثير من أصحاب المؤهلات الدنيا أو المهارات البسيطة حينما يتعلق الأمر بتأقلمهم مع واقع البيئة المحيطة بهم.

 

 

10- الصدمة الثقافية:-

 

يعرف علماء الاجتماع الصدمة الثقافية بأنها “حالة التوهان التي يتعرض لها الإنسان، عندما يعيش في أجواء غير مألوفة بالنسبة له، سواء بالانتقال الجغرافي بين دول مختلفة، أو الانتقال الاجتماعي بين طبقات المجتمع نفسه”.

ولا تعد الصدمة النفسية مرضا نفسيا بقدر ما هي سلوك اجتماعي، يرافق محاولات استيعاب الإنسان للمتغيرات الثقافية المحيطة به، ومواءمتها مع ما اعتاد عليه من المألوف الثقافي والاجتماعي.

 

ويمر المهاجر بمراحل أربع يمارس خلالها محاولاته هذا، قد يستمر في محاولاته حتى النهاية، وقد يتعثر ولا يكمل ما بدأه ومن ثم يعود لموطنه الأصلي.

وتتلخص المراحل الأربع في:-

 

 

1- مرحلة الإعجاب

2- مرحلة التفاوض

3- مرحلة الضبط والتوفيق

 

4- مرحلة الإجادة.

 

11- عدد سنوات الإقامة في بلد الهجرة:-

 

يرتبط هذا العامل بما سبقه من عوامل، إما بكونه من مقوماتها أو من نتائجها.

فطول الإقامة في بلد المهجر، له أثر مزدوج على المهاجر فيما يتصل بجانبين مهمين، الأول يتعلق بالتأثيرات الشخصية والنفسية والسلوكية التي تؤثر بشكل مباشر على شخصية واختيارات المهاجر، فتجعل من مسألة عودته لوطنه ومحاولة إعادة التأقلم مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية التى هجرها منذ زمن طويل أمرا غير متوقع بنسبة كبيرة.

 

 

فيما تخالف هذه الرؤية وجهة النظر القائلة، بأن عودة المهاجر بعد فترة إقامة طويلة في الخارج تجعل من عملية اندماجه في مجتمعه بالانتماء إلى طبقة اجتماعية واقتصادية غير التي كان ينتسب إليها آوان رحيله، أكثر يسرا وقبولا كنتيجة طبيعية للمهارات الاجتماعية والإمكانيات المادية التي تحصل عليها، خلال فترة عمله في بيئة مشابهة أو ربما أرقى وأكثر تحضرا ببلد المهجر.

 

 

الجانب الثانى يتعلق بمشاعر المهاجر الوطنية، وتجاوزه الصدمة الثقافية الأصلية أو العكسية. ففي الحالة الأولى قد تضعف روابط الانتماء لدى الشخص المهاجر نتيجة بقائه بعيدا عن الوطن لسنوات طويلة، مع عدم قدرته على التأقلم مع الأوضاع المتردية التي ترزح تحتها جموع الشعب الذي ينتمي إليه في بلده الأصلي.

 

 

ولكن البعض يطرح رأيا مغايرا، ويتلخص في أن حنين المهاجر يزداد مع طول فترة بعده عن وطنه، ولعل ذلك يكون السبب في قبوله العودة ومحاولته تحقيق الانسجام مع واقع يعلم يقينا أنه أكثر سوءا من واقعه الذى تركه في بلد الهجرة.

 

وتجاوز الصدمة الثقافية العكسية التي يجابه بها حال عودته، بعد أن عاش لفترة طويلة من حياته وفقا لمعايير وضوابط صارمة ومحددة لا يجد مثيلا لها بطبيعة الحال عند عودته لموطنه الأصلي.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد