أطلقت مجموعة إم بي سي مؤخرًا قناة فضائية جديدة تحمل اسم إم بي سي العراق لتكونَ بذلك أول قناة عربية تبُث محتواها وبرامجها باللهجة العراقية خارج حدود العراق، وهو ما مثّل للعديد من مؤسسات ووسائل الإعلام العراقية تحديًا بعدِّها منافسًا جديدًا في الساحة أو المشهد الإعلامي العراقي، وقد قابل انطلاق القناة ردود فعل سلبية وإيجابية؛ فهناك أطراف داخل المجتمع العراقي والوسط الإعلامي نظرت إلى القناة بأنَّها ممولة من دول مجاورة لتروج عن سياساتها وتحقق أهدافها، وأطراف أخرى رأت أنَّ القناة جاءت كمبادرة إيجابية حول التحسُن الواضح بين علاقة العراق مع دول الجوار وتحديدًا السعودية.

من منظور إعلامي بعيد عن المشاحنات السياسية وطبيعة العلاقات الدولية غير المستقرة، فإنَّ إم بي سي العراق تتميز تقنيًا بالعديد من المميزات التي تمكنها من المنافسة بقوة مع القنوات الفضائية الأخرى المعروفة في العراق كالشرقية، والسومرية، والعراقية وغيرها من الفضائيات الأخرى، فهي تبُث بتقنية (HD) فائقة الوضوح متميزة بألوان تجذب أنظار المشاهد، وهو ما يُشير إلى حجم الميزانية الضخمة المخصصة لها كقناة جديدة تبث عددًا قليلًا من الإعلانات حاليًا.

وقد وضعت الإدارة في عين الاعتبار بث القناة على تردد بدقة صورة تقليدية (SD)، يمكن استقباله على مختلف الأجهزة القديمة، وهو عامل مهم يساعد في وصول القناة إلى مختلف فئات المجتمع العراقي إضافةً إلى الحرص على استخدام اللهجة العراقية في العروض الترويجية والمسلسلات والبرامج، وحتى المسلسلات الأجنبية (التركية والهندية) مُدبلجة إلى اللهجة العراقية.

أما بالنسبة لمضمون البرامج التي تُعرَض، فهي ترفيهية وساخرة وربما مكررة تحمل أسماء جديدة وأخرى مُقلدة مستوحاة من برامج أخرى، هنا تكمُن المشكلة، في المحتوى الترفيهي الساخر الذي بدأ يطغى على المحتوى الثقافي والإرشادي الذي أخذ ينحسر بشكل واضح من قنوات التلفزيون في العراق.

فعلى سبيل المثال، لو حللنا مضمون برنامج «الليلة ويه دعدوش» سنجد أنَّهُ يشبه إلى حد كبير جدًا برنامج «عرض الليلة بطولة جيمي فالون» الذي يُعرَض على شبكة إن بي سي الأمريكية، فهناك الكثير من الفقرات تتطابق وتتشابه تمامًا منها فقرة «صندقجة» التي تشبه فقرة «صندوق الأكاذيب» في برنامج فالون، حتى زوايا تصوير الشخصيات، والديكور والإضاءة، وتفاصيل أخرى جميعها مستوحاة ومأخوذة من ذلك البرنامج. مثال آخر برنامج «بث نكات» الذي يشبه ما كان يُعرَض على قناة السومرية بعنوان «أكو فد واحد»، لا يوجد أي اختلاف سوى في التسمية وبعض الشخصيات التي تقدمه.

لم أرصد خلال متابعتي للقناة سوى برنامج حواري واحد غير ساخر، وهو برنامج «النهر الثالث»، الذي يعد فعلًا – من وجهة نظري – برنامج حواري جاد يستضيف شخصيات عراقية فنية واجتماعية لها دور مؤثر وفعال في الوسط الفني، ويُعطي للفن والثقافة وزنًا وقيمة. لا نرغب بالمزيد من البرامج الساخرة التي بدأت تأخذ منعطفًا آخر قد يُسبب التجريح لشخصية أو فئة، بل نرغب في برامج هادفة تزيد من وعي الفرد العراقي وتؤثر فيه بشكل إيجابي وتحاول معالجة ما يُعاني منه المجتمع من مشكلات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية ليس لها نهاية.

إنَّ وسائل الإعلام المحلية في العراق إما تخدم أهداف ومصالح جهة أو حزبًا معينًا، أو تقدم محتوى ساخرًا لا ينفع المشاهد بشيء، ولا توجد قناة أو وسيلة إعلامية تلعب دور الرقيب على المؤسسات العامة والخاصة ترصد ما يحدث فيها من خروقات وفساد إداري ومالي، ولا توجد قنوات تخصص وبشكل كافٍ أوقات لعرض محتوى ثقافي أو تعليمي أو إرشادي يغرس ويُنمي الوعي داخل نفوس المشاهدين، وهذا الأمر يمثل مشكلة تحتاج إلى حل وإعادة نظر من قبل الإعلاميين والصحفيين في المضامين والبرامج المتاحة للمشاهد العراقي في الساحة الإعلامية، وأنا هنُا لا أقصد أن يختفي المحتوى الترفيهي الساخر من شاشات القنوات الفضائية، بل على العكس تمامًا فهناك برامج لها دور إيجابي، تنقد القضايا والأحداث والظواهر في المجتمع دون تجريح أو سخرية.

نحنُ لسنا بحاجة إلى إم بي سي العراق التي تقدم ما تقدمه من برامج اليوم، وأتمنى أن يحدث في جدول برامجها تغيير نحو الأفضل بمرور الوقت، عن طريق تقديم برامج من واقع المجتمع العراقي تسلط الضوء على جوانبه الإيجابية والسلبية مع تقديم حلول لها، وهذه دعوة لكل القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية المحلية من أجل الاهتمام أكثر بما يمس حاجات الناس، لخدمة هذا المجتمع الذي عانى كثيرًا من الأزمات والحروب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد