صنعت خطابات الساسة على مدى التاريخ موجات متباينة من الأهمية، كما أن بعض هذه الخطابات أعاد رسم جغرافية العالم، والرسم بالكلمات فن يدركه أرباب الحكمة، والفن، والسياسة، وكل من يتصل بالجماهير. أما الأساطير فمنها ما هو خيالي بحت، ومنها ما هو حقيقي جنح به طموحه لبلوغ الخلود؛ مما أدخله في متاهات الأساطير، وهذا جديرٌ بالدراسة؛ لنتجنب المصير المحتوم لهذه الأساطير الرخيصة، ومن هؤلاء كان جوزيف مكارثي.

بدأ مكارثي حياته السياسية كعضو بالحزب الديمقراطي المؤيد للرئيس روزفلت، ثم سرعان ما انقلب إلى الجمهوريين عام 1939 وهاجم الديمقراطيين بشراسة، وظل يناصب الديمقراطيين العداء دون أن يظفر بأي نتيجة حتى ألقى خطاب هويلنج. في 9 فبراير (شباط) 1950 ألقى جوزيف مكارثي الخطاب السياسي الذي لمع بعده اسمه لمعان الصدف تحت المطر، كان ذلك في هويلنج بولاية فرجينيا الغربية، وقد دوّت القنبلة التي ألقاها مكارثي في خطابه حتى زلزلت أمريكا من أقصاها إلى أقصاها. قال مكارثي في ثنايا خطابه: إن وزارة الخارجية الأمريكية مُترعة بالشيوعيين، وأنه يعرفهم كما يعرفهم وزير الخارجية نفسه! على الفور تشكلت لجان لتتقصى حقيقة ما زعمه مكارثي، وقد أفاد مكارثي من ذلك كثيرًا فقبل هذا الخطاب بيومٍ واحد كان مكارثي شخصية غير معروفة خارج ولاية ويسكونسن، بينما كان معروفًا داخل الولاية على أنه أحد الرعاع الذين يستخدمون أرخص الطرق وأحقرها، وأنه يجيد وسائل التزلف للجماهير.

في ختام هذا الخطاب الشهير قال مكارثي: “إن العشرين عامًا التي سيطر الديمقراطيون على سدة الحكم فيها لم تكن سوى سلسلة متصلة من الخيانات والغدر”، بهذا يكون مكارثي قد وصل ذروة العداء مع الديمقراطيين. خدمت الأقدار مكارثي إذ شبت نيران الحرب الكوبية، ومارست القوى الشيوعية نشاطات ملحوظة في الشرق الأقصى؛ مما زاد حنق الأمريكيين وثارت ثائرتهم للوقوف على الخونة الشيوعيين في وزارة الخارجية، وكيف تسنى لوزير الخارجية أن يلتزم الصمت نحوهم؟! كانت هذه الأحداث تزيد من توهج اسم مكارثي في السياسة الأمريكية. بعد مضي شهرٍ واحد على خطابه القنبلة، اعتلى مكارثي مسرح السياسة الأمريكية.

وصل مكارثي لرتبة السياسي المرموق، وسادت المكارثية البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وتباينت الآراء حول المكارثية؛ فنعتها البعض بالرجعية والتعسفية والاستبدادية بل الإرهاب أيضًا، في حين نظر إليها البعض على أنها وطنية متطرفة، ونظر آخرون للمكارثية على أنها أمريكا بذاتها! ولأن الخلاف حول الشيء أكثر إثارة من الاتفاق حوله؛ فقد أسهمت كل تلك الانقسامات حول المكارثية في توسّع بساط المكارثية، ومنذ ذلك الحين ربط الأمريكيون بين المكارثية والقومية الأمريكية على أساس أنهما وجهان لعملةٍ واحدة.

لم يكن مكارثي ليُضيع تلك الفرصة؛ فنشر كتابًا حوى عددًا من خطبه وشهاداته التي أدلى بها أمام لجان التحقيق الخمس التي شُكِّلت لبحث ادعاءاته في خطاب فبراير، وقد أصدر كتابه تحت عنوان “النضال في سبيل أمريكا”. حقيقة الأمر أن مكارثي كان نكرة، لا شيء أكثر من قوة مدمرة، ثائرًا بلا نظرية ومتمردًا بلا سبب، خُلِقَ ليعترض دون أسباب وجيهة ودون تقديم بدائل أكثر اعتدالًا وحكمة، وهنا يكمن الخطر الماحق الذي يأكل الأخضر واليابس؛ إذ أن الثائر الذي يمتلك منهاجًا يدافع عنه وينافح لا يظل ثائرًا للأبد، يثور على وضعٍ يرمي لتغييره ثم يأخذ في التغيير، أما أن يكون المرء ثائرًا على كلِّ شيء وعلى طول الطريق؛ فهذا ليس من العقل ولا من الحكمة في شيء.

مع وصول الجمهوريين للحكم وإقصاء الديمقراطيين، كان يفترض أن يكف مكارثي عن الصراخ والضجيج؛ فقد وصل أنصاره للحكم بما يعني أن الحرب على الديمقراطيين الآن غير ذات جدوى؛ مما دفع مكارثي لفتح النار على حلفائه! فانبرى مكارثي يهاجم الحكومة الجديدة ووصفها بأنها لا تزيد عن كونها امتداد للعار الديمقراطي والخيانة المستمرة لأمريكا! لم تجد الحكومة مخرجًا للمأزق الذي حصرها فيه مكارثي إلا أن تستعين بجون فوستر دالاس، وأن تُقيل كل الضباط الذين سمّاهم مكارثي ووصفهم بالولاء للشيوعية.

جاء عام 1952 والشعب الأمريكي لا يرحب بالجمهوريين، لكنه اضطر لانتخابهم خشية فوز الديمقراطيين الذين كانوا في مواجهة مدفع مكارثي باستمرار؛ فعلى طريقة “مُجبَرٌ أخاك لا بطل” صوّت الأمريكيون للجمهوريين، كان حنق الأمريكيين على مكارثي يفوق الوصف حينئذ. دفعت اتهامات مكارثي للشخصيات الكبيرة مثل قائد الجيش، جون مارشال، والسياسي الكبير، دين اتسيشون، إلى اعترافهما الصريح بعداء الشيوعية، بل وأصرا على عدم موافقتهما على مبدأ الاعتراف بالصين الشعبية (الشيوعية)، فضلًا عن معارضتهما لدخولها منظمة الأمم المتحدة، وأنهما يبغضان مجرد التفكير في الشيوعية والشيوعيين.

بهذا يكون مكارثي قد تلاعب برجال سياسيين كبار، وقد ضغطهم نفسيًا وعصبيًا حتى أخرجهم عن حنكتهم الدبلوماسية ليدفعوا عن أنفسهم تهمة الوقوع في براثن الشيوعية. اليوم قد ترى الاعتقالات تعصف بكل من لا يعلن الولاء المطلق للحاكم بدعوى العداء للوطن، وهذا في حقيقته نوعٌ من الإرهاب الجديد، أو إن شئت فقل: المكارثية الجديدة!! ظن البؤساء من الأمريكيين أن ضخ دماء جديدة في البيت الأبيض سيضع حدًا لألاعيب مكارثي التي لا تنتهي، وأقبل، دوايت أيزنهاور، للبيت الأبيض ومعه أحلام الأمريكيين في وضع حد للمكارثية، نجح أيزنهاور في ذلك لشهرين كاملين!! وأبت المكارثية إلا أن تُطل برأسها من جديد، وظهر للمكارثية ضحايا جدد مما بدد آمال الشعب في الخلاص من مكارثي، لدرجة أن العمل السياسي في تلك الأثناء كان يقتصر على فصل موظفين يشتبه في ولائهم للشيوعية!! كان عدد الموظفين المفصولين 1400 زادت إلى 2200 في بعض الأيام!

بلغ تأثير المكارثية أن يخشاه الجمهوريون! حدث ذلك عندما أراد أيزنهاور أن يعيد لجون مارشال هيبته، كان أيزنهاور قد عقد العزم على إلقاء خطاب في ويسكونسن مسقط رأس مكارثي يمتدح فيه مارشال ويرد له اعتباره، بعد جهدٍ جهيد تمكّن الجمهوريون من إقناع أيزنهاور بالعدول عن تلك الفقرة من الخطاب؛ تحسُّبًا لما قد يُقدم عليه مكارثي من حرب شعواء على الرئيس والجمهوريين على حدٍ سواء. عدل أيزنهاور عن فقرة رد اعتبار مارشال، وتجرّع غصة مكارثي في صمت، تمامًا كما فعل سلفه ترومان.

امتد زحف المكارثية حتى وصل إفريقيا وآسيا والقارة العجوز، وكانت المكارثية في تلك البلاد مرادفًا للوقوف في وجه جميع مساوئ ومخازي السياسة الخارجية الأمريكية، بل غالى البعض وربطها بالوقوف في وجه الحياة الأمريكية نفسها!

بلغت خطورة مكارثي أن هاجمه ونستون تشرشل خلال خطابٍ ألقاه خلال حفل تتويج الملكة إليزابيث الثانية، كما وصفته جريدة التايمز البريطانية بقولها: “لقد أصبح مكارثي مصدر قلق لحلفاء الولايات المتحدة” كما ذكرت في صدر مقالها المطوّل عن مكارثي “إن المخاوف والشكوك التي تحيط بشخصية مكارثي أصبحت ذات أهمية كعامل أساسي في وضع سياسة الغرب”. ومع بواكير عام 1953 كان مجرد ذكر اسم مكارثي يصيب كل من له صلة بالبيت الأبيض بالقشعريرة والتجهُّم.

الأجسام التي تمتص الحرارة بسرعة تفقد الحرارة بنفس السرعة، وبنفس المنطق كان سطوع نجم مكارثي؛ فقد خيم شبح المكارثية على أمريكا لأربع سنواتٍ ظنها الناس أربعة قرون؛ لما شهدته من محن تنوء بحملها الرواسي، وقد حملت نهاية مكارثي الكثير من الدروس التي قد نفيد منها في واقعنا المعاصر، ربما يأتي الحديث عنها في وقتٍ لاحق.

خلال الحقبة المكارثية لاذ كبار أعضاء مجلس الشيوخ بالصمت، وعلى رأسهم بول دوجلاس صاحب التاريخ الذهبي في السياسة الأمريكية، وكذلك السيناتور جون كينيدي. وقد استفادوا من بعض الساسة السابقين، وكذلك ممن سبقهم تاريخيًا مثل محمد علي باشا الذي لزم الصمت أثناء خلافات السلطان العثماني مع الولاة؛ فاكتسب محمد علي بذلك الطرفين دون عناءٍ يذكر، كما فعل أنور السادات نفس الشيء في وجود عبد الناصر؛ فكان السادات لا يتكلم حتى لا يضع نفسه في دائرة الصدامات، حتى أنه كان يوافق عبد الناصر في أغلب قراراته وذلك لحاجةٍ في نفس يعقوب. هناك أزمات لا يكشفها إلا الدهر، وكل ما علينا أن نتذرع بالحكمة وأن نصبر مهما كان الصبر قاسيا، وليس كل صموت غافل، كما أنه لا بد لليل أن ينجلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد