منذ تخرجت من جامعتي بدرجة البكالوريوس، لم أتوقف عن العمل إلا لفترة تزيد قليلًا عن العام. حتى بعد أن رزقت بطفلي الأول، لم أملك وقتها رفاهية الانسجام مع قناعتي بأن مصلحة طفلي تقتضي أن أترك عملي وأتفرغ لرعايته. لكن بقدوم طفلي الثاني إلى العالم امتلكت الجرأة لأوقف بيدي ذلك السباق المحموم نحو اللاشيء، وقررت أن أترك عملي وليحصل ما يحصل. لكن ولخبرتي التي تبلغ 36 عامًا بالعقل الذي أحمله في جمجمتي، ولعلمي بأنه لا يستطيع أن يتفرغ فقط للقيام بمهمات العناية بطفليّ، فقد قررت أن أترك له مساحة ليمارس نشاطه المفضل: التفكير بصوتٍ مرتفع.

اخترت منصة «إنستجرام»، وفكرت مليًا في المجال الذي سأخاطب فيه العالم، فكان أن قمت بصناعة شيء من هوية بصرية بأدوات تصميم بدائية، وقررت أن أبدأ بمشاركة مراجعات لكتب الأطفال مع من يهمه الأمر، وتوقعت أن غالبية المهتمين سيكنّ أمهات.

في بداية مشواري، فكرت بأنني قد أصبح يومًا ما «مؤثرة»، وقد أتمكن من تغيير ثقافة العائلات التي تغدق على أطفالها بالألعاب، وتتجاهل، بقصد أو بغير قصد، إضافة كتب إلى رفوفهم. ففي النهاية ما هو الدور الذي يلعبه المؤثرون؟ انهم «يؤثرون» في مجتمعاتهم، ويصنعون التغيير المأمول.

أو… كان هذا ما ظننته!

حصلت على مفاجآتي الأولى حين التحقت بمساق مجاني على الانترنت لصناعة المحتوى، ولدهشتي الشديدة، فقد اكتشفت أن «صناعة المحتوى» ما هو إلا مفهوم تسويقي بحت! أنت هنا، على الشبكة، لا تصنع محتوى ذا فائدة وتتركه هناك مجانًا لمن يريد الاستفادة منه… كلا! بل إنّ ما تفعله هو صناعة محتوى «مجاني» يجذب التفاعل، حتى تستخدمه للترويج لمنتجٍ ما. ومن هذا المنطلق، فإنّ «المؤثر» هو فعليًا الشخص ذو الشعبية الكبيرة القادر على التأثير في توجهات «المتابعين» الاستهلاكية وتوجيههم نحو أنماط استهلاكية معينة، أو نحو الاقبال على سلع محددة.

كان هذا مفهومًا صعب الابتلاع جدًا على ذائقتي التجارية التي ربما «أفسدها» عملي في الأمم المتحدة وتعرضي للكثير من مساقات الأخلاق والسلوكيات الأخلاقية، وفهمي لمبدأ «تضارب المصالح» والذي يطعن الأخلاق في الخاصرة. فلو أردت أن أعرض نفسي كـ»مؤثرة» على ميزان تضارب المصالح، لوجدت أن الفكرة لا أخلاقية تمامًا، لأن مصلحة المتابعين هي في تقديم المحتوى المفيد بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى، ومصلحة الـ«جهة» المفترضة التي أسوّق لها كمؤثرة هي في جعل المتابع يستهلك سلعتها أو خدمتها، بغض النظر عن ملاءمتها لحاجته أو جودتها.

توقفت هنا كثيرًا، وكدت أنهي المشوار قبل بدايته. لكن مثاليتي الساذجة ألحّت عليّ أن استفيد مما تعلمته عن «تسويق المنتج» في «تسويق الفكرة». ففكرة القراءة للأطفال، أو حتى القراءة بشكل عام، تختلف كل الاختلاف عن منتج موجه لغرضٍ ما قد أحاول اقناع من لا يحتاجه باقتنائه، أو له حسناتٌ قد أبالغ بعرضها، وعيوب قد أقوم بإخفائها لإغواء المستهلك باستخدامه. ظننتُ أنّ بإمكاني أن أستغل ما تعلمته لهدفٍ نبيل.

وحتى لا أقترب من تلك المساحة المحرّمة المسمّاة بتضارب المصالح، فقد عاهدت نفسي – وأعلنت عن ذلك في صفحتي – أن لا ألجأ إلى أية وسيلة لأدفع صفحتي دفعًا نحو زيادة الانتشار، فلم اتبادل نشرات الدعاية مع أية صفحةٍ انستاغراميةٍ أخرى مهما كان إغراء عدد متابعيها كبيرًا، ولم أشترك في مجموعاتِ دعم، ولم أمارس «ألعاب الانتشار وزيادة المتابعين»، وبطبيعة الحال فأنا لم أقم لا بشراء متابعين ولا بتفعيل خوارزميات تفاعل آلية تخلق تضخمًا في صفحتي وتوحي لمن يتابعها أنها صفحة ذات انتشارٍ عريض.

إضافةً إلى كل ذلك، فقد تجنبت تحويل صفحتي إلى صفحة شخصية، أو حتى مشاركةَ تفاصيل حياتي الشخصية فيها إلا فيما يختص بموضوع القراءة وبما يخدم هدف الصفحة، ولم أقم بإظهار طفليّ إطلاقًا إلا في منشورٍ واحدٍ قمت فيه بتعريف جمهوري الصغير بهما، من باب الذوق، باعتبارهما الدافع الأول لإنشاء تلك الصفحة. كنت فاهمةً تمامًا أن ظهور طفليّ المستمر فيها سيخلق دعاية قوية وإقبالًا على الصفحة، لكن ذلك لم يكن هدفي أصلًا، فما بالك وهو يعرض سلامة طفليّ النفسية للخلل!

وخلال ما يقرب من عام، وبوصول عدد متابعي صفحتي إلى ما يقارب 1400 متابع، برزت قضيّة أخرى، لاحظتها في حسابات «الأمهات» المؤثرات الأخريات، ولمستها شخصيًا في حسابي: وهم الأمّ الكاملة، أو لنقل: الأمّ الخارقة. لم أرَ حسابًا لأم مؤثرة، إلا وتضطر كلّ فترة أن تشرح لمتابعيها عبره أنّ حياتها ليست مثالية، وأنّ ما تضعه على وسائل التواصل الاجتماعي ليس إلّا اللحظات القليلة التي تمرّ بهدوء وسلام خلال يومها، وأنّها مثل كلّ أمّ، تمرّ بأيام صعبة، وبأوقات عصيبة، وتصل طاقتها أحيانًا للصفر. لكن كلّ ذلك التطمين بدا وكأنه لا يجدي نفعًا، بل يقع على آذان صماء.

المشكلة التي لا تدركها هؤلاء الأمهات المؤثرات هي أنّ هذا هو الطبيعي! فمن قالوا: «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أحوالك أستعجب» لم يقولوها من فراغ… إنّ كلّ كلمات التطمين وحلفان اليمين بعد اليمين لن يجعل متابعة لا ترى كلّ يومٍ إلا بيتًا نظيفًا لامعًا، ولباسًا مهندمًا، وأطفالًا في أفضل حالاتهم، تصدّق أن هذه الأمّ تعيش حياةً كحياتها. إنّ قدرة الأمّ المؤثرة على إدارة صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها تخلق حاجزًا رهيبًا يفصل بين عالم الأمّ «العادية» وعالم الأمّ المؤثرة، بالرغم من أن التشابهات بين حياتيهما قد تكون، فعليًا، كبيرة جدًا. لكن اختيار الأمّ المؤثرة أن تطلّ عبر نافذة تقوم بفلترة التشابهات بين الحياتين وتنجح في تقديمها كأمّ متفوقة يخلق – رغمًا عن الجميع – ذلك الأثر.

والمشكلة هي أن إطلالة الأمّ المؤثرة بهذا الشكل وعبر هذا المفهوم، الذي لن يفلح كلّ الكلام في تغييره، تضع الأمهات المؤثرات في موضع المصداقية التي قد تكون في الكثير من الأحيان بلا أساس، فيصبح كل ما تقوله الأمّهات المؤثرات دستورًا، ويصبح أطفالهنّ النموذج الذي تقيس عليه الأمّ العادية أطفالها. ولو أردنا أن نقيس نتائج هذا الأمر على أرض الواقع لوجدنا النتائج كارثية! أمّهات أصبحن لا يعرفن كيف يخطين خطوة دون أن يرجعن للأمهات المؤثرات!

ويصبح عدم قيام أطفالهنّ بما يقوم به أطفال المؤثرات مدعاة لقلق وتوتر نفسي لا داعي له إطلاقًا في مجتمع يخلق على الأمّ ما يخلق من ضغوط. وبالحديث عن الضغوط الهائلة التي ترزح تحتها الأمّهات، فإن ترافق هذه الضغوط، مع تلك الهوة التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي بين الأم «المؤثرة» والأم العادية الغارقة في تفاصيل يومها، قد تترجَم بوجود عوامل إضافية كشعور الأم العادية بالإحباط، أو بوجود زوج أو أسرة ممتدة تنتقص منها، إلى حالة من التنمر الشرس الذي تمتلك فيه الأم العادية أفضلية «المجهوليّة» والبعد عن الأضواء، مما يعطيها القوة والجرأة لتهاجم الأمّ المؤثرة وتحاول، قدر المستطاع، أن تصيبها إمّا في مقتل، أو في نقطة ضعف، غالبًا ما تكون أحد أطفالها.

لكنّ الضربة القاضية التي جعلتني أجمع متاعي وأغادر ذلك العالم كانت مختلفة. ربما يلاحظ كل من جرب الخوض في عالم أمهات وسائل التواصل الاجتماعي وجود خيطٍ ينظم أغلب هؤلاء الأمهات فيما يبدو أنه عقدٌ واحد: منهجية مونتيسوري. لسببٍ لم أتمكن من تحليله حتى الآن، فإن أغلبهنّ يحملن مؤهلًا معينًا بالرغم من تنوع خلفياتهم الأكاديمية، وهو دبلومة المونتيسوري.

ولمن لا يعلم، فهي عبارة عن مساق تتم دراسته على مدى ما يقرب من العام، يعرف الطالب على أساسيات المنهج الذي وضعته د. ماريا مونتيسوري، والذي يعتمد بشكل كبير على اتباع إيقاع الطفل الخاص في تطوير مهاراته وممارسته عملية التعلم. إنّ هذه الشهادة لا تماثل مؤهلًا أكاديميًا، ولا تقدم لدارسها صورة متكاملة عن علم النفس النمائي أو التطوري، ولا تتطرق إطلاقًا إلى نظريات علم النفس المتنوعة التي يعتمد عليها المتخصصون في تشخيص ومعالجة المشاكل والاضطرابات السلوكية التي يتعرض لها الأطفال خلال نموهم. وربما عليّ أن أعترف هنا أنني قد وقعت شخصيًا فريسة لإغراء هذه الدبلومة نظرًا لإعجابي الشديد بمنهج مونتيسوري والذي قد سبق وتعرفت عليه عبر كتب د. ماريا مونتيسوري شخصيًا.

لكنّ ما لم أتمكن من استشرافه وقتها هو الباب الكبير الذي كانت تلك الأمّهات تحاولن فتحه… الخدمات المدفوعة! فجأة، وبلا سابق إنذار، بدأت عدة من صاحبات حسابات الأمهات بالإعلان عن تقديمهن لاستشارات وورشات عمل ودورات مدفوعة! بالاعتماد على «دبلومة المونتيسوري» بدأت الكثيرات تتصرفن كأي اختصاصي نفسي، وتمارسن مهنة، هي أصلًا منظمة، بطريقة غير منظمة، وبلا أية رقابة، وبلا أية جهة مرجعية يمكن لأي أمٍ متضررة أن تلجأ إليها لمحاسبة أيٍ من هؤلاء الأمهات اللاتي تجرأن فجأة لارتداء ثوبٍ لا يجدر بهنّ ارتداؤه!

هنا، وعند هذه المرحلة، اكتفيت. شعرتُ بأنّه قد أصبح لزامًا عليّ أن أغادر هذا السيرك الذي يصرّ الجميع فيه على التزاحم في الحلبة، تاركين مقاعد الجمهور للأقلّ حظًا، لأولئك اللواتي لم يسعفهنّ الحظ لامتلاك الأدوات التي تؤهلهنّ للتزاحم في حلبة «الأمّهات المؤثرات»، المزدحمة أصلًا، بالناس، والآراء، والفلسفات.

لا شكّ طبعًا أنّ فضاء وسائل التواصل الاجتماعي لا زال يحتوي الكثيرين ممن يملكون المصداقية، فهناك أصحاب الأعمال الحقيقيون، الذين يمتلكون أعمالًا منظمة قانونية، ويجعلون حسابات وسائل التواصل الاجتماعي واجهاتٍ تسويقية مباشرة لا غبار عليها، وهناك أصحاب المنتجات والحرف الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى جمهورٍ أكبر قد يستفيد من خدماتهم ومنتجاتهم ويفيدهم، والاختصاصيون «الحقيقيون»، من حملة المؤهلات الأكاديمية والمهنية التي تخوّلهم ممارسة أنشطتهم بشكل قانوني. لكن بالنسبة لناشئة مثلي، كان من السهل بالنسبة لي أن أضيع في بحرٍ من الغث المختلط بالسمين، بالأخصّ كون ذائقتي الأخلاقية تخفف من حدة قدرتي على التدافع بالمرافق، والتي تلزم في هذا العالم الافتراضي الذي يحتاج الكثير من الحدة والقدرة على المدافعة.

فحزمت متاعي الافتراضي، وغادرت ذلك السيرك، وعدت إلى محراب الكلمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد