عندما كنّا صغارا في المدرسة وتظهر شهادة الشهر محملّة بأبشع النتائج فنسمع المقولة الشهيرة التي ترددت في جميع البيوت (هو اللي طلع الأول زيادة عنك رجل ولا إيد ولا هو بياكل وأنت مش بتاكل؟ ).

 

طبعا كنّا لا نستطيع الرد وقتها، إلا في أنفسنا، قائلين: “أنا ليس لي شأن به، هو حُر هو حصل على ذلك لأنه أراد ذلك، أمّا أنا فلم أطلبها”، ولكن أحتفظ بهذا الرد داخل حدود نفسي.

 

عندما يُحرم طفل منذ صغره من أبيه ويذهب للمدرسة، فيرى جميع الأطفال يتجمع حولهم  آباؤهم وذووهم وهو يُحرم من ذلك، ليسأل أمه: لماذا أنا هذا الطفل ؟

 

بالرغم من أن الطفلين كانا في أسعد أحوالهما؛ أحدهما عندما صار الأول على أقرانه في الفصل الدراسي، والآخر عندما كان أبوه بجانبه يحتفل معه في يوم ميلاده. لكن لا أحد يحصل على السعادة الكاملة!

.
بدأنا نكبر أكثر، وأصبحنا نتبادل مع بنات الفصل المجاور سألت صديقا لي لماذا نظرت إلي هذه الفتاة ولم تنظر إلي غيرها ؟ ولماذا هي لم تنظر إليّ وأنا أريد ذلك ؟ وعندما أردنا أن نحصل علوم الدين بعض الشيء، أو نفتي على حد قول الكبار لنا، سأل بعضنا بعضا لماذا عاش الصحابة في زمن النبي، ولم نكن نحن ؟ لقد حُرمنا من نظرة النبي إلينا في الدنيا وكنّا نتنظر المواسم الدينية مثل بداية السنة الهجرية لكي نرى فيلم هجرة الرسول والشيماء ونرى تعذيب الناس ونندمج معهم ونردد أحد أحد، ووبعد انتهاء الفيلم نلعب لعبة مسلمين وكفار فكنّا نتمني أن نُعذب نحن ونردد التكبيرات خلف النبي.

.
واسترجاعا لبعض الفتاوى الدينية التي كنّا نصدرها صغارا: لماذا يعتنق هذا الصديق ديانة مختلفة عنّا؟ ألم يدر أنه على باطل وأنه بذلك سيدخل النار؟ وفجأة كل منّا يُظهر محمد حسان الذي بداخله فأبدأ معه أنا بالدعوة برفق ولين.

.
وعندما تبدأ مباراة القمة المعتادة كل موسم كنّا ننتظرها بفارغ الصبر، ولكن بعد المباراة كان الكائن الزملكاوي يردد دائما لماذا يفوز الأهلي كل مرة ؟ ولماذا لم ينتصر الزمالك هذه المرة مع أننا غيرّنا المدرب والتشكيل والجمهور حضر بالكامل؟ ولماذا أشجع الزمالك وأتمسك به؟ هل لأنه كُتب عليّ الحزن كما كُتب على من قبلي من المشجعين ؟

.
كل هذه الأمور كنّا ننظر إليها نظرة صغيرة خالية من أية هموم وحقد فكنّا نتحدث بطبيعة فطرتنا التي لم تتلوث بعد بالاحتكاك بالعلم الخارجى، ولكن هذه النظرات بعد تقدم السن بنا بدأت تأخذ مسارا ومجرى مختلف بين الأصدقاء، بعد أن كانت كل نظراتنا ومشكلاتنا وخناقنا الذي يقوم ولا يقعد يدول حول: لماذا تنظر الفتاة إليك أنت؟ ولماذا هذا خصوصا الذي يحصل على المركز الأول كل مرة ؟ ولماذا فلان هذا يعتنق الدين المختلف عنّا ؟

 

ولماذا الأهلي يفوز كل مرة ؟  فبدأ كل شخص يسأل لماذا دخل فلان هذه الكلية والله لم يستحقها ؟ والشخص الآخر يردد هذا هو آخر صاحبنا الفليسوف يكتفي بكتابة الأدب والقصص والشعر خليهم ينفعوه عندما يذهب بهم ليتزوج أو يعمل , كيف أوتي صاحبنا كل هذا المال ليدخل به جامعة خاصة تتطلب كل هذه المبالغ ( كان عمل بيهم مشروع أحسن طبعا محدش بيخلي من أصحاب الاقتراحات المقدمة في كل الأوقات ).
بالطبع كل هذه الأسئلة كانت تخلو من الفطرة المعتادة ومن أي صفاء داخلي فكانت تمتلئ بكل حقد وأسى ونظرات بائسة من أصحاب القلوب المريضة .

.
في بداية الامر لم أعرف هل ألقي باللائمة عليهم والمسئولية كاملة أم بالمناصفة بينهم وبين من ربوهم على ذلك، وعلى الجمع الذي يحكم مثلهم، ولكن عدت لأنظر بعيدا عن العاطفة فكل يأتي يوم القيامة وحده يسأله ربه وحده ويجيبه وحده فهذا رد قاطع وحاسم على من يأتي بحجج فارغة، ليس لها دليل من الصحة أننا نعيش وسط مجتمع لازم نخضع لأحكام وعادات المجتمع ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن للاسف حتى من يكتب هذا المقال في بعض الأوقات يخضع لهذه الاحكام والظروف، ببساطة لأننا بشر لسنا معصومين فتارة نخطئ وتارة نصيب!

 

الأهم من ذلك الأساس نفسه , وأكبر دليل على أن المجتمع الذي نعيش بيه يعاني من شيزوفرنيا مجتمعية عظيمة وقت المصائب يرددون أمثالا يحفظوها عن ظهر قلب ( كل واحد بيتعلق من عرقوبه، واللي بيشيل قربة مخرومة بتخر عليه هو ) .

.
وطبعا بعد الثورة كنّا نستغرب من زملينا الذي يستميت في الدفاع عن مبارك والشرطة ويشنّ حروبا كاملة على الثورة، وظنه أنها مؤامرة مدبرة وعندما سألنا عنه وجدناه ابن حسب ونسب على حد قولهم، أبوه عضو مخضرم في الحزب الوطني وخاله ضابط في أمن الدولة فقطعنا الحديث معه تماما , وكنّا نتسأل بكل جرأة وقوة: لماذا سالي وبنونة والصاوي هم من استشهدا في الميادين؟ ولماذا أهالينا تمنعنا من الذهاب إلي ميدان المعركة مع أنهم علي تمام العلم أنهم علي حق وأي شخص بخلاف ذلك فهو على باطل؟

.

والسؤال الأدهي والأمر: لماذا ظننا أن بعد يوم 11/2 انتهت الثورة وعلينا الذهاب إلي البيوت؟ هل لأننا كنا ساذجين أم لأننا كنّا واثقين في قيادة البلاد؟ ويخطر على بالي هذه الأيام أهم سؤال: لماذا بعدما هتف الناس (يسقط حكم العسكر) في مجلس الوزراء ومحمد محمود، والكل شاهد سحل البنت على الأرض من العسكري فكله ثار وغضب وشاهدنا مقتل الشيخ عفت ومينا دانيال أمام أعيننا وحرمان وآهات أم الجندي علي ابنها وحدها , كيف بعدما رأي البابا تواضروس ضرب وقتل المسيحين عند ماسبيرو يرجع ويحلف بحياة العساكر، كيف بعد كل ذلك الآن نهتف ونقول الشرطة والشعب ايد واحدة !

.
ربنا عادل في اختياراته وتوزيع رزقه على عباده , لذلك رزق الشخص هذا بالعمل الذي يحبه ورُزق آخر بالزوجة التي يريدها، وحرمت هذه من الإنجاب؛ ليرزقها الله بزوج حنون عليها ورزقت هذه بنعمة الأولاد ليعوضها الله عن زوج عاق، فلا تسمح لنفسك أن تضعها موضع المقارنة بشخص آخر مهما كان وضعه لأن خليقة الإنسان والروح أسمى وأرقى بكثير من هذا الوضع ومن المؤكد أن لها أدوار أعظم بكثير من أن تقصرها بالمقارنة مع فلان .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد