عندما يدور الحديث حول لاعبي كرة القدم تجد أن أغلب الناس يرون أن لاعب الكرة مثل البيضة الذهب الذي تدر الأموال دون حاجة إلى جهد، كل ما عليه لجني كل هذه الأموال هو اللعب فقط!

بعيدًا عن هذا التصور الساذج فإننا إذا أردنا أن نتحدث عن لاعب كرة القدم يجب أن نعود إلى المراحل التي مرت بها هذه اللعبة لتصل إلينا في شكلها الحالي، فما نراه اليوم، ليس سوى إحدى تبعات التطور، وهي الصفة التي صبغت العصر الحديث بطابعها التقني من جانب وسيادة الرأسمالية ونمو روح التنفس من جانب آخر.

يقول إدواردو غاليانو في كتابه «كرة القدم بين الظل والشمس»: تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب. فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب.

منذ ما يقرب من 100 سنة مضت كانت كرة القدم مجرد لعبة تنافسية شعبية يمارسها الاعبون بغرض الاستمتاع في المقام الأول، ليس للمال أو للشهرة، بل للمتعه. ولم يتغير الأمر لعقود. إلى أن بدأت هذه اللعبة تتحول إلى صناعة ينتفع منها أشخاص غير معنيين بما يدور داخل الملعب. في السبعينات من القرن الماضي بدأ ظهور أول أشكال اتخاذ اللاعبين كوجهات لعرض الإعلانات التجارية على ملابس اللعب، ولم يتوقف هذا الاستغلال إلى يومنا، بل ازداد بشاعة، كما أن المواقف التي اتخذها اللاعبون في البداية ضد هذه الأمور الاستغلالية اختفت مع الوقت، وأصبح الأمر من المسلمات، وأختفت النظرة الناقدة لأن لاعب الكرة في عصرنا لا يمتلك نظرة ناقدة فعالة لأي شيء يدور حوله، وإن حاول إبداء رأي سيتم استبعاده بشكل تلقائي.

نعود إلى النقطة الذي بدأنا منها ولسؤالنا الأساسي، ما معنى أن تكون لاعب كرة قدم؟ هل الأمر بهذه السهولة التي يتخيلها البعض؟

لا بالطبع، ليست ممارسة كرة القدم في عصرنا، إلا نوعًا من أنواع الانحطاط الكلي والخضوع المطلق. إذا كان العمل الخاص في الدول الرأسمالية فيه جوانب استعبادية، فإن هذا يضعه تحت مجهر النقد، لكن في النهاية فإن العامل لا يجد في عمله سوى المشقة حتى إن كانت عادلة. أما كرة القدم فهي لعبة غرضها الأول الاستمتاع، ولاعب كرة القدم يلعب الكرة في المقام الأول؛ لأنه يحبها، فاللاعب يظل طوال فترة لعبه في الناشئين لا يجني المال بشكل فعلي، بل قد يدفع هو المال لشراء مستلزماته الرياضية، لكنه مدفوع بحب هذه اللعبة بالرغم مما تفرضه عليه أحيانًا من قيود. وما إن يبلغ الناشئ سن الاحتراف تبدأ عملية استعباد الحقيقية، تبدأ القيود في الازدياد، وتقييد حرية اللاعب قد يصل في بعض الأحيان إلى سرير نومه مع زوجته! فاللاعب ملزم بحصة محددة من النوم وجرعات معلومة من الأكل وتقديم يومه بالكامل إلى الكرة وتنظيم حياته كلها عليها، فأسياد الكرة في عصرنا يسيِّرون ما هو أهم من الكرة، يتلاعبون بالأشخاص، باللاعبين. فلاعب الكرة في النهاية ليس سوى لعبة في يد الآخرين يتم تشكيلها حسب ما يتوافق معهم كي يظل هذا الشخص يعطي أفضل ما لديه باستمرار.

إذًا ليس لاعب الكرة كما يظن البعض، ولكنه مدفوع بالرغبة العصرية في جني المال وزيادته، بل إن البعض يكرس حياته لكي ينجح في هذه اللعبة من أجل المال فقط.

لم تعد كرة القدم هي الغاية بحد ذاتها، في عصر الاختلاف، في عصر تشييء الإنسان، ليس اللاعب سوى حلقة داخل هذه الدائرة المرتكزة حول المال. في حالة تحويل الإنسان إلى كائن مستهلك يسعى إلى مواكبة العصر والتكنولوجيا باستمرار، فإن لاعب كرة القدم ينحط من هذه المنزلة، ويبدأ من كونه سلعة يتم عرضها للمستهلك لجني المال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد