كثير عاشوا على هذه الأرض وانبثقت أفكار كثيرة وفلسفات ونظم متتابعة، منها المتضاد ومنها المتفق، ولكن بين كل هذه الأشياء، ما هو المعنى الأساسي لهذه الحياة؟ بعد الحياة موت ولكن ماذا بعد المعنى؟ من منا لم يسأل هذا السؤال طيلة حياته، سواء كان يجلس وحيدًا لبعض الوقت أو حتى في ظل انهماكه في العمل قائلًا، ما الفائدة من هذا كله؟

السؤال عن المعنى ليس بحديث على الفكر الإنساني، فيبدأ كتاب الجامعة لسليمان الحكيم في التوراة (باطل الأباطيل الكل باطل) وهذا يدل على أن السؤال ليس بحديث، بل الكلام يوضح بأنه إجابة على هذا السؤال. كل إنسان يبحث عن معنى للحياة من وجهة نظره معتمدًا على خبراته السابقة وموروثاته ومعتقده. ولكن هذا السؤال أصبح في العصر الحديث ذا صدى أوسع كما كتب الفيلسوف بيتر كريفت في كتابه (فلسفات الحياة الثلاثة)[1] إن الإنسان القديم كان خوفه من الموت وفي العصر الوسيط كان خوفه من الخطيئة والجحيم، أما في العصر الحديث فخوفه الأساسي هو الخوف من اللامعنى للحياة.

كان هذا السؤال قائمًا خاصة بين الفلاسفة قديمًا، لكن حديثًا أصبح مجاله أوسع بكثير ليشمل حتى العلماء والكثير من المفكرين وأسهبوا وأطنبوا في الإجابة على هذا السؤال، ففي مقطع من كتاب (هكذا تكلم زرادشت)[2] لنيتشه عندما نزل زرادشت من الجبل ليعظ في الناس عن الهدف الأسمى وهو أن يصل الإنسان إلى ما يسمى بالإنسان الخارق (Übermenschen) – وهو الإنسان الذي يهتم بالطبيعة والأرض ويكون في علاقة مع الطبيعة – بأن يحدد الإنسان هدفه وهو الوصول له، مشبهًا هذا بأن الإنسان كماش على حبل معلق طرفاه هما الإنسان الخارق والآخر الحيوانية، هذا الحبل تحته الجحيم والإنسانية ممثلة في هذا الشخص، فإما الوصول للخارق أو السقوط في الجحيم، وهنا وضع هدفًا ومعنى للإنسانية، ولكن عندما لم يستجب له الجموع قال لهم أن ما هم فيه سيؤدي إلى أن آخر إنسان عادي سيكون سؤاله (ما هو الحب؟ ما هو الخلق؟ ما هو العمر الطويل؟ ما هو النجم؟) في محاولة منه إلى الوصول للمعنى، وهذا يعني ضياع المعنى للحياة ما ظلوا في عاديتهم. وكأن نيتشه تنبأ بما يعانيه الإنسان المعاصر من البحث عن معنى للحياة والمحاولات البائسة لإيجاد الإجابة بشتى الطرق. ومنهم من تطرق إلى تحليل السؤال لغويًا ليتبين مدى صحته من عدمها، وأشهر هذه التحاليل طبقًا لدائرة المعارف الفلسفية لجامعة ستانفورد[3] هو ما معنى كلمة (معنى)، وما المقصود بالسؤال من أصوله فهل يعنى (ما القصد من الحياة) أم (ما أهمية الحياة)، وما مدى فهمنا لكلمة حياة وهل الفهم الصحيح هو الفهم العلمي الذي هو نفسه يكون بيولوجيًا أم فهم الحياة كوجود الإنسان من عدمه.

وأثر العلم على هذا السؤال بشكل جوهري وخاصة بعد ما قام به إسحاق نيوتن من ثورة علمية، حولت العلوم من مجرد فلسفة طبيعية إلى علوم تجريبية ووضع منهجًا كاملًا جديدًا للتجريب، حتى وصلنا لهذا التطور الرهيب في المجالات المختلفة من العلوم سواء في أنواع التجارب وأدوات القياس، مما أدى لزيادة المعرفة بشكل واسع جدًا وأثر على مواضيع كثيرة في الفلسفة بسبب التجارب ونتائجها، ومثال ذلك التأثير المباشر بين علم الأعصاب والقضية الفلسفية الشهيرة وهي (هل الإنسان مسير أم مخير) وأيضًا تأثير علم الفيزياء خاصة النسبية العامة لأينشتاين وقضية الوقت. أما تأثير العلوم على سؤالنا هذا فيأتي خاصة من أكثر فرع من العلوم فلسفة ومازال يعتبره الكثير أن احتياجه للفلسفة أكثر من الاحتياج للمعادلات الرياضية وهو علم الكونيات والفلك، فالكون المعروف حتى الآن عرضه يضاهي ٩٦ مليار سنة ضوئية، إن كنت لا تعي الرقم فبالوحدات المعروفة لدينا وهي الكيلومتر يساوي ٩ وبعده ٢٣ صفرًا! مع العلم بأن قطر كوكب الأرض حوالي ٦٤۰۰ كم، وهذا جعل الإنسان يشعر بضآلته أمام هذا الكون الواسع جدا الذي مازال لا يعلم فيه الكثير والكثير، وهذا أثر على معنى الحياة حيث بعد كل هذه المعرفة الجمة والشعور بالصغر أمام هذا الكون جعله يتساءل هل تأثيرنا ملموس أم لا شيء؟

قد يختلف الكثير من الناس في معنى الحياة، فمعظم الديانات والمعتقدات تضع معنى للحياة بالاعتماد على الإيمان والحياة بعد الموت يجعل معنى الحياة واضحًا وجليًا لمتبع الاعتقاد، فأكثرهم اتفق على أخلاقيات إنسانية مشتركة كالعطاء والمحبة والمشاركة مما يجعل معنى للحياة، بالتأكيد يختلفون في الطرق حسب المنشأ والفكر المؤثر وقت ظهور المعتقد، ويوجد آخرون يتبعون هذه الأخلاقيات كفكر إنساني من الدرجة الأولى ويرون أن هذا معنى الحياة بالنسبة لهم فمثلًا يرى أن مساعدة الآخرين والتسبب في سعادتهم يجعل للحياة معنى. وبالرغم من هذا يوجد بعض البشر مازالوا يعتقدون بالأفضلية عن بقية الإنسانية ويقررون مصير الآخرين لمجرد اتباعهم عقيدة معينة أو فكرًا معينًا.

وأخيرًا وليس آخرًا، سيظل الإنسان حبيس هذا السؤال ويحاول أن يصيغ الإجابة بأكثر من شكل سواء بشكل إيجابي أو سلبي. لا تبحث عن إجابة وأنت لم تجرب أي شيء، لكن امض قدمًا في مسار حياتك وأنت تعمل وتقرأ وتزداد معرفة وخبرة، وقتئذ ستجد هذا السؤال يزيد رنينًا في عقلك وستجد معنى للحياة في وسط هذا الطريق أو توجِد شيئًا يساعد في الرد عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

i Peter Kreeft " Three philosophies of life "
ii the meaning of life “Stanford Encyclopedia of Philosophy
FRIEDRICH NIETZSCHE “Thus Spoke Zarathustra” CAMBRIDGE TEXTS IN THE HISTORY OF PHILOSOPHY
عرض التعليقات
تحميل المزيد