سقوط صورة إسرائيل ككيان ديمقراطي

طالعتنا وكالات الأنباء في الأيام الماضية عن اندلاع احتجاجات شعبية في الكيان الصهيوني بين يهود الفلاشا من أصل إثيوبي والشرطة، وبغض النظر عن السبب المباشر لهذا فإنه في رأيي يعد حدثًا ذا دلالات عميقة ومختلفة على جملة من الأشياء.

أولها أن هذا الحادث يفكك الصورة الذهنية التي حاولت إسرائيل صنعها في المحيط الداخلي لليهود وكانت هذه الصورة هي التي استطاعت إسرائيل أن تجذب بها اليهود من كل أرجاء العالم، إذ أغرتهم بالعودة إلى أرض الميعاد والتنعم بما يسود فيها من عدل ومساوة وأخوة وعيش كريم وهي في حينها نجحت في تسويق هذه الصورة لكنها تحطمت وأعلن خبر وفاتها في هذا الاحتجاج فقد كشف عن الصورة الحقيقية المشبعة بالانقسام والكراهية والطبقية بين سادة مرهقين وآخرين مهمشين في المجتمع الصهيوني.

وثانيها الصورة الذهنية التي حاولت إسرائيل أن تصدرها للعالم خصوصًا بعد ثورات الربيع العربي أنها الرقعة الوحيدة التي تتمتع بالأمن وتسود فيها قيم المواطنة والحرية والديمقراطية والسلام المجتمعي وسط محيط ملتهب بالصراعات.

تلك الصورة بدأت تتفكك أيضًا كاشفة بوضوح أن إسرائيل ليست في معزل عما يدور حولها وأن فرص انتقال الحراك إليها كبيرة جدًا خصوصًا أن دواعيها متوفرة في بيئة المجتمع وبين طبقاته وطوائفه المهمشة وأنا أعتقد أن الأيام القادمة ستشهد ظهور سوءات وأحقاد هذا المجتمع غير المتجانس على السطح وسيكون سببًا قويًا في ظهور حركات عودة الكثير من هؤلاء المهمشين إلى مواطنهم الأصلية في هجرة عكسية سيكون لها أثر واضح في اختلال الخريطة السكانية لهذا الكيان المغتصب الذي دائما ما يخسر الرهانات على الأشياء التي يدعي تميزه بها، بدءًا من زعمه العسكري بأنه الجيش الذي لا يقهر وقد تحطمت هذه المقولة في صحراء سيناء وأجهزت عليها صواريخ المقاومة الفلسطينية في الحروب التى مرغت فيها أنف وجبروت هذا الكيان في التراب.

وأيضًا على الصعيد السياسي والمجتمعي ستنهار مقولة أن إسرائيل مدينة فاضلة تظللها قيم المواطنة والحرية تحت وطأة العنصرية المقيتة والانقسام الحاد والكراهية المتفشية والأحقاد المتوارثة بين يهود أوروبا الأشكناز الذين ينظرون بتعالٍ واحتقار لليهود السفارديم ويعتقدون أن لهم الحق المطلق في قيادة هذا الكيان والاستحواذ على المناصب الهامة والاستراتيجية في مؤسسات الكيان لزعمهم أنهم أصحاب فكرة العودة وناضلوا من أجلها وأنهم أقدر على قيادة الكيان بعبقرية وذكاء ويعتبرون اليهود الشرقيين في معظمهم عالة عليهم لا يليق بهم إلا أعمال الزراعة والوظائف المتدنية داخل الحكومة والجيش.

ونحن باستقراءٍ بسيط للتاريخ نجزم متيقنين أن مجتمعًا كهذا أدعى للسقوط في أي لحظة حتى وإن تظاهر بالقوة والصلابة فإنه قد لا يثبت موجات اضطراب أقوى وأكثر عددًا وعنفًا من تلك التي حدثت مؤخرًا لأنه يملك خلالا بنيويا في تجانسه واندماج أفراده وإنسجامهم تحت قومية واحدة وعلم واحد لأن الدين الذي يعولون عليه في إذابة تلك العرقيات المختلفة وانصهارها قد أثبت فشله في هذه المهمة لأن التحزب متجذر في البيئة الدينية اليهودية، حيث كل مذهب وكل فرقة منغلقة على نفسها وتعاليمها وتضمر الضغائن لمخالفيها في تفسير النص الديني وفي بعض الفتاوى والمسائل الدينية، فمجتمع كهذا كيف يصمد وهو لا يجمعه عرق واحد ولا تاريخ مشترك ولا مذهب ديني واحد فقط يجمعه وهم تعظمه الحكومه لديه وهو جنة أرض الميعاد، إذ يثبت له يومًا بعد آخر بطلان هذا الوهم مع ما يراه من مظاهر العنصرية السائدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد