أذكر أنني عندما بدأت بدراسة تراكيب الجمل الأدبية باللغة الإنجليزية، وتعرفت على أنواع مختلفة ونماذج متنوعة من التصوير والتشبيه والرمزية, أسرني المعنى الذي انطوت عليه المفارقة اللغوية (Paradox) ومعنى ذلك أن تحمل الجملة معنيين متضادين لكنها تقرر حقيقة في الوقت نفسه. وكان السبب في ذلك هو اعتقادي بأنها تمثلني بشكل أو بآخر فأنا أملك الكثير من الأفكار المتضادة المتناقضة لكنها صحيحة – أو هذا ما أظن.

وعندما قضيت الفترة الأخيرة من إجازتي الصيفية في متابعة أفلام المخرج الياباني هايو ميازاكي جعلني ذلك أدرك أنني لست المفارقة البشرية الوحيدة في هذا العالم, كلنا كذلك في الحقيقة! وأعتقد بصدق أن تفهم الفرد لهذه الصفة يعينه على فهم العالم واحتمال الجنون الذي يحيط به من كل صوب.

الأبعاد المتعددة للشخصية الواحدة

لم يدرس ميازاكي كتابة السيناريوهات ولم يكن يومًا متعلقًا بالمانجا والرسوم المتحركة أو من المتابعين لها, لكن اهتمامه كان منصبًا على دراسة البشر ومعرفتهم عن قرب, وهو ما يجعل من كل مشهد من مشاهد الفيلم الواحد تجربة إنسانية بحد ذاتها, وبنفس الطريقة يترك ميازاكي المساحة الكافية بين وجوده ووجود الشخصية حسيًا وعاطفيًا, فقد لاحظت أن بعض الأفلام تنتهي بنهاية مختلفة عما كان مقررًا مسبقًا، ولن تتمكن من توقع النهاية أبدًا!

بالإضافة إلى ذلك تملك الشخصيات في أفلام هذا المخرج الطبيعة الثنائية أو الازدواجية التي ذكرتها في مقدمة المقال, لقد كانت (المفارقة) حاضرة في كل لحظة من لحظات الانتظار, الترقب, اليأس, الأمل, الغضب, القدرة على التجاوز, الخيبة, التردد, الحزن, السعادة, الاستسلام! وإذا أمعنت النظر في بعض المواقف فستجد ذلك الرابط الخفي بينك وبين ما يدور في القصة, بالرغم من أنها مفعمة بالخيال والشخصيات الكرتونية الغريبة والمضحكة في آن. لكنها تلك الأبعاد الثلاثة لشخصية الإنسان هي ما تربطك ببطل الفيلم وقد تربطك بالشخصية المقابلة لها تمامًا (الشرير), ولا أدري إن كان يصح أن أستخدم كلمة الشرير عند وصف هذا الدور في أفلام ميازاكي, فلا شر محض في أي فيلم من أفلامه! أبدًا. ذكر في مقابلة له أن السبب في ذلك هو أنه لا يحب رسم الشخصيات الشريرة والتي عادة ما تحمل في دواخلها حقدًا أسود أو قلبًا مثقوبًا على حد تعبيره.

لكنني أميل إلى الاعتقاد بأنه لا يؤمن بوجود ذلك, ففلسفته في صناعة هذه الشخصيات توحي لك بأن في كل إنسان جوانب مظلمة, قبيحة أو مشوهة لكن هذا لا ينفي وجود الخير في داخله ولا يبرئه من إنسانيته.

هل العقدة متكررة؟

يمكنني أن أتذكر عدد المرات التي كانت العقدة فيها هي: الحرب! وقد تكررت الإشارة إليها في أفلام أخرى من إنتاج إستوديو جيبلي. بأي حال ميازاكي لم يخفِ اعتراضه على الحروب والأسلحة والدمار الذي يُلحقه الإنسان بالإنسان والطبيعة حتى في حياته الشخصية ومواقفه السياسية, لكن هذا ليس مبررًا لتكرار العقدة في عدة أفلام. هذا هو ما تبادر إلى ذهني في بداية الأمر, لكن بعد تفكير طويل استدركت الخطأ الذي وقعت فيه إذ اعتقدت أن العقدة هي الحرب فقد تبين أنها كانت عقبة, مجرد عقبة في طريق البطل إلى حل المسألة التي بين يديه.

لكن العقدة المتكررة دائمًا عند ميازاكي في حقيقة الأمر لم تكن إلا الصراعات الداخلية والنزعات الإنسانية المتفاوتة والمدهشة في أحيان كثيرة, وربما تنتهي القصة بغير حل للعقدة أو نهاية واضحة, فالحكمة في أفلام هذا المخرج هي ممتدة على الطريق الذي يسلكه الإنسان لإيجاد الحلول وقدرة البطل على التطور والتحسين من رؤيته للعالم وتعامله مع ما يحيط به, بالإضافة إلى أنه يحرص على تصوير العالم بشكله المعقد وبصورته المجنونة وعلى بطل القصة وإن كان طفلًا أن يصل من خلال رحلته هذه إلى حقيقة أن المقادير لا تجري بحسب ما يتمنى دائمًا!

انتقاء المحيط بعناية

لا يختلف اثنان على أن أهم أسباب نجاح إستوديو جيبلي والمخرج ميازاكي هو اعتمادهم طريقة الرسم والتحريك اليدوي, مما يمنح المظهر الطبيعي والخلاب لكل المشاهد والصور وحتى حركات الشخصيات وسكناتها, تخيل أن كل مشهد من مشاهد فيلمك المفضل هو لوحة فنية صورت بشكل بديع؛ السماء, الغيوم, الجبال والخضرة. إضافة إلى ذلك للطبيعة أرواح متعددة في قصص ميازاكي وهذه الأرواح لها صور غريبة الشكل دائمًا, لابد أن للأمر علاقة وثيقة بقيمة الطبيعة ومكوناتها في حضارته وثقافته اليابانية وهذا واضح بالنسبة لي, لكنني أعجز عن استيعاب الطريقة التي تمكن فيها من الاحتفاظ في مخيلته بهذا الكم من الجمال على مر السنين, فكان في كل مرة يمسك فيها بقلم رصاص يحيط الشخصية بمنظر آسر للطبيعة الغناءة.

وقد يكون السبب في أنه يحيط نفسه بكل ما أمكن من جمالية الطبيعة وصور الحياة البريئة والطفولية, فمكان الإستوديو تم اختياره بعناية بعيدًا عن المباني الشاهقة أو الأحياء المكتظة, وتم تصميمه بصورة تجعله محاطًا بالأشجار والخضرة على مدار العام, وخلف مقر إستوديو جيبلي حيث يصنع ميازاكي عالمًا ساحرًا غنيًا ومثريًا للأطفال, خلفه تمامًا تقع حضانة نهارية للأطفال يحرص هو شخصيًا على الخروج إلى مكان قريب منها حتى يلوح من بعيد لكل الأطفال المتجهين إليها أو العائدين منها. وهذا طقس يومي بالنسبة له كخروجه لمراقبة الغروب مع فريق العمل كل مساء, الذي لم يتخلف عنه قط.

ميازاكي.. الواقعي الحالم

يقول هايو ميازاكي في الفيلم الوثائقي (مملكة الأحلام والجنون): «من قال لك إنك تعيش لتسعد نفسك؟ هل هدفك من الحياة أن تعيش بسعادة؟ أنا أصنع الأفلام لكنها لا تسعدني». ربما هذه الكلمات بالتحديد هي ما دفعتني للاعتقاد بأنه تفهم حقيقة الحياة وماهيتها, فهو يصنع ما يجيد بحب لكل الأطفال في العالم ثم إنه لا يسعده بالضرورة, لكنه يسعدهم ويضيف قيمة لهم وهذا هو جزء من الهدف وأحيانًا يكون هو الهدف كله.

ومن هنا كان واقعيًا، لكنه إذا ما أمسك القلم وبدأ يخط ويرسم ويكتب ويحرك كان لزامًا عليه أن يكون حالمًا لأبعد الحدود!

وهنا تكمن المفارقة البشرية التي تتجلى في كل منا بصورة مختلفة عن الآخر, كل بحسب الطريق الذي يسلكه والروح التي يحمل بين جنباته.

يذكرني هذا بالسؤال الذي استوقفني طويلًا بينما كنت أقرأ في كتابي المفضل, يقول المُفكر والفيلسوف علي عزت بيجوفيتش:

«إن السؤال ليس هو ما إذا كنا نحيا حياتين, وإنما هو إذا كنا نفعل ذلك فاهمين لحقيقته؟».

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد