هل الوطن هو كل ما ولدنا وتربينا فيه ويقطنه ذوونا وتقودنا تخومه؟ هل الوطن هو الذكريات التي تولدت من خبرتنا مع أصدقائنا وأهلنا أو ممن يتحدثون لغتنا؟ أم للوطن مفهوم أعمق لا تحده حدود؟

ملئت عقولنا بشعارات الوطن وحبه والفداء من أجل، ولا خلاف في ذلك، ولكن علينا أن نحدد ما هو الوطن وماهيته، ولماذا اقتصره وأصله من قبلنا «كبراؤنا» في مكان الميلاد، وما هو مسجل في بطاقات هويتنا. أيعقل أن يكون تعريف الوطن هو كذبة كبيرة!

أرى أن الوطن له مفهوم أشمل، الوطن مكان تشعر فيه بالراحة والطمأنينة، مكان تستطيع فيه ممارسة شعائرك الدينية بلا أدنى قمع.

الوطن هو المكان الذي لا تشعر فيه بالخوف حين تمشي في شوارعه. الوطن هو المكان الذي تمارس فيه حريتك، طالما لا تتعدى على الآخرين. الوطن هو الذي يحتضننا ولا يلفظنا. الوطن هو المكان الذي يمنحنا الحياة، ولا يسلبنا إياها.

الفكرة في اتخاذ وطن جديد بعد هجرة إلى وطن آخر هو البعد عن الناس الذين يشكلون ماهية الوطن. ليس الوطن إلا بقعة تراب قد تكون أي بقعة تراب أخرى في أي مكان في العالم.

قد يتهمني البعض من مجرد المقدمة بغير الوطنية، ولكن هلا أعرتموني انتباهكم لقد احترمنا وجهة نظر كبرائكم لعقود طويلة، حتى جاء الوقت الذي بدأنا التأمل والتعلم والتفكير فيه.

قد يتهمني البعض أنه ضد مبادئ الإسلام لأن ظاهر كلامي يقول غير ما قيل في الإسلام، ولكن تعالى لننظر إلى ما قيل في حقوق الوطن وهل فعلا ما أقول يخالف ما قيل أم لا.

 

حينما قال النبي (ص) أن من مات عن وطنه فهو شهيد لم يكن هناك ما يسمى بالحدود، ولم يُعرف النبي ما الوطن أو يحده في بوتقة معينة. فهو من استقبل الوفود في المدينة وأخذهم في كنفه. وأخذ البعض ممن هاجر المدينة موطنًا له بعد هجرة.

سأبدأ بذكر قصة صغيرة حينما تم اضطهاد النبي في مكة وتجمعوا عليه سادات قريش، وأحس النبي (ص) بهلاك الوشيك لقومه؛ أمرهم بالهجرة لبلد فيها من سيحميهم ويستطيعون ممارسة شعائرهم بحرية، وكانت الهجرة الأولى لبلاد الحبشة بلاد النجاشي. فلقد كانت وطنهم حتى أمرهم النبي بالرجوع.

قصة ثانية لما هاجر النبي إلى المدينة، وعلينا أن نضع فى حسباننا أن شبه الجزيرة العربية عبارة عن قبائل تحكم كأنها دول صغيرة، أعني أنها لهؤلاء الناس كانت كل قبيلة هي الوطن، وغيره هو الجار أو العدو. حينما ضيق الخناق على النبي (ص) أمره الله بالهجرة إلى المدينة، والمكوث فيها حتى توفاه الله. وهذا لا يتناقض مع قول النبي (ص) أن أحب الأماكن إليه مكة. فهو لم يحدد لماذا ولكن من الجلي لأن بها بيت الله. ولكنه مكث في المدينة وطنه لما أمره الله بالهجرة الكبرى إلى المدينة نتيجة لتضيق الكفار على ممارسة الشعائر.

وفي رد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على سؤال أين الوطن قال: «ليس بلد بأحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك (…) الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة».

لا أحد ينكر أن موطن سيدنا سليمان الفارسي الذي جاب بقاع الأرض؛ بحثًا عن موطن يحتضنه -وكان عزيزًا في قومه- ودينًا يهتدي به حتى يرشده ربه إلى مكان النبي، ويستقر به ويجعله موطنه؛ بل ويحارب من أجله.

مبدأ الهجرة إلى مكان نأمن فيه على ديننا متأصل في شريعتنا لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا».

قد يكون الموطن المعزل عن العالم كما في قصة أصحاب الكهف «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا».

ويستوجب علينا أن ندافع عن هذا الوطن الذي اخترناه بعيدًا عن بطاقة هويتنا، حتى وإن متنا عنه؛ عملًا بقول النبي (ص) من مات دفاعًا عن وطنه الذي اختاره فهو شهيد، طالما أن الذي يذبه ليس بمسلم.

قد يكون تفسيري للآيات تشوبه قله الحكمة، وأرجو الله أن يغفر لي إن كان هناك قلة فهم لما وراء الأحداث والقصص، وأن ينعم عليّ بالبصيرة حتى أرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد