أمام ما نعيشه في الأوطان العربية من مشاهد عبثية من الصراع الأيديولوجي بين من ينادون بالتغيير ومن يروننا في الطريق الصحيح بكل إيمان أن الجبهة الأخرى مجرد دعاةِ تخريبٍ جاحدون بما نحققه من نمو قد يبدو بطيئًا، لكنّه حقيقي، بات من اللّازم إيجاد وحدة قياس بسيطةٍ نعتمدها معيارًا لقياس مستوى ترقّي الأوطان. وحدة قياس سهلة الاستعمال للعامة متاحة للجميع، لا تحمل تعقيد مؤشرات التنمية ولا كثرة أرقامها. وبما أن الإجتهاد مصدر أجرٍ إن حمل حُسن النية حتى لو خالف الصوب، فدعونا نؤسس معًا وحدة قياس لصحة الأوطان.

أولًا يجب أن نجد لها اسمًا مناسبًا، واستسمحكم أن أقترح اسم (أمومتر)، ومعناه مقياس الأمم، ومن زاوية أخرى هو دمج لكلمتي (أمومة) و(متر)، أي قياس يمكن أن تتأكد عبره أن بلدًا هي في خانة أمهات الدنيا، أم هي غير مؤهلة للأمومة من خلال قياس درجة سعادة أبنائها.

فكرة القياس بسيطة، فهي مؤسسة على عشرة أجوبة، تُترجم (لا) بزائد واحد (+1) والنعم بناقص واحد (-1)، والمجموع المحصل عليه هو بكل بساطة نقطة البلد في قسم الأمم. وسأستسمحكم مجددا في أن أقترح صيغة أوليّة للأسئلة القياس، ولكم حرّية تغييرها وصياغتها وفق شكل الحياة في العصر الذي تعيشون فيه، والأسئلة المقترحة لسنة 2018 هي:

1. هل يمكنك إيجاد عمل براتب كبير في بلدك إن كنت لا تتقن غير لغته الرسمية؟

2. إذا قرر الاتحاد الأوروبي فتح مدارسه العمومية بالمجان أمام كل طلاب العالم، فهل تعرف من عائلتك من سيبادر بإرسال أبنائه للدراسة بالخارج؟

3. إذا اشتد مرض أحد والديك أو أبنائك، وكان أحد معارفك الحميميين يملك مستشفى خاصة، تكاليفها باهظة في وجه العموم، وتقع على بعد مائة كيلومتر من مدينتك، فهل ستلجأ إليه؟ أم ستكتفي بأي مستشفى عمومي إن افترضنا وجوده بمدينتك؟

4. قررت الأمم المتحدة فتح محكمة العدل الدولية بلاهاي أمام قضايا الأفراد بكل أنواعها بموافقة كل الدول الأعضاء. وحدث أن واجهتك تهم ثقيلة من أي نوع، وأنت موقن ببراءتك منها، فهل ستفضل رفع القضية أمام المحكمة الدولية، بالرغم من قرب الوطنية من بيتك؟

5. إذا فتحت الحدود بين البلدان وألغيت كل التأشيرات وسنت حرية التنقل والعيش في كل مكان بالعالم، وكان ذلك ليوم واحد فقط، هل تعرف من معارفك من سيفرح بالخبر، ويكون مستعدًا لمغادرة الوطن بشكل فوري؟

6. هل ينتابك بعض القلق على نساء أسرتك ممن لا يمتلكن سيارات إن اضطررن للتأخر ليلًا خوفًا على سلامتهن؟

7. هل عدد الجنسيات التي تستطيع الدخول لوطنك بجوازات دون تأشيرات يفوق عدد الدول التي يمكنك دخولها بالجواز فقط؟

8. هل يوجد في عاصمة بلادك الاقتصادية من يبيع مناديل ورقية كعمل أساسي ممن يشاطرونك جنسية البلاد؟

9. أضف سنة لعدد الأعشار من عمرك، هل العدد المتحصل عليه أقل من عدد من تقلدوا رأس السلطة التنفيذية في بلادك منذ يوم مولدك؟

10. إذا استثنينا جائزة نوبل للسلام، وأضفنا ميدالية فيلدز للرياضيات لباقي جوائز نوبل السنوية، فإنه لم يسبق لعالم مقيم ببلدك أو باحث ممن يشتغلون في جامعاتها أن تحصل على إحدى هذه الجوائز؟

وبما أننا قد عرفنا مقياس الأمومتر هذا، يجب أن نفسّر مفتاح قراءة أوزان ونعطي على الأقل تفسيرًا لطبيعة واقع البلدان وفق القدر المتحصل عليه. وحتى نسهل الأمر على الجميع سنحدد أربعة مجموعات فقط من خلالها نقدم قراءة سريعة للوضع القائم وبضعة نصائح تملك حرية التعامل معها كما تريد.

· 5 أمومترات وما فوق: طوبى لك، فأنت في وطن يمنحك قيمة حقيقية، يمكنك أن تصوغ أحلامك كما تشتهي وتتعلق بها فهي قابلة للتحقيق، ولا تتطلب غير الإرادة والقليل من الجهد. ويمكنك إن أردت معرفة تموقع بلادك في واقع العالم أن تثق في مؤشرات التنمية البشرية وترتيب اقتصادات الدول.

· ما بين الصفر و5 أمومترات: بلدك يحاول بصدق المرور نحو نادي التقدم. سياسيوه يستحقون فرصة، ولك أن تشارك بكل قواك ومواهبك في مشروعات البناء التي يعرفها وطنك.

· ما بين ناقص واحد -1 وناقص خمسة أمومترات -5: بلدك يحاول ولكن سياسته عليلة، ومطالب التغيير مشروعة لإنقاذه، بل واجبة للمرور نحو إصلاح حقيقي، لكن بلوغه صعب، فالظاهر أن الفساد مستشر بشكل يقتضي تظافر القلوب الحية لطرده.

تحت ناقص 6 أمومترات أي من -6 إلى -10: إن لم تستح فقل ما شئت، أما إن كان الحياء من صفاتك، فاعلم أن الابتلاءات في الدنيا فرصة لتقوية الإيمان بمجابهتها، أما إن لم تستطع، فنرجو الله أن يحسن آخرتك، فإنه للأسف لا حياة لك. وآخر النصح أن لا تضيع وقتك في قراءة أي مؤشرات أخرى، فالخوض في ترتيب الراسبين مضيعة وقت؛ لأن الترتيب يعني المتفوقين لا غير.

ملاحظة: يرجى الصّدق مع الذّات والواقع في صياغة الأجوبة لضمان فعالية القياس، ويمنع استعماله من طرف الأطفال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد