تجلس على مائدتك لتتناول غذاءك مع أسرتك السعيدة ويبدو أن الطعام شهيًا هذه المرة، فألوان الطعام تزين المائدة واللحوم في وسطها، كنت دومًا تحب اللحوم وتأكلها بكثرة، لكنك لا تعلم الكثير، ربما تعلم فقط مدى خطورة اللحوم على صحتك، لكنك لا تدري أنك تؤذي غيرك كذلك، ولا تعلم  إلى أي مدى قد تكون تدمر كوكبًا بأكمله!

قبل أن أخبرك لماذا اتهمك بتدمير مستقبلك، دعنى أخبرك أنه في الواقع لست وحدك من يقوم بهذا، فمنذ قديم الأزل اعتمد أجدادنا على صيد الحيوانات البرية والتغذي على لحومها باعتبارها أول مصدر معروف للغذاء قبل حتى معرفة الزراعة، لكن الوضع يظل طبيعيًّا إلى أن يبدأ كل شيء في الزيادة الكبيرة، فعوضًا عن مئات الحيوانات التي كانت تقتل قديمًا صار الأمر عظيمًا الآن، تقول الإحصائيات أن العالم يستهلك سنويًا حوالي 55 مليار حيوان بري بما في ذلك الدجاج، البقر، وغيرها، وحوالي 100 مليار حيوان مائي، حتى في البلدان النامية كان الاستهلاك مرتفعًا أيضًا، فكل شخص في البلدان النامية يحتاج إلى نحو 40 كيلو جرامًا من اللحوم الحمراء سنويًا. بينما يستهلك الفرد في البلدان المتطورة نحو 75 كيلو جرامًا، كذلك الصين التي تضاعف استهلاكها ثلاث مرات في العشرين سنة الأخيرة فقط! كما تتوقع منظمة الأغذية والزراعة التابعة إلى الأمم المتحدة «الفاو» أنه بحلول عام 2050 فإن استهلاك الفرد للحوم الحيوانية سوف يتضاعف سنويا بإجمالي قد يصل إلى 463 مليون طن من اللحوم سنويًا.

زباده استهلاك اللحوم يعني بشكل أساسي تخليق فجوة كبيرة في الاقتصاد بشكل دائم، فذلك الاستهلاك المتزايد قد يؤدي إلى زيادة التكاليف الصحية والبيئية بقيمة 1.6 تريليون دولار على مستوى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050، ونتيجة لزياده إنتاج اللحوم ظهرت الحاجة إلى مزيد من المحاصيل لتربية المواشي، لذلك لجات العديد من الدول النامية كالبرازيل مثلًا إلى القيام ببيع منتجاتها الزراعية خاصة من الحبوب وتوجيهها إلى تربية المواشي على حساب طعام الإنسان، كذلك قامت بعض الدول بإجبار الفلاحين على زراعه المحاصيل المناسبة للأعلاف كفول الصويا وتصديرها للدول الغنية حتى إن ألمانيا وحدها تقوم باستيراد  6.8 مليون طن سنويًا من فول الصويا من البرازيل. والمزعج في الأمر حين تعرف أن كيلو اللحم الواحد يحتاج إلى 16 كيلو جرام من الحبوب حتى يصبح لحمًا جاهزًا للتناول، في حين يقدر الخبراء أن مساحة الأرض التي تعطي نفس هذه الكمية من الحبوب هي كافية لإنتاج 160 كيلو جرام من البطاطس إذا تم زراعتها الذي يمكن أن يصبح غذاء فعالًا للفقراء بدلًا من زراعة الحبوب وتصديرها كعلف لحيوانات الدول الغنية.

تلك الأنشطة الزراعية غير المسبوقة كان لها بالطبع تأثيرات سلبية على بيئتنا الجميلة،حيث أكدت منظمة التغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» أن تزايد استهلاك اللحوم كان سببًا أساسيًا في إحداث خلل بيئي كبير كما أنه مصدر مهم لزيادة تأثير الاحتباس الحراري، حيث أكدت دراسة قديمة صدرت في سنة 2006 عن منظمة الفاو أيضًا أشارت إلى أن الثروة الحيوانية هي مسؤولة بلا أدنى مبالغة عن انبعاث 18% من الغازات الدفيئة المسؤولة عن ظاهرة الاحتباس الحراري. لكن كيف يمكن أن تكون الحيوانات مسؤولة عن الاحتباس الحراري؟

الأمر يتفرع إلى عدة جهات أحدها مثلًا مخلفات الحيوانات، حيث تشير تقديرات منظمة الفاو إلى أن انبعاث الميثان من مخلفات الماشية كان قد وصل في عام 2004 إلى 103 طن كذلك 2369 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون وهي نسبة مرتفعة جدًا. كذلك إزالة الغابات المطيرة، حيث تقوم دول أمريكا اللاتينية كالبرازيل وأوروجواي بإزالة مساحات شاسعة من الغابات المطيرة لتقوم بإحلال زراعة فول الصويا -المهم كمصدر للعلف – محلها، تلك الغابات مهمة للغاية في امتصاص كميات كبيرة من الغازات الدفيئة وإزالتها يعني تراكم هذه الغازات، ناهيك عن تدمير الحياة البرية المزدهرة في تلك المناطق.

صحيح أن الأمور تزداد تعقيدًا بمرور الوقت،لكن لا بأس فالحل بسيط، فقط علينا جميعًا -نحن البشر- أن نقلل من استهلاكنا للحوم ومعها تظهر بارقة أمل جديدة، حيث وجدت إحدى الدراسات الحديثة أنَّ التحوّل العالمي نحو حمية غذائية تحتوي على كميات صغيرة من اللحوم يمكن أن يقلّل من آثار تغير المناخ بنسبة تصل إلى 50% بحلول عام 2050، كذلك الدول، كالولايات المتحدة الأمريكية يمكنها إحداث طفرات هائله في الحفاظ على الأموال والبيئة، حيث يمكن للدولة توفير 180 مليار دولار إذا تناول السكّان الطعام وفقًا للمبادئ التوجيهية الموصى بها والتي لا تعني تخلي السكان عن اللحوم تمامًا، إضافة إلى عدد الوفيات بسبب السِمنة والأمراض المزمنة التي يمكن تجنبها (320 ألف شخص سنويًا على الأقل)، وكذلك الفوائد المصاحبة لخفض مستوى انبعاثات الغازات الدفيئة.

لكن للأسف يبدو أن كثيرًا من الناس لا يعرفون هذه الحقائق، والأسوأ أن من يعرفها منهم لا يريد أن يساهم فيها،حيث أوضحت دراسه ساهم فيها 500 شخص للمساهمة في إنقاذ البيئة وقد خيروا بين توفير الطاقة وتركيب ألواح شمسية وبين تقليل اللحوم، 12% فقط اختاروا تقليل استهلاكهم من اللحوم! ربما توضح هذه الدراسة مدى عدم استيعاب معظم الناس لمدى خطورة الأمر وربما عدم رغبتهم للمشاركة في إنقاص شهوة الطعام لديهم ولو قليلًا!

لذا يجب علينا جميعًا أن نساهم في إنقاذ بيئتنا من الهلاك، والأهم هو إيقاظ الوعي البشري، فلو زادت حملات التوعية بتلك المخاطر كلها لربما زاد عدد المستجيبين لها وحينها تستطيع الدول أن تبدأ في خفض إنتاجها وتنقذ المستقبل من الهلاك، أعرفت الآن يا عزيزى ماذا تفعل وجبتك المتكررة تلك بأطفالك؟ لا تقطعها أبدًا يا عزيزي فقط رشّد للمستقبل حتى يستطيع أولادك أن يأكلوا لحمًا -بشكل معقول- طوال حياتهم قبل أن ينفذ منا كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بيئة, صحة, مجتمع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد