كانت حادثة مقتل الصحافي (جمال خاشقجي) بالنسبة للنظام السعودي كالقشة التي قصمت ظهر البعير، فهذه الحادثة ليست الأولى و لن تكون الأخيرة، ما دامت تحكم بلاد الحرمين سلطة قمعية دكتاتورية مارقة، تحكم شعبها بعقلية القرون الوسطى، تتعامل مع هذا الشعب بالسجن والإعدام و القتل والتقطيع كما حدث أخيرًا مع خاشقجي.

النظام السعودي يستغل المقدسات أسوأ استغلال

بلاد الحرمين وفي قلبها مكة المكرمة، أقدس بقعة على وجه الأرض بالنسبة لأكثر من مليار مسلم، لها حرمة عند جميع المسلمين وشوق لزيارته، هي البلد الأمين و المأوى لكل المسلمين، ولا يحق لأي أحد أن يكون وصيًا ومتحكمًا عليها ويمنع من الوصول إليها، فذلك إثم عظيم وجرم عند الله تعالى كما قال في محكم كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الحج: 25، (الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد)، أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعًا سواءً، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه. نظام آل سعود يستغل هذه المقدسات الإسلامية أسوأ استغلال، فمرة يمنع الحجاج القطريين والسوريين واليمنيين من أداء الحج، ويعتقل المخالفين معهم من السياسيين الليبيين ويسلمهم إلى قوات حفتر والمصير المجهول، ومنع عشرات الناشطين والسياسيين من أداء الحج و العمرة.

تصرفات النظام السعودي تجاه المقدسات كان محل بحث واعتراضات كثيرة من الشخصيات والمنظمات وحتى الدول، لكن لا أحد منهم أقدم على تدويل القضية لحساسيتها وللإبقاء على شعرة معاوية مع النظام هناك، وتعاملوا مع الأمر الواقع، لكن بعد منع القطريين وعدد من الشخصيات والنشطاء من أداء الحج، وبعد الحادثة البشعة لقتل الصحافي خاشقجي؛ هناك كلام جدي عن أهلية النظام السعودي في الإشراف على المقدسات الإسلامية، التي جعلوها ملكًا للعائلة، ومنبرًا للدعاية الفجة لهم، وتصريح (نعمان قورتولموش) نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الموجه إلى الملك سلمان وجدارته لصفة خادم الحرمين الشريفين أوضح موقف في هذا الاتجاه.

أفعال النظام السعودي يخجل منه مشركو مكة

لا نبالغ إن قارنا تصرفات النظام السعودي بما فعلوها مشركوا مكة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه، لكني أقول وأنا متيقن أن بهذه المقارنة نظلم أبا جهل ومشركي مكة.. فعندما اجتمع المشركونَ أمامَ باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الهجرة وبأيديهم سيوفُهُم, وقد قرّروا قتله في جريمةٍ بشعةٍ وتدبيرٍ خبيث، ألم يفكّر هؤلاء المجرمون أن يدفعوا الباب بأقدامهم، ويقتحموا البيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتلوه في فراشه وداخل بيته؟ أليس ذلك أسهل لهم من انتظاره ساعاتٍ عدّة حتى يخرج إليهم؟ ما الذي منَعَهم من ذلك وقد عزَمُوا على ارتكاب جريمتهم وشرعوا في تنفيذها؟

ذكرَتْ بعضُ كتبِ السّيرة النبويَّة أنّ أحدهم قال لأبي جهل: يا أبا الحكم، هل نحن قاتلون محمدًا؟ قال: نعم، قال: فلم الانتظارُ حتى الصّباح، لم لا نتسوّر عليه وندخل البيت ونقتله ونستريح؟ فقال له أبو جهل: وتقول العرب إن أبا الحكم قد روّع بنات محمد في بيتهن؟! إنّه لسبَّةٌ في العرب أن يُتحدَّث أنا تسوَّرنا علي بنات العمّ وهتكنا الحرمة، لا واللّاتِ لا تفعلوا.

إنّه مشهدٌ عجيب؛ فأبو جهل ـ فرعون الأمّة ـ رغم الحقد والبغض الذي يحمله في قلبه لرسول الله صلى الله عليه وسلّم رفضَ اقتحامَ البيت وترويع البنات، منعَه خوف العار وسبّ النّاس له، أو كما نسميها اليوم الرأي العام، كما منَعَته منظومةُ القيمِ التي كانت سائدةً في ذلكَ المجتمعِ رغمَ غرقِهِ في جاهليَّةٍ جهلاء.

فلذلك أنا على ثقة بأن أبا جهل ومشركي مكة لو كانوا أحياء، لتبرؤوا من أفعال قام بها النظام السعودي وأنظمة عربية أخرى، والأمثلة كثيرة.. كاعتقال الشيخ القعيد (سفر الحوالي) رغم أمراضه الكثيرة وكبر سنه، ونقله إلى السجن بسيارة إسعاف، وقتل الصحافي جمال خاشقجي الذي ذهب بقدميه مستأمنًا إلى سفارة بلاده، وخرج مقطعًا في حقائب، في جريمة لم تحدث في الجاهلية.

أحرار مكة يبحثون عن النجاشي!

بعد تولي محمد بن سلمان ولاية عهد المملكة، تغير كل شيء، المباح أصبح ممنوعًا، الممنوع أصبح جرمًا، و الإنسان يحاسب على أي كلمة يقولها أو يكتبها، بل يحاسب على صمته كما حدث مع الشيخ (سلمان العودة)، هذا الجو المظلم واللاإنساني جعل كثيرًا من أحرار بلاد الحرمين، ومنهم الصحافي المغدور جمال خاشقجي يفكر بالهجرة، لكن أي هجرة وأي سفر.

بعد الصورة المثيرة لنجل الصحافي خاشقجي مع ولي العهد، كثرت التلعيقات على الصورة و الدعوات لرفع حظر السفر عنه وعن عائلته، لا سيما بعد مصابهم الأليم في والدهم، بعد المطالبات العديدة والوساطات استطاعت العائلة المكلومة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، هنا نقول إن السفر لكل إنسان مفهوم، وشيء طبيعي جدًا، لكن أن تترك البلد الأمين وبيت الله الحرام وتسافر أو تهاجر إلى أمريكا لتحظى بالأمان فهذا ما يحزن.

وأخيرًا نقول: بعد أن ضاقت بأحرار مكة وما حولها السبل، بدءوا يهاجرون ويبحثون عن النجاشي، إنما وكما يبدو أن النجاشي ليس موجودًا، ولن يكون العم سام نجاشيًا أبدًا، بل يستغل آلام ودماء هؤلاء الأحرار ليطلب من صناديد مكة الدفع أكثر مقابل البقاء، وأموال الشعب ومواقف ومكانة البلد يهدر تحت الطلب لشراء ذمم من نحسب أنه النجاشي، والأحرار ما زالوا ينتظرون ويناضلون ويضحون بدمائهم في الداخل والخارج، ولن تقوم لنا قائمة حتى يظهر النجاشي فينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد