يبدو أننا في العصر الحالي نملك خلفية لا بأس بها في العلوم والخبرات العملية، ولكننا على الجانب الآخر أهملنا الجانب الأهم الذي يغفل الكثير عنه وهو ذاتنا.

وهذا ما عبر عنه ألكسيس كاريل عندما قال:
«بتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبًا على كل شيء موجود على ظهر البسيطة إلا أنفسنا!».

ولذلك نحن هنا بصدد وضع خلفية بسيطة لتلك الذات المليئة بالألغاز والتعقيدات، فلم يخطئ العلماء قديمًا عندما قالوا: «الإنسان كون في ذاته» كون مليء بالكنوز، كما أنه مليء بالثعابين والعقارب !

في البداية وقبل الدخول إلى الموضوع الرئيسي لهذا المقال يجب علينا إدراك أن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة مترابطة ومتداخلة بشكل عميق للغاية، نفخة من الذات العليا داخل قبضة من الطين، جسد متحد مع الروح، الخير الممتزج بالشر، الإنسانية المتحدة مع البشرية، قُل ما شئت !

ما يجب إلقاء الضوء عليه هو أن بسبب هذه الطبيعة يحدث التناقض، أو الصراع الداخلي بين الغريزة والاختيار، وهو ما يؤدي بدوره إلى الحركة الإنسانية والتطور المستمر لبني البشر، فعلى قدر تحكم الإنسان في اختياره وتساميه فوق غرائزة يصبح أكثر قدرة على التطور واكتشاف ما بداخله من كنوز، أي أن التناقض شيء بديهي في الذات البشرية.

وكخطوة أولى لتفسير الإزدواجية داخل النفس نبدأ بموضوع المقال الرئيسي «الخطوط المتقابلة في النفس البشرية«.

والخطوط المتقابلة أو «الأعصاب النفسية» هي المشاعر التي تتولد بداخلنا والتي ينتج عنها الفعل، ويختصر الدكتور محمد قطب تلك الخطوط:
«إن من عجائب التكوين البشري تلك الخطوط الدقيقة المتقابلة المتوازية، كل اثنين منها متجاوران في النفس وهما في الوقت ذاته مختلفان في الاتجاه: الخوف والرجاء، الحب والكره، الواقعية والخيال، الفردية والجماعية…إلخ. كلها خطوط متوازية ومتقابلة، وهي باختلافها وتقابلها تؤدي مهمتها في ربط الكائن البشري بالحياة وتوسع أفقه وتعدد جوانبه، فلا ينحصر في نطاق واحد ولا مستوى واحد وبذلك يتحقق للإنسان كيانه الفريد».

١- الخوف والرجاء

وهما الخطان الأكثر تأثيرًا على النفس، حيث إن الخوف والرجاء على عكس الخطوط الأخرى يحدثان داخل الذات، بينما الخطوط الأخرى تحدث عندما تنشئ صلات نفسية مع الآخرين -أي بمسبب خارجي- فلا يمكن أن تحب أو تكره مثلًا بدون وجود شخص بعينه لتشعر تجاهه بذلك الشعور.

والطفل عندما يولد أول ما يشعر به هو الخوف على ذاته، والأمان عند مرضعته أو حاضنته، وهو إحساس منطقي لأنه من الطبيعي أن تكون الأولوية في المشاعر للخوف على ذاتك أولًا.

بعد ذلك ينمو الخوف عند الطفل عندما يبدأ العقل الواعي في النضوج، لينتقل من الخوف الحسي «مثل الخوف من البعد عن مرضعته» إلى الخوف المعنوي مثل الخوف من الظلام والوحدة ووجوه الآخرين، بعدها يرتقي الخوف عنده لخوف معنوي وحسي، مثل خوفه من ردة فعل أبويه إذا أخطأ في فعل شيء معين.

ومن هنا تبدأ «القيم» في الظهور داخل حياة الطفل، فتبدأ بالقيم الحسية والتي يتشابه فيها مع باقي المخلوقات، حيث يكافئه والداه بالثواب الحسي عندما يقوم بعمل الصواب، وكذلك العقاب الحسي عندما يقوم بعمل شيء خاطئ، بعد ذلك ينتقل الطفل لمرحلة أعلى وهي «القيم» التي تنشأ من المعنى، فيكون مجرد حزن والدته عقاب وابتسامتها ورضاها يمثل له الثواب.

الجدير بالذكر أن خطي الخوف والرجاء هما أوسع الخطوط تأثيرًا في النفس، لذلك لا نستغرب أن نجد معظم الكتب السماوية مليئة بالآيات التي ترهِّب من العذاب وتبشِّر بالجنة، وكذلك الحكام على مر العصور دائمًا ما كانوا يتحكمون في الشعوب عن طريق استخدام خطي الخوف والرجاء.

٢- الحب والكره

وهما الأكثر تأثيرًا بعد خطي الخوف والرجاء في النفس البشرية، ويمكن تشبيه الحب والكره بعالم المادة، حيث إنه من العجيب عند ملاحظة كيف يمكن أن يحب أحد شخصًا ما فينجذب إليه رويدًا رويدًا حتى لا يستطيع الحياة من دونه، حيث إن هذا يشبه ملاحظة المغناطيس الذي ينجذب لآخر، وتنتقل الموجات المغناطيسية مثلما تنتقل المشاعر بينهما حتي يلتصقا فيصبحان كتلة واحدة وجسدًا واحدًا ،وكذلك الكراهية التي تشبه عملية التنافر، لذلك قال بعض العلماء «إن عالم النفس تمت وراثته من عالم المادة«.

و الحب والكره يمران بنفس القنطرة التي يمر بها الخوف والرجاء من الحس إلى المعنى إلى القيمة، ولكن على الرغم من أن الحب والكره أقل اتساعًا في الذات البشرية، إلا أنهما يمكن لهما الاتساع حتى يخرج الإنسان خارج حدود الذات، ويتدرج في المراتب حتى تتسع نفسه لتسع العالم والكون وللدكتور محمد قطب تعبير بليغ عن ذلك:
»هذا الحب، الذي يبدأ متصلًا بالثدي والحضن، ثم يعبر هذة القنطرة إلى عالم المشاعر والمعنويات، إنه عالم عجيب جدًا ورائع جدًا ونبيل جدًا، إنه يظل يرتفع ويتسع من نقطة الثدي الصغيرة التي تكون عالم الطفل كله حتى يشمل العالم كله حقيقة لا مجازًا, يشمل الكون كله والحياة كلها ويصل إلى الله !
إنها طاقة ضخمة جدًا وذات استعداد عجيب للسعة والارتفاع».

وهكذا فإنه لا عجب في أننا ما زلنا نُعجب بجنون قيس بليلى وتضحية روميو وجولييت وانتحار كليوباترا من أجل أنطونيو.

حقًا إنه لعالم عجيب ذلك الحب.

٣- الحسية والمعنوية

«الحسية والمعنوية» أو «الواقع والخيال» أو «المعرفة والغيب» هي خطوط تتشابه كثيرًا في وظائفها، فالحسية هي الطاقة المتصلة بالجسد من أعصاب وحواس وبيولوجيات، في حين أن الطاقة المعنوية لا يعلم أحد ماهيتها أو أين تتكون، وهي تأتي من التفكير التصوري التجريدي الذي يدرك به الإنسان القيم المجردة مثل: العدل والصدق والجمال والحق…إلخ.

والتفكير التصوري التجريدي هو أكثر ما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات، فكما قال جوليان هكسلي:
»أول خواص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحًا، قدرته على التفكير التصوري، ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة مثل: قدرتة على التفكير الخاص والعام، ووجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها، وهناك نتائج ثانوية كثيرة لتطور العقل، ولنذكر منها العلوم الرياضية البحتة والمواهب الموسيقية والدين والحب المثالي».

ومن ثمرة هذا التفكير أيضًا كيف يستطيع الإنسان أن يحول النشاط الحسي إلي نشاط معنوي، فمثلًا نشاط الأكل، وهو نشاط يتشابه فيه الإنسان مع غيره من المخلوقات، ولكن الإنسان يرتقي به ليجعل له آدابًا وطقوسًا وفنونًا في تقديمه.

كذلك الجنس الذي هو عمليه بيولوجية بحتة عند الحيوان، يرتقي بها الإنسان لتصبح مشاعر وعاطفة وحبا بينه وبين الطرف الآخر.

وهكذا يستطيع الإنسان أن يضيف اللمسة المعنوية إلى كل ما هو حسي فيرتقي.

٤- الالتزام والتحرر

للإنسان ميل للالتزام نحو شيء ما كما أن له ميلًا للتحرر، ولكن لا يمكن أن يكون الإنسان ملتزمًا التزامًا مطلقا أو متحررا حرية مطلقة.

فالحرية المطلقة تعني الفوضى والفساد للمجتمع، فمجتمع يميل إلي التحرر من كل شيء، كالتحرر من العمل ومن الزواج وحفظ العلاقة الجنسية في إطار رسمي، ومن حفظ الحرمات في عدم زواج الإخوة أو الأم من ابنها،
تخيل كيف يمكن أن يكون حال هذا المجتمع !

كذلك الالتزام المطلق والجمودية التي تؤدي إلي قتل المعاني والمشاعر فيصبح الإنسان مجرد آله تدور مع باقي الآلات حوله بلا تفاعل يذكر، كبحر ميت لا تحييه الأمواج.

فالحرية المطلقة فوضى والالتزام المطلق جمود، لذلك لا بد من الجمع بينهما لتحدث الحركة الذاتية والمجتمعية تمامًا مثلما قال على الوردي:
«قدم تثبت المجتمع وأخرى تدفعه، والسير لا يتم إلاّ إذا تفاعلت فيه قوى السكون والحركة معًا، والمجتمع الذي تسوده قوى المحافظين يتعفن كالماء الراكد، أما المجتمع الذي تسوده قوى المجددين فيتمرّد كالطوفان، حيث يجتاز الحدود والسدود ويهلك الحرث والنسل».
والمجتمع الصالح ذلك الذي يتحرك بهدوء فلا يتعفن ولا يطغى، إذ تتوازن فيه قوى المحافظة والتجديد فلا تطغى إحداهما على الأخرى«.

٥- الفردية والجماعية

كذلك الفردية والجماعية خطان مكملان لبعضهما، فلا يمكن لأحد أن يعيش الفردية المطلقة، حتى لو انعزل حسيًا عن البشر فإنه ما يزال يميل إلى الجماعية معنويًا، فتهاجمة الذكريات التي تجمعه مع الآخرين وتجعله يشتاق إليهم، كذلك عندما يجتمع الإنسان مع غيره لوقت طويل، يشتاق لفرديته وأفكاره الخاصة.

خاتمة

بعد التعرف على تلك الخطوط المتقابلة يجب لفت الانتباه إلى أنه برغم تميز كل خط عن الآخر، فلا يمكن لأحدهم أن يعمل بصورة منفردة داخل النفس، حيث إن تلك الخطوط مترابطة ومتداخلة بعمق، فلا يستطيع أحد أن يتحكم بها أو أن يبرز أحدهم بشكل دائم ويخفي الآخرين.

ولكن كيف سنتعامل مع تلك الخطوط وكيف يمكن توجيهها؟!
ذلك ما سنتحدث عنه في الجزء الثاني من المقال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الذات, النفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد