بعد المظاهرات الضخمة يوم 15 مارس (آذار) للشعب الجزائري، واستمرار المظاهرات الفئوية كل يوم، فقد تبين يقينًا أن الرفض الرسمي للجزائريين ليس فقط للعهدة الخامسة لبوتفليقة، أو لتمديد الرابعة، ولكن لجميع وجوه النظام البارزة أو المحركة له، رغم تعنت والتفاف السلطة على مطالب الجماهير أملًا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأمام المستجدات الجديدة، وانضمام وجوه ثقيلة تحسب على هذا النظام، بل فاعلة فيه، أو بالأحرى رضوخهم للأمر الواقع، الذي جسده الشعب أمام النظام، وتبيّنهم أن عهد بوتفليقة ولى بدون رجعة، وما هي إلا تفاصيل صغيرة للإعلان عن نهايته؛ فالحل لمرور آمن لجمهورية جديدة الحكم فيها للجزائريين وفقط، لا يكون إلا بفترة انتقالية سلمية تساهم في تهدئة الشارع، وتضمن خروجًا سلميًّا للمحسوبين على النظام، خاصة المستفيدين المباشرين من ريعه.

إن الفترة الانتقالية هي الضامن الوحيد لتجسيد مطالب الشعب على الأرض دون لف أو دوران، ويجب أن تتضمن هذه الفترة خطة عمل واضحة المعالم وتدريجية؛ حتى يضمن الشعب انتقالًا سلسًا وسلميًّا من نظام قديم فاسد ريعي، إلى نظام ديمقراطي، الكلمة فيه للشعب فقط، ويمكن أن تتضمن خارطة الطريق هذه عدة نقاط من بينها:

  • إنهاء فترة بوتفليقة الرئاسية يوم 28 أبريل (نيسان)، أو استقالته قبل ذلك وحل البرلمان بغرفتيه.
  • تشكيل مجلس أعلى للدولة بقيادة أي شخصية ذات مصداقية وثقة، ووجود قبول شعبي كبير لها، مع عدم ترشحها لأي انتخابات مستقبلًا.
  • تشكيل حكومة تصريف أعمال بقيادة شخصية معارضة، لها دراية بخبايا النظام، وحرصها الشديد على عدم قبول تسويات مِمن في دواليب الحكم في الماضي، مع التزامه بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية إلا لعهدة واحدة تختار أعضاء للحكومة من التكنوقراط غير ملوثة بالفساد، وذات كفاء عالية، تلتزم بأدائها الحكومي دون التدخل في شؤون الندوة الوطنية.
  • استدعاء جميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات العمالية المستقلة، والشخصيات السياسية ذات القبول الشعبي لندوة وطنية، مع فتح المجال واسعًا لشرائح المجتمع لتدلو بدلوها عن طريق الإعلام أو أي طريقة أخرى لإسماع صوتها في رؤيتها للدستور الجديد، تدرس هذه الندوة اقتراحات الدستور الجديد للدولة، وتقدم حوصلة ذلك في دستور واضح المعالم ومتفق عليه من كل مكونات المجتمع، في أجل أقصاه ستة أشهر.
  • يعرض الدستور الجديد على الهيئة الناخبة للاستفتاء بعد تشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات.
  • بعد قبول الدستور تستدعى الهيئة الناخبة من جديد للتصويت على رئيس جديد للبلاد.
  • وأثناء ذلك يستدعى القضاة لانتخاب رئيس مجلس القضاء الأعلى، ويمنح استقلالية كاملة، ويفصل القضاء عن السلطة، ويصبح هيئة مستقلة بذاتها ومراقبة للسلطة، وينتخب مجلس القضاء الأعلى أعضاء المجلس الدستوري، ويكون المجلس الدستوري أيضًا مستقلًا كليًّا عن أي سلطة خارجية، ويلتزم بقوانين الجمهورية، وحماية الدستور.
  • تنتخب قيادة جديد للنقابة الوطنية للعمال الجزائريين؛ لتكون شريكًا فاعلًا وضاغطًا على السلطة، مدافعًا عن حقوق العمال.
  • تنتخب قيادة جديدة لمنتدى رجال الأعمال؛ حتى يرافق السلطة في مشاريعها القومية، ويقدم حلولًا وتوصيات حول مستقبل الاقتصاد الجزائري.
  • يستدعى الصحافيون لتشكيل نقابة خاصة بهم مستقلة، وكتابة ميثاق أعلى للصحافة، وتلتزم به وتساهم في إيصال المعلومة للجماهير، وتكون آلية لكشف الفساد في الدولة.
  • تنتخب جميع الأحزاب المعارضة والموالية، وجميع منظمات المجتمع المدني قيادات جديدة، وترجع الوجوه المعروفة للخلف؛ إذ لا يمكن الذهاب لجمهورية جديدة بوجوه قديمة.
  • تأجيل كل أعمال المحاسبة للعصابة؛ حتى تستقر الأوضاع برئيس منتخب من الشعب.
  • الرئيس الجديد يدعو لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، وأعضاء المجالس المحلية.

كما أن الضغط على السلطة للانسحاب واجب وضروري، إلا أنه يجب على الجماهير أن تكون عقلانية في مطالبها، وألا تتطرف حتى لا تحصر النظام في زاوية فيرتد عليها لإنقاذ نفسه باستعمال القوة والترهيب؛ مما سيقود البلاد إلى مآلات لا يمكن التكهن بها، قد ترهن مصير ليس الجزائر فقط، بل المنطقة كلها، وتعود بنتائج كارثية على الضفة الأخرى من البحر المتوسط.

لذا وجب على الحراك في الشارع أن يطرح حلولًا، ويقدم وجوهًا تقود الفترة الانتقالية، مع تقديم ضمانات للسلطة للخروج الآمن لها.

إن نجاح الشعب في خلع هذه الطغمة الفاسدة من الحكم، وتنصيب جمهورية جديدة، يتساوى فيها أفراد الشعب، وتتقدم فيه الكفاءات للمناصب الحساسة لقيادة البلاد، لا يجب أن يلهينا عن الثورة المضادة، والتي إن ركنت لبعض الوقت فإنها ستعاود النشاط بكيفيات عديدة، وأجندات مختلفة، خاصة بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد، بانتخابات نزيهة وشفافة، إذ ستعمل على الضغط على الرئيس الجديد بمسمى حرية النقد من جهة، والدفاع على هوية البلاد من جهة أخرى.

وستسخر كل ما يمكن لها من وسائل إعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مع مطالبتها بمحاسبة الرئيس الجديد بعد 100 يوم من جلوسه على كرسي الرئاسية وهذا أمر غير معقول.

كما أنها ستعمل على تشويه هدا الرئيس باستعمال بطاقة الجهوية، والتحريض عليها، أو بطاقة الأيديولوجية والتخويف منها، كالإسلاماوية، والعلمانية، والاشتراكية وغيرها من الأيديولوجيات.

كما ستعمل على بث روح التشكيك والقدرة على قيادة البلاد لهذا الرئيس بين المواطنين، وتشويه صورته، وجعله أضحوكة بين الشعب، بحجة حرية التعبير وتلقف كل أخطائه وزلاته الصغيرة والكبيرة، بالإضافة لخلق أزمات سياسية داخل البرلمان واقتصادية تجعل هذا الرئيس يحيد عن برنامجه الرئيسي الذي انتخب من أجله، ويدخل في متاهات وحسابات ضيقة تجعل الشعب الجزائري ينتفض من جديد ويطالب بانتخابات جديدة تكون لرؤوس هذه الثورة المضادة مواقع قوة تعيدها للحكم من جديد.

لذا وجب على المواطنين الحذر ثم الحذر من هذه التحركات المشبوهة في المستقبل القريب، والصبر على الرئيس الجديد مهما كانت خلفيته السياسية والأيديولوجية، والانتظار لنهاية عهدته الرئاسية لمحاسبته إما إعطاؤه عهدة جديدة، أو اختيار شخصية جديدة، كما وجب على الإعلاميين والمواطنين سواء الترفع عن الانتقادات الشخصية، وأن يكون الانتقاد موضوعيًّا ومؤسسًا في إطار حرية التعبير، وعدم الانقياد وراء التوجهات والمواقف المشبوهة لبعض الجهات.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد