بعيدًا عن الجلد المنفوخ الذي يترامى هنا وهناك في الملاعب المصرية، وعن صافرة الحكام التي تصفر هدفًا حينًا ومخالفة حينًا آخر وغيرهما، وبعيدًا عن التنظيم والتوافد الجماهيري للملاعب وهلم جر من الأمور المتعلقة إجمالًا بالكأس الأفريقية المقامة مجرياتها حاليًا في أم الدنيا بتجمع 24 منتخبًا من بقاع القارة، تشكل المنتخبات العربية خمس المشاركين بها في ظل تواجد مصر، والجزائر، والمغرب، وتونس، وموريتانيا التي تشارك للمرة الأولى في المحفل القاري بعد تأهل تاريخي من التصفيات، والتي أخذت حصة الأسد إعلاميًا في الأيام الأخيرة عبر القنوات ببرامجها المتعددة، وأيضًا عبر المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس بسبب المشاركة التاريخية ولا لقاءات المنتخب ضمن المجموعة الخامسة، لكن بعد الذي جرى في حصة «مساء الأنوار» على قناة النيل المصرية والتي يقدمها الإعلامي المصري مدحت شلبي باستضافته لشابين موريتانيين متواجدين في مصر، وذلك بمناسبة مشاركة منتخب بلادهم في المحفل القاري.

مدحت شلبي الذي لم يحضر الحصة جيدًا، أو ربما لمحدودية ثقافته لم يكن يعرف أن موريتانيا دولة عربية يتحدث شعبها ذات اللغة وهو يسأل الشابين أين تعلماها وكيف يتحدثانها بطلاقة وهل تعلماها هنا أو هناك؟! في لحظات من الاستغراب لكليهما وهما الذين ظنا ربما أن بلدهما موريتانيا بلد المليون شاعر، أشهر من نار على علم وأن جهل البعض بها قد يكون من القلة القليلة فقط خاصة بين الشعوب العربية قبل أن يصطدما بصحفي كبير سنًا وله سيرة طويلة يجهل عروبة موريتانيا، إستغراب موريتاني من الشابين قابله آخر مصري من مدحت شلبي بعد السقطة الكبيرة، تلاه ردود أفعال كبيرة عربيًا بعد انتشار المقطع، بين لائم لمعد الحصة على الخطأ الكبير، وبين معتذر عن ذلك، في حين كان للتهكم النصيب الأوفر بين المعلقين، أما البعض في موريتانيا فلام الضعف الكبير لتسويق البلد خارجيًا والذي جعل البعض جاهلًا به حسبهم، في حين قال البعض الآخر أن جغرافية البلد وبعده وغيابه إعلاميًا تحول دائمًا دون شهرته مثل غيره.

الغرابة في الموضوع كله والذي بسببه حدثت كل هذه الجلبة، أن موريتانيا وشعبها دون غيرهم من الشعوب الأخرى هم الأقرب للغة العربية فهم أكثر من يستعملها من الصغير إلى الكبير، فلا تستغرب مثلا لو وجدت الناس في الشارع يتحدثون بها دون اللهجات الأخرى، وإن وجدت اللهجة فهي أقرب للغة العربية من غيرها، في حين يسافر ويحج كثيرون للبلد طلبًا للعلم ولتعلم لغة الضاد جيدًا وعلى أصولها كما يقال على يد كبار الأساتذة هناك.

الأكيد أيضًا أن مدحت شلبي لم يمر على أذنه يومًا صوت ببضع كلمات يقول أن  «موريتانيا بلد المليون شاعر» وأنهم يتنفسون الشعر وأكثر الناس إجادة لنظم الأبيات وأكثرهم تأليفًا، وروايةً، وتداولًا للشعر بينهم، ومن بين الأفصح في تمثيل وتركيب الصور الفنية ضمن البيت الشعري، وأروعهم في الاستشهاد بالأبيات الشعرية في جميع جوانب حياتهم المُختلفة. حيث أبدع النُقّاد في وصف هذه العلاقة الفريدة من نوعها، فهي كالخبز الذي يوضع على الموائد ويأكلونه يوميًا وعن ذلك قال أحد النقاد «الشعر خبز جوهري لأبناء شنقيط، يأكلون منه ولا يشبعون، وينهلون من نبعه ولا يرتوون، فهم والشاعرية توأم وجود، تحّدرت معهم من أصلاب جدودهم، وعايشتهم في طفولتهم وشبابهم ورجولتهم واكتهالهم، فأنى لهم أن يتّقبلوا الحياة دون قافية تُدندن، الشعر هو كيمياء السعادة لدى كل فرد موريتاني، وفاعل المُعجزات في نفسه».

بالإضافة إلى الاعتذار الذي تلى الحصة في العدد الذي بعدها، حري بمدحت شلبي قطع تذكرة سفر إلى موريتانيا في أقرب وقت ممكن، ولتكن الرحلة الأولى بعد الكأس الأفريقية مثلًا، لتكون زيارة ليست بالقصيرة والأجمل أن تكون طويلة جدًا، يتعرف من خلالها على البلد وخباياه أحسن معرفة، وينهل فيها من فيض علم الشناقطة الكثير، علم يأخذه بلسان عربي فصيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد