إلى أي مدى يعتبر الإعلام مسؤولًا عن خلق الانحياز المسبق في عقل ووجدان المشاهد أو القارئ؟

ربما يكون تفسير الانحيازات المسبقة لدى المشاهد والقارئ بناءً على جهود الإعلام المبذولة في سبيل ذلك أمرًا معقدًا. فالتساؤل عن مسببات الانحياز المسبق وفق هذه العلاقة يخلق حيرة بين حقيقتين:

  • يعمل الإعلام وفق خطة مدروسة جيدًا على خلق الانحيازات المسبقة في وعي المشاهد والقارئ. ربما يسمي البعض هذه العملية بـ«غسيل المخ». ونتائج جهود الإعلام في هذا الشأن يشهد لها القاصي والداني.
  • يقبل المشاهد والقارئ على وسائل الإعلام التي توافق انحيازاته وتؤكدها وتدعمها. فالمشاهد أو القارئ ينتقي من وسائل الإعلام ما يقدم له ما يريد من آراء وتوجهات، ويتجنب تلك التي تقدم مضمونًا لا يتفق مع أيديولوجيته.

كلاهما صحيح وكلاهما عليه شواهد. فنجد أنفسنا أمام طرفين مشتركين في الذنب. الإعلام مذنب نعم لكن المشاهد أو القارئ ليس ضحية وليس بريئًا صرفًا بل هو مذنب أيضًا بلا شك. يبقى أمامنا الآن أن نناقش مدى مسؤولية كل منهما.

الغالبية العظمى من المشاهدين والقراء وضيوف وسائل التواصل الاجتماعي من الأساس يتجهون إلى متابعة وسائل الإعلام التي تؤيد وتدعم توجهاتهم وأيديولوجياتهم وتنحاز إلى نفس انحيازاتهم المسبقة. يقبلون على وسائل الإعلام التي تبث عليهم ما يريدون سماعه وما يسعدهم سماعه، لا ما يقنعهم أكثر أو يتمتع بمصداقية أكبر أو أشد احترافية. فليس المشاهد أو القارئ متابعًا لوسائل الإعلام على مقعد الحياد والإنصاف في الأصل.

المشاهد له انحيازاته ويتلقى المحتوى الإعلامي بانتقائية إرادية بحتة. هل يصدق عاقل أن عددًا قليلًا من الإعلاميين يستطيعون تضليل ملايين الناس ويستغفلونهم فيغيرون قناعاتهم بيم يوم وليلة؟ وهل تغيير القناعات بهذه السهولة؟

إذا أمعنا النظر سنكتشف بسهولة أن المتابعين لهؤلاء الإعلاميين قليلي العدد يتابعونهم ويصدقونهم ويتلقون عنهم، لأنهم اختاروا من البداية أن يتلقوا عنهم لأنهم يتشابهون معهم فى سلوكياتهم وتوجهاتهم وأفكارهم ومواقفهم بشكل عام «الطيور على أشكالها تقع». وهم في نفس الآن يرفضون مشاهدة القنوات التي تخالف انحيازاتهم فيرفضونها ويسبونها ويلعنونها ويصمون آذانهم ويغمضون أعينهم عما تبثه. وهم حين يفعلون ذلك يفعلونه ليس أبدًا لقناعتهم أنها كاذبة أو مضللة ولكن الحقيقة وراء مقاطعتهم ومحاربتهم إياها هي فقط أنها تبث ما لا يعجبهم من أفكار وأطروحات.

ربما يدلل على ما نقول موقف جموع المصريين من طرفين متناقضين من وسائل الإعلام في خلال فترة وجيزة من الزمن. خلال عامين ونصف بدءًا من الخامس والعشرين من يناير 2011م وحتى الثلاثين من يونيو 2013م تناقضت مواقف المشاهدين تناقضًا تامًا مع نفس النوعية من القنوات، رغم ثبات القنوات على أيديولوجياتها. لتوضيح ذلك نضرب المثال بقناة الجزيرة من ناحية ومجموعة إعلاميي النظام القديم والدولة العميقة من ناحية أخرى:

  • بينما كان الجو العام يدعم الخيار الثوري ضد النظام القديم، ارتفعت موجة مشاهدة قناة الجزيرة وتأييدها ومتابعتها والظهور على شاشاتها والتواصل معها والمشاركة في فعالياتها الإعلامية. في نفس الوقت الذي ساد فيه بغض إعلاميي النظام حتى امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب بأعمال فضحهم والسخرية منهم وكشف تأييدهم لكل نظام على حساب الإرادة الشعبية.
  • تحول الجو العام من تأييد الخيار الثوري إلى تأييد النظام القديم والدولة العميقة، وتجريم الثورة وتوابعها، وانطلقت الحرب على رموز وأيقونات الثورة حى صاروا كلهم وراء الأسوار. في هذا الجو العام تحول نفس الشعب إلى تجريم قناة الجزيرة وتخوينها ومقاطعتها. في الوقت نفسه اتسعت رقعة التأييد والمتابعة لنفس الإعلاميين الذين كانوا رهن السخرية والرفض من قبل.

يظهر بجلاء في هذا التحول الغريب ثبات قناة الجزيرة على موقفها الداعم للخيار الثوري. فماذا حدث؟ ما هو تفسير المشاهدين لانقلابهم عليها؟ التفسير الظاهر الوحيد هو تغيير الشعب نفسه لخياره وتوجهه. وبناء على تغيير القناعة تم تغيير القنوات التي تدعم القناعة. بمعنى أن الشعب شاهد الجزيرة حين كانت تبث عليه ما يحب وهو الخيار الثوري.

فلما غير الشعب قناعته غير إعلامييه فانتقى الإعلاميين الذين يبثون عليه ما يريد وهو خيار الانقلاب على الثورة. إذن لم يكن تأييد الجزيرة من البداية مبنيًا على الاعتقاد بمصداقيتها وحياديتها ومهنيتها واحترافيتها، بل كان فقط لأنها كانت تؤيد الانحيازات المسبقة. فلما اختلفت الانحيازات صارت كاذبة ومضللة وعميلة ومخربة وعدوة الشعب رغم أنها هي هي لم تتغير ولم تبدل مواقفها.

ربما نخلص من هذا المثال إلى أن المشاهد ليس مجرد ضحية بين يدي الإعلام يغير قناعاته ويخلق انحيازاته بسهولة. لكنه مشارك بقدر كبير جدًا في هذه العملية بدليل إقباله على وسائل الإعلام التي تؤيد مزاجه حتى إذا تغير مزاجه أقبل على وسائل إعلامية مناقضة تمامًا، فقط لأنها تدعم مزاجه الجديد.

بالتأكيد توجد وسائل إعلام كاذبة مضللة موجهة تفتقر إلى المهنية بينما توجد أخرى تراعى المصداقية والحيادية والشفافية والأمانة بقدر الإمكان. وبالتأكيد يوجد مشاهدون موضوعيون عقلانيون يبحثون عن الحقيقة ويتحرون الدقة حتى لو كان عددهم قليلًا. هذا للإنصاف فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد