حين تحدثنا عن كون المشاهد مشاركًا في تغيير الانحيازات المسبقة لم نكن نسعى لتبرئة الإعلام من ذلك بالتأكيد. لكننا فقط كنا نضع النقاط على الحروف؛ حتى لا ينظر إلى المشاهد نظرة الضحية البريئة وإلقاء اللوم كاملًا على الإعلام وحده. والإعلام له دور رئيس بلا شك في تغيير القناعات وخلق الانحيازات في وعي ووجدان المشاهدين والمتابعين. ومن نافلة القول هنا أن الإعلام هو في مكانه هنا أداة يستخدمها أصحاب المال والسلطان الذين يملكون قياد تلك الأذرع الإعلامية الممتدة طولًا وعرضًا وعمقًا في المجتمع. وحتى تحقق الأداة الإعلامية المراد منها في تشكيل وتوجيه العقل الجمعي أو الرأي العام فإنها تتبع وسائل وطرقًا وفق خطة مرسومة المعالم. ومن تلك الوسائل والإستراتيجيات:

إستراتيجية الإغراق بالتكرار:

يستهدف الإعلام فكرة أو خبرًا يريد المشاهدين أو المتابعين أن يتبنوه تمامًا، فيظل يعيدها ويكررها باستمرار. وينوع الإعلام وسائل التكرار من خلال البرامج والإعلانات والأفلام والمسلسلات واللقاءات والتقارير وغيرها. يجد المشاهد أو المتابع نفسه محاصرًا بطوفان من الفكرة نفسها أو الخبر نفسه. يضطر المشاهد أو المتابع أن يصدق حتى لو كان كل ذلك كذبًا محضًا.

والأمثلة على تلك الإستراتيجية لا حصر لها. تجد الإعلام يعلم تمام العلم أكذوبة «جهاد النكاح» بين صفوف المعتصمين في أزمة منتصف 2013م. حتى إنها أكذوبة لا ترقى للتصديق من أي عاقل. لكن إستراتيجية التكرار بطوفان من التصريحات والأخبار والمقابلات والدعايات نجح في غرسها أو على الأقل الاستعداد لقبولها.

وحتى يبدو الإعلام ظاهرًا بالمهنية فإنه ينفي الكذبة التي يراد لها الترويج مرة أو مرتين بين ثنايا الحوارات أو التصريحات. لكنه بكل خبث يعلن ذلك مرةً مقابل آلاف المرات لتكرار الكذبة. فينسى الناس تكذيب الكذبة، ويتذكر فقط ما تم التركيز على تكراره مرارًا وتكرارًا على مسامعه. ومثال إشاعة «بيع الأهرامات» مثال واضح لهذه الإستراتيجية.

إستراتيجية استخدام الرموز:

يدرك الإعلام تمامًا مكانة الرموز في قلوب المشاهدين والمتابعين ويستغل ميل الجماهير إلى متابعة الرموز وتقليدهم، والتشبه بهم فيستخدم هؤلاء الرموز في ترسيخ المعاني وغرس التوجهات وإثبات صحة الأخبار والأفكار التي يستهدفها حتى لو كانت كلها زائفة أو مضللة. لكن الرموز لهم أثر السحر في تغيير قناعات الجمهور.

الأصل طبعًا أن الرموز المعنيين بمناقشة أمور العامة وأوضاع الدولة السياسية والاقتصادية، وغيرها يجب أن يكونوا رجالات العلم المتخصصين والمؤهلين لتلك المهمة. لكن الواقع المرير لا يتعامل مع الأمور بوضعها في نصابها؛ لذا نجد الرموز الذين يتكلمون في أمور العامة وشؤون الدولة هم الرموز الفنية والرياضية على الأغلب. وبما أنهم غير متخصصين ويجهلون تمامًا ما يتحدثون عنه خارج اختصاصاتهم الفنية أو الرياضية، فإنهم بلا شك يفسدون ولا يصلحون.

وربما لذلك يصدق فيهم حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن أبي هريرة رضي الله عنه: سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة. (زيادات الجامع الصغير للسيوطي) حتى إن هذه ظاهرة ربما تدل على اقتراب الساعة كما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله لما سئل عن الساعة أجاب قائلًا: فإذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. ومن توسيد الأمر إلى غير أهله بالتأكيد أن يتكلم الرويبضة، فيتحدثون في عظائم الأمور بغير علم وهذا ما يفعله الإعلام تمامًا.

ويستخدم الإعلام كلا النوعين من الرموز: الرموز المتخصصة (والذين يكونون موجهين إلى تبني الرأي المستهدف) والرموز غير المتخصصة الذين يعدون أداة طيعة في يد الإعلام لغرس ما يشاء من مفاهيم ومشاعر.

إستراتيجية اختلاق أزمة ثم توفير حل مخططٍ له سلفًا:

إستراتيجية فعالة جدًا وهي (المشكلة – التفاعل – الحل). وتؤتي هذه الإستراتيجية أكلها بكل كفاءة. يستهل الإعلام الإستراتيجية باختلاق أزمة أو مشكلة أي أنها مفتعلة عمدًا. والغرض الأساس من افتعال تلك الأزمة هو دفع الناس إلى المعاناة من جراء الأزمة وبناءً على ذلك حثهم على البحث عن حل لوضع حد لتلك المعاناة، أو طلبها ممن يكون بيده الأمر. فيكون الناس عند توفير الحل على أتم استعداد لإبداء الشكر والامتنان لصاحب الفضل في القضاء على الأزمة مما يغرس الولاء والانتماء طواعيةً له فيما بعد.

والأمر الخبيث وراء تلك الإستراتيجية أن الحل غالبًا ما يكون مشروطًا بقبول الناس تنازلات من نوعٍ ما، يكون النظام خلف الإعلام قد خطط لها من قبل. قد تكون تلك التنازلات مثل القبول للحد من الحقوق الاجتماعية أو تخفيض مستوى الخدمات العامة أو التغاضي عن فرض قانون ما كان قد رفضه من قبل من باب قبول الشر الذي «لا بد منه». وخير مثال على ذلك السماح بانتشار العنف في منطقة حيوية ومهمة؛ فتصبح القوانين التي تخص الأمن العام العام مطلبًا جماهيريًّا، حتى لو كانت حلى حساب الحريات والحقوق العامة. لتجد حينها دعمًا شعبيًّا للإجراءات القمعية دعمًا يثير العجب. لكن عجبك يزول تمامًا إذا كنت مدركًا لفلسفة تلك الإستراتيجية: المشكلة – التفاعل – الحل.

إستراتيجية إثارة الغرائز وإشعال الشهوات:

وتعد إستراتيجية إثارة الغرائز الطبيعية بإشعال نار الشهوات لدى جمهور المشاهدين، والمتابعين أحد أشد وأخطر الإستراتيجيات أثرًا وفعالية. أولًا لأنها إستراتيجية غير أخلاقية ومنافية للمروءة. وثانيًا لأنها تخلق مجتمعًا هشًا منشغلًا بشهواته، ومثل هذا المجتمع لا يصلح أن يكون مجتمعًا راقيًا منتجًا مبدعًا، مما يؤدي في النهاية إلى أمةٍ أكثر ضعفًا ووهنًا مما هي عليه.

عندما يهتم المواطن بغرائزه وشهواته فإنه يكون منشغلًا عما يحاك حوله من مؤامرات مختلفة. يصبح منشغلًا عن مناصرة الحق ومناهضة الفساد. بل يصير منشغلًا عن قضايا المجتمع المحيط به، وربما تجده غافلًا عن مجريات الأحداث نفسها. فعندما يجد نفسه جاهلًا بتفاصيل الأحداث مغيبًا عن كواليسها يستسلم تمامًا لأول موجه لفكره ورأيه والذي غالبًا ما يكون الإعلام الذي يدس له أفكاره واتجاهاته داخل الأعمال الفنية والدرامية والإعلانات بينها، والبرامج الحوارية التي ربما يتابع بعضها إما غالبًا أو مؤقتًا، حين يجد نفسه مرغمًا على إبداء رأيه في قضيةٍ ما.

وإشغال المشاهدين والمتابعين وإلهاؤهم حتى لا يتفرغوا لمتابعة الشأن العام هي إستراتيجية ثابتة في خطة تشغيل كل مستبد ظالم، يستغل حاجة الناس إلى الترفيه، فيقوم بإغراق وسائل الإعلام بالأفلام والمسلسلات والبرامج الترفيهية. ويركز على مخاطبة الشهوات وتلبيتها جزئيًّا عبر الأعمال السينمائية غير النظيفة والإيحاءات الجنسية قولًا وفعلًا، وربما يتمادى في غيه فينشر القنوات ذات الثقافة الإباحية دون تشفير لتكون متاحة أمام الجميع «وهذا واقع وليس افتراضًا».

إستراتيجية القطيع «الشعبوية»:

لماذا تنتشر في بلادنا ظاهرة النظر إلى المعارضين على أنهم قلة مندسة تعرض مستقبل الوطن للأخطار؟ لماذا يميل جماهير الناس لدينا إلى قبول فكرة تجريم وتخوين المعارضة وتصديق كونهم عملاء لأعداء البلد ببساطة؟ لماذا يخشى عموم الناس من مصطلح «المعارضة» ويسعون إلى التبرؤ منه في كل مناسبة؟ لماذا يخشى عموم الناس من حيازة مجلات أو كتب لمعارضي النظام الحاكم ناهيك عن قرائتها؟ أسئلة كثيرة في هذه المعاني تكمن إجابتها بوضوح في فهم إستراتيجية «القطيع».

ينتهج أهل الحكم والسلطان دائمًا إلى تصوير أنفسهم معشوقي الجماهير وأيقونات العدل وحماة حمى الدين والوطن. ويحرصون دائمًا على إضفاء صفة الإجماع الشعبي على مواقفهم وقراراتهم السياسية. يستغلون لذلك طبعًا أذرعهم الإعلامية. فتسود المجتمع حالة من التوافق بين الشعب والحاكم وهي بالتأكيد حالة وهمية مصطنعة يروج لها الإعلام ويسخر لها إمكانياته.

وبناءً على تلك الصورة المزيفة يكون وضع المعارضين لنظام الحكم شديد الحرج فهو يمثل هنا حالة نشاز وشذوذ عن الإجماع الشعبي. يضطر حينها رجال المعارضة إلى السكوت والتواري عن الأنظار بقدر الإمكان خوفًا من مخالفة النمط أو النسق السائد، فيمثلون «أقلية صامتة» مقابل أغلبية جريئة بحكم عدم خشيتها من أي عاقبة.

يقوم الإعلام تدريجيًّا بتحويل هذا النمط أو النسق السائد إلى حالة فاشية يتم تصنيف الناس وفقًا لها. في هذه الحالة الفاشية يتم تصوير السلطة بأنها تمثل الوطن والدين ليكون المساند للسلطة في هذا الوقت هو المواطن الصالح الذي يفهم دينه فهمًا صحيحًا، ويخلص لوطنه إخلاصًا واضحًا. ويصير ساعتها كل معارض ضد الدين الصحيح وخطرًا على الوطن الحبيب وخصمًا للشعب كله.

يسعى الإعلام إلى ربط حماية الدين والوطن بوجود السلطة. هذه السلطة بالتحديد. ويحذر بالطبع من صعود المعارضين إلى السلطة بتصويرهم غير قادرين على إدارة الدولة من ناحية، وأنهم يسعون إلى تشويه الدين وتخريب الوطن من ناحية أخرى. فتترسخ لدى الجمهور عقيدة مفادها أن مساندة النظام الحاكم واجب ديني ووطني. وتزداد أهمية هذه الإستراتيجية في مواسم الانتخابات والمواقف السياسية التي تثير خلافًا بين أهل التخصص، ويهم النظام بشكل خاص أن يمرر موقفه وقراره فيحتاج بناءً على ذلك إلى دعم شعبي جارف يواجه به خصومه السياسيين ومعارضيه من السياسيين والمفكرين وأهل العلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد