إستراتيجية القولبة والتنميط والتأطير:

ما أول صورة تتبادر إلى الذهن حين نذكر المعلم، أو المأذون، أو المتدين، أو المعارض، أو الطبيب النفسي، أو الصعيدي، أو السيناوي، أو حتى كفار قريش؟ ربما يتفق معي القارئ أن أول صورة سوف تتبادر إلى ذهنه عن المعلم هي صورة «نجيب الريحاني» المعلم الذي يعاني الفقر والمذلة، أو «فؤاد المهندس» الذي يتسم بمظهر مزرٍ من الفقر أيضًا ثم حديثًا صورة المعلم المستغل لظروف الناس والمتاجر بالعلم ومدمن الدروس الخصوصية، وصاحب مراكز الدروس الخصوصية الذي يكسب أضعاف ما يكسبه وزير التعليم أو رجل الأعمال.

المأذون هذا الرجل المهرج المضحك الذي يتحدث بالعربية الفصحى بين العوام بطريقة تثير السخرية. المتدين هذا الرجل أجش الصوت كثيف اللحية، خبيث نظرة العينين الذي يحرم على الناس عيشهم، بينما يحل لنفسه ما يشاء، بل كثيرًا ما يستغل تدينه الظاهر في خداع الناس والاحتيال عليهم والنصب وكسب أموالهم بالباطل، إضافة إلى العامل المشترك الدائم وهو تكفير غيره من المخالفين له. المعارض هذا الرجل الذي يسعى إلى التكسب من وراء معارضته، أو محب الظهور، أو المعارض عن عقدة نفسية أو مشكلة شخصية، وغالبًا ما يكون أميل إلى التعاون مع أعداء الوطن من أجل تحقيق غايته. الطبيب النفسي هذا الطبيب المجنون في حد ذاته ويتأثر بمرضاه ويرث أمراضهم العقلية والنفسية بشكل كوميدي. الصعيدي هذا الرجل البسيط في لباسه، الساذج في تفكيره، الأحمق في أفعاله المثير لسخرية وضحك من حوله عليه، وربما متحجر الفكر على الأخذ بالثأر وتفضيل البنين على البنات. السيناوي هذا الرجل البدوي حامل السلاح وعضو الجماعات التكفيرية. حتى كفار قريش كل منهم قبيح المنظر كأن القبح الظاهري من سمات الكفر.

ليس دائمًا نعم، لكن أليست هذه هي أول صورة تتبادر إلى الذهن حين ذكر هؤلاء؟ ما السبب وراء ذلك الاستدعاء لتلك الصور تحديدًا؟ من يقف خلف ترسيخ تلك الصور في الأذهان بهذا الشكل الجمعي شبه المجمع عليه؟ إنه الإعلام بالدرجة الأولى وربما الوحيدة. لكن كيف يفعل الإعلام هذا؟ وكيف ينجح فيه إلى تلك الدرجة؟

يستخدم الإعلام لتحقيق هذا النجاح منقطع النظير إستراتيجية في غاية الخطورة تسمى: القولبة أو التنميط أو التأطير. وتعني القولبة تسكين الناس والأحداث والمفاهيم والمعاني في قوالب شبه ثابتة، وتكرار عرض تلك القوالب بشكل ممنهج يطغى على كل وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها. يتعرض جمهور الناس إلى تلك القوالب بشكل مستمر ومتكرر حتى يصل إلى مرحلة استدعاء القالب فور ذكره ذهنيًّا، وتسمى هذه العملية الفكرية بعملية «الارتباط الشرطي». ويتعامل المشاهد على أرض الواقع مع أصحاب القوالب بالطريقة التي تم عرضها في الأعمال الفنية عبر العصور. وهذه القوالب مصنوعة بشكل مخطط ومدروس ومتعمد فيه تشويه صورة صاحب القالب بما يخدم أهداف أصحاب خيوط تحريك الأذرع الإعلامية. وينجح الإعلام عبر هذه الإستراتيجية في ترويج أفكار فاشية وعنصرية ضد فئات اجتماعية بعينها؛ مما يعد ظلمًا وفجورًا وهدمًا صريحًا للبنية المجتمعية.

إستراتيجية الفزاعة «تحفيز مشاعر الخوف والذعر لدى الجمهور»:

وتعني إستراتيجية الفزاعة وضْعُ الناس في حالة من الخوف والقلق والذعر الدائم من جهة أو شخص أو فكرة، أو احتمالية وقوع حدث معين. دائمًا ما يكون مثير الفزع هذا على مستوى عالٍ من الخطر بحيث يكون مجرد التلويح به كفيلًا بتمرير أي فكرة إلى عقولهم حتى وإن بدت هذه الفكرة لا منطقية ولا عقلانية.

والفزاعة تعمل عمل السحر في إلغاء كل مقاومة عقلية حيث تشكل ضغطًا قويًّا على عاطفة ووجدان الجمهور فيفقد القدرة على التفكير بعقلانية. ساعتها يتكون لديه استعداد لتقبل كمية الكذب والمبالغات والافتراءات التي يتم إلقاؤها في عقله عبر وسائل الإعلام دون أن يبدي مقاومة تذكر.

وتعد إستراتيجية الفزاعة إحدى أنجح الوسائل التي يسيطر بها النظام المستبد على مقاليد البلاد والعباد. فجعبته تذخر بأنواع التهديدات والأخطار التي تتربص بالوطن والدين والشعب. فزاعة العدو الخارجي الطامع في الوطن، وفزاعة الإرهاب الذي يهدد الأمن العام والخاص، وفزاعة الانهيار الاقتصادي الذي يخطط له أعداء الوطن، كلها فزاعات تضمن للنظام انقياد الجماهير له لأنه حامي الحمى وقاهر المخاطر، والساهر على مصالح الناس.

باستغلال فزاعة العدو الخارجي الطامع في الوطن والمتربص به تم تدمير اليمن. وباستغلال فزاعة الإرهاب وتحت الشعار البراق «الحرب على الإرهاب» تم غزو واحتلال أفغانستان والعراق وتدميرهما، وتمت عمليات إبادة جماعية في سوريا، وأزيلت قرى من على وجه الأرض في سيناء. وباستغلال فزاعة الانهيار الاقتصادي تم فرض الضرائب والرسوم على كل شيء عدا الهواء في مصر، حتى وصل الأمر إلى فرض الضرائب على البيت السكني الذي بناه الفقير عبر سنوات من الكفاح وربما الغرق في بئر الديون المظلم.

إستراتيجية تشويه الرموز:

لما كانت معركة كفار قريش ضد معالم الدين الجديد محكومًا عليها بالفشل قبل أن تبدأ فقد لجأ الكفار إلى تشويه «الشخص» الذي يحمل أمانة نشر الدين وهي المهمة الأسهل من ناحية، والأضمن قوة وتأثيرًا من ناحية أخرى. فسعى المشركون إلى تشويه «الرمز» لا «الأيديولوجية» تشويه «الرسول» لا «الدين». فكانت محاولات إطلاق الشائعات والأكاذيب والافتراءات على شخصه الكريم اعتقادًا أنهم إذا نجحوا في تلك المهمة فإن الدين سيسقط إذا سقط حامله والداعي إليه بلا شك. ولم تكن تلك الإستراتيجية اختراعًا قرشيًّا مكيًّا، وإنما كان إرثًا قديمًا تواصى به كل صاد عن سبيل الله وكل محارب لرسالات السماء أمة بعد أمة.

ورث تلك الإستراتيجية الخبيثة كل ظالم مستبد هش البناء الفكري، مفرغ اليدين من وسائل الإصلاح. ولأن هدم الفكرة يستغرق وقتًا طويلًا لا يصبر عليه المفسدون فقد انتهجوا نهج تشويه أصحاب وحاملي الفكرة، وهي المهمة السهلة حيث يبدع الاستبداد في الكذب والافتراء ويملك أقوى آليات تنفيذ هذا المخطط، وهو النظام الإعلامي بكل مقدراته.

يقوم النظام المستبد بتشويه صورة صاحب الفكر الحر عبر مسارات متنوعة. منها تلفيق اتهامات جنائية أو اتهامات تخل بالشرف أو الأمانة. ومنها بث البرامج التي تسخر من هيئة الرمز أو لباسه أو طريقة كلامه أو ألفاظه، أو حتى حركته مشيًا وجلوسًا. ومنها استغلال علماء السلطان الذين يتاجرون بعلمهم ويخونون أمانة العلم فيطوعون علمهم لتشويه صورة الرمز كما فعل بعض علماء النفس في تحليل شخصية الأستاذ الدكتور محمد مرسي، رحمه الله، وكما فعل مشايخ ودعاة النظام في تشويه صورة المعارضين والإفتاء بحل دمائهم وتبرير قتلهم. ومنها تلفيق تهم خيانة عظمى استدرارًا لسخط الشعب لمجرد ذكر التهمة رغم عدم امتلاك دليل واحد على تلك التهم.

يضمن هذا الطوفان من أساليب التشويه لصور الرموز وأد أي فرصة لمناقشة الأفكار أو المبادئ أو البرامج الإصلاحية أو الإنجازات الواقعية على الأرض. هذا لأن الفكرة تختفي أمام أعين الناس باختفاء صورة صاحبها. في الوقت نفسه يحرص الإعلام على تزييف صورة النظام ليقارن الجمهور بين صورة مشوهة وأخرى مزيفة مزينة، فينبهر بالزيف وينفر من القبح «المختلق عن عمد».

إستراتيجية تزييف التاريخ:

كم من الحقائق والأحداث التاريخية التي تم تزييفها وتزويرها! الكثير من أحداث التاريخ تم تزييفها أولًا في المرحلة الأولى من تسجيلها حيث يكتب المنتصر التاريخ. ولأنه المنتصر فإنه يشوه صورة المهزوم ويزيف الحقائق حوله بينما المهزوم لا يملك فرصة الدفاع عن نفسه. يشهد بهذا أكثر من دليل من التاريخ نفسه لكن الشاهد الأقوى دلالة عندنا هو ما نشاهده اليوم من تسجيل التاريخ الحديث الذي دارت وما زالت أحداثه تدور من حولنا.

يتعلم الطلاب الآن في المدارس نسخة من الأحداث بالرواية التي يريد لها النظام الحاكم أن تسجل في التاريخ. في الوقت نفسه الذي هؤلاء الذين تم تشويه صورهم والكذب بشأنهم وتلفيق التهم لهم لا يملكون أداة الدفاع عن أنفسهم، فهم بين قتيل أو معتقل أو مطارد أو مكمم الفاه ومحتجز جبريًّا في مسكنه. وربما تمر السنون وتستقر كتب التاريخ على هذه الافتراءات فتصبح تاريخًا فيما بعد ويجد المخلصون الصعوبات ويعانون التحديات حتى يثبتوا زيف التاريخ الذي سجله المنتصر بيده خلافًا للحقيقة.

والشكل الثاني من تزييف التاريخ يتم عن طريق التدليس في النقل والكذب في الاقتباس. ولأن معظم الشعب يجهل تمامًا التاريخ وأحداثه فهو على استعداد تام لقبول ما يبثه الإعلام الرسمي. ويعلم الإعلام ذلك ويلعب على هذا الوتر ويجتهد. وتقع الطامة الكبرى حين يصبح الإعلام المصدر الرئيس لتلقي العامة علم التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد