إستراتيجية تطويع اللغة لتكون مخادعة ومضللة:

يلجأ الإعلام إلى الخدع اللفظية والمراوغة في استخدام اللغة لتحقق المعاني والمفاهيم التي يستهدفها، مغيرًا ومبدلًا الحقائق ومشوهًا المفاهيم. وربما يكون ضمن هذه الأساليب الخداعية:

أسلوب التمويه:

والتمويه هو تحسين للقبيح حتى يتم قبوله جماهيريًّا بسهولة ويسر. فترى السياسيين مثلاً يخشون مواجهة الجمهور بالحقائق المخزية التي لا تبرير معقول يمكن أن يقدم له. فيغيرون الأسماء باستخدام مصطلحات جميلة يجملون بها صورة القبح المعتزم القيام به.

لن يقبل الشعب مثلًا الصلح مع أعداء الوطن خاصة إذا كان هؤلاء الأعداء من النوع الذي لا يحفظ عهدًا ولا يصدق في وعد كالصهاينة. فيكون تحسين القبيح هنا هو الحل الأمثل حيث يقبل الشعب بالطبع «مبادرة أو معاهدة السلام» أو «سلام الأقوياء» أو «سلام الشجعان» أو «السلام بشرف» أو «السلام من موقع القوة». يمر التصالح مع العدو والتعاون معه ومنح الصلاحيات له بسهولة حين يكون كل ذلك تحت عناوين براقة مقبولة مجتمعيًّا.

يتم تشكيل كيان رافض للمسار الديمقراطي ومرتد عن الحرية ومفرط في أهداف ثورة 25 يناير وغير معترف بنتائج الانتخابات وكلمة الصندوق. كل هذه الصفات كفيلة بالرفض المجتمعي بلا شك من أول وهلة. لكن تسمية الكيان بـ«جبهة الإنقاذ» كفيل بإثارة التعاطف الجماهيري، خاصة إذا كان هدف الجبهة هو إسقاط «حكم المرشد» لا «حكم الرئيس المنتخب» وكانت توجهات الجبهة ضد «أخونة الدولة» لا ضد دولة يمثل وزراء الحزب الفائز في الانتخابات فيها أربعة وزراء فقط من أصل أكثر من 30 وزيرًا كلهم من خارج حزب الرئيس المنتخب وصاحب الأغلبية في البرلمان.

وتسمية «الانقلاب العسكري متكامل الأركان» بـ«الثورة» ضمان لتمريره بدعم وتأييد شعبي خالص. وتسمية الهزيمة المنكرة في حرب فلسطين 1948م بالـ«نكبة» تخفيف من وقع لفظ الهزيمة على الآذان لكنه تشويه للحقيقة بالتأكيد. كذا الأمر كان في إطلاق اسم «النكسة» على هزيمة يونيو (حزيران) 1967م. بينما تم تدمير سلاح الطيران المصري «على الأرض قبل أن يتحرك» وتم احتلال سيناء والجولان كانت التسمية«النكسة» والتي تعني «الكبوة المؤقتة» مما يعد تضليلًا تامًا وتحسينًا لقبح الهزيمة.

وتغيير اسم «وزارة الحربية» إلى «وزارة الدفاع» يؤهل المواطن إلى تقبل دور الوزارة في «الدفاع» فقط لا الحرب من أجل التحرير مثلًا. والتلطيف من أسماء الجرائم والاعتداءات ييسر تمريرها وقبولها بل ربما تأييدها كذلك. كأن يكون الهجوم الهمجي الوحشي على جنوب لبنان تحت اسم «سلام الجليل» فتكون حربًا مبررة لأنها تسعى إلى «السلام والدفاع عن النفس». ويكون غزو واحتلال وتدمير أفغانستان تحت اسم «العدالة المطلقة» وأينا يرفض أو يستهجن العدالة المطلقة؟ ويكون استهداف العراق بالاحتلال وإشاعة الدمار والخراب الشامل تحت اسم «تحرير العراق» فتهفو النفوس وتتطلع الأعين إلى نجاح «التحرير» المزعوم.

قتل المدنيين الأبرياء لا يمكن قبوله من قبل أي شعب وأي ملة لكنه إذا صار تحت اسم «ضرر مواكب» فتكون المسامحة والعفو عن «الضرر» بديهية. والقنابل التي هي آلة قتل مجردة هي «قنابل ذكية» حتى إن عملية تدمير الدفاعات العراقية كاملة تسمى عملية «تقشير البصل» وهو اسم لا يمت إلى الحرب والقتل والتدمير بصلة، فلا يستفز المشاعر ولا يثير الشجب أو الاستنكار.

وفي المجال الاقتصادي كذلك تبرز أهمية التمويه اللغوي واللعب بالألفاظ لتمرير المصائب. فيكون «رفع أسعار السلع والخدمات» تحت اسم «تحريك الأسعار» والتحريك تضليل واضح لمعنى الرفع والزيادة بلا شك. وإذا ما أرادت الدولة بيع الشركات والمصانع الكبرى التي تمثل دعم وسند وقوة الاقتصاد القومي لأجانب لا ينتمون إلى الوطن فسوف يواجهون معارضة شعبية جارفة بالتأكيد. لكن تسمية هذه الجريمة بـ«تحرير الاقتصاد» توحي بمعنى إيجابي حيث لفظ «تحرير» مقبول ومحبب إلى النفس بينما لفظ «بيع» يؤكد معنى خيانة الأمانة.

كذا يفعل معنى رفع الدعم» فعله في نفوس الناس فيتم إعلان شعار «ضمان توصيل الدعم إلى مستحقي» فتصبح عملية رفع الدعم تدريجيًّا مقبولة ومرحبًا بها لأنها في زعم صاحب القرار سوف تؤدي في النهاية إلى العدالة في توزيع الدعم. ولأن الاعتراف بهول عدد الفقراء واتساع رقعة شريحتهم المجتمعية يستهدف التضليل من خلال تسميتهم بـ«محدودي الدخل» والذي هو تعبير مخفف لكلمة «الفقراء».

كل هذه الأمثلة وغيرها الكثير والكثير ينجح الإعلام في تضليل الجماهير فيها بسلاسة ويسر ويعود الفضل كله لانتهاج أسلوب «التمويه اللغوي». ولهذا السبب كان من الضروري جدًّا الانتباه واستحضار العقل والوعي أثناء تلقي أخبار الإعلام وادعاءاته عبر برامجه المتنوعة، وإلا سوف نكون ضحايا التمويه اللغوي وتنقلب أمامنا الحقائق وتشوه المعاني تمامًا.

أسلوب الإطراء:

وأسلوب الإطراء والمدح المبالغ فيه واستخدام تعبيرات التفضيل يستخدمه الإعلام إما لتحسين ما لا يستحق، وإما المبالغة في المدح بما لا يستحق أيضًا، وفي كلا الحالتين فإنه باستخدام الإطراء يخدع المشاهد. ويميل السياسيون إلى استخدام الإطراء لخداع الجماهير كثيرًا. فتجد المسؤولين يصرحون بأن الحكومة قد قامت ببناء أحدث المستشفيات» المجهزة بـ«أحدث التجهيزات الطبية» والتي يعمل بها «أفضل وأشهر الأطباء» وتقدم للجمهور «أفضل الخدمات الطبية» «بأرخص الأسعار». ينبهر المشاهد بصيغ التفضيل في البيانات المعلنة فيؤمن بأن القدر قد حباه «بأفضل الحكام». وربما يصرح المسؤولون بأنهم قد قاموا في المجال الفلاني بـ«خطوات غير مسبوقة» أو حققوا إنجازات «لا مثيل لها» وذلك لأنهم يمتلكون ويوظفون كفاءات «فريدة من نوعها».

وفي الإعلان والدعاية يكثر المعلنون من استخدام ألفاظ الإطراء البراقة مثل «قاهر الصداع» أو «قاتل الميكروبات» أو «يقضي على الفيروسات بنسبة 99%» أو «المنتج رقم 1 في العالم» أو «محطم الأسعار» أو «يوصي به 99% من الأطباء»… إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الإطراءات التي يغلب عليها الكذب والتضليل. ومن المخيب للآمال أن معظم إن لم يكن كل ما يقال من دعاية تبدو ظاهرًا حقيقية هي في أصلها خالية من كل صدق. فأفضل منظف لا ينظف وعلاج التهاب المفاصل لا يجدي نفعًا وأحدث الجوالات الأصلية هو صناعة صينية مقلدة ومراوغة بإضافة أو حذف حرف من الاسم بشكل يوهم المستهلك أنه اسم الماركة الأصلية المعروفة وغير ذلك كثير.

الاستعارة والتشبيه:

يكثر الإعلام من استخدام الاستعارة لتزيين ما يود تزيينه في وجدان الجماهير حيث ينشغل الجمهور ببريق الاستعارة ويلتصق في ذهنه مضمون الاستعارة عن حقيقة المشبه. ويكون المشبه به واضحًا مألوفًا لدى الجمهور حتى تسهل مهمة خداعه. ومن الأمثلة على ذلك الإشارة إلى رئيس الدولة باستعارة مثل «رأس الدولة» أو مسميات براقة مذهلة مثل «رب الأسرة المصرية» أو «زعيم الأمة» أو «القائد الملهم» أو «الرئيس المؤمن».

ومن الاستعارات الزائفة المخالفة للواقع وصف رجالِ الأمنِ بـ«العيون السّاهرة» بينما هم في الحقيقة «زوار الفجر»، ووصف الجيشِ بـ«الذّراع الطويلة للدولة» بينما هو الذراع الطويلة الممتدة إلى داخل جيوب الغلابة والمسيطر الأول والأوحد على الاقتصاد الرسمي والمحرك الفعلي للأذرع الإعلامية، والحاكم المهيمن في كل مستويات المسؤولية، والمتعهد المخلص بزيادة رقعة الفقراء ونقل محدودي الدخل إلى جحيم معدومي الدخل.

ويروج السياسيون عبارات مثل الحرب على المخدّرات» أو «الحرب على الجريمة» أو «الحرب على الإرهاب»، وكلها عبارات توحي إلى سامعيها بالعزم والقوة والإرادة الفتية، وتثيرُ في الذّهن صورة جيش زاحف نحو نصر سريع مؤكَّد.

وكثيرًا ما يستخدم رجالات السياسة أسلُوب الاستعارة لطمأنة جماهير الشعب بخصوص قضايا ومواقف تقلقه أو تؤرق مضجعه. فتظهر عبارات مثل «نحن على أعتاب المجد» و«خرجنا من عنق الزجاجة» و«نحن قاب قوسين أو أدنى من جني ثمار التنمية» إلى آخر تلك العبارات الفضفاضة التي تسكن وتهدئ دون إنجاز فعلي واقعي.

أسلوب إطلاق الشعارات الرنانة:

الشعار هو جملة رمزية تشمل تصنيفًا أو قالبًا أو صورةً نمطيةً أو تأطيرًا بهدف استثارة مشاعر الجماهير، والشعار من أفضل الوسائل الترويجية التي يستخدمها السياسيون والاقتصاديون ورجال العلوم المختلفة على السواء. ويكمن حب استخدام الشعار لليقين من مدى فاعليته في التأثير في مشاعر ووجدان الجمهور بما يحقق ترسيخ القناعات المستهدفة بنجاح ويسر.

وقد وصلت أهمية استخدام الشعار إلى وجود شعار لكل منتج ومنهج وسياسة، حتى أن القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية والشركات والمؤسسات المتنوعة لا تخلو من شعار. وربما تمتد فاعلية الشعار في نجاح صاحبه إلى الاعتماد الكلي على الشعار دون إنجاز حقيقي يترجم هذا الشعار والأمثلة على ذلك كثيرة. منها شعار «يا أهلًا بالمعارك» رفعه صاحبه بينما لم ينتصر في حرب واحدة بل تسلم مصر فيها سيناء وقطاع غزة والسودان وسلمها وحدها دون قطاع غزة ودون سيناء ودون السودان ودون آلاف القتلى من الجنود في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل خارج أراضي الوطن وبعيدًا عنه تمامًا.

ومن الشعارات التي تجمع الجماهير حولها «مصر الجديدة» بينما لا جديد فيها سوى اتساع الهوة بين شرائح المجتمع وطغيان الشعور بالغربة داخل الوطن، الذي بات واضحًا جليًّا أنه وطن الأغنياء ولا مكان للفقراء فيه الذين لم يبق ما يدفعون مقابله إلا الهواء.

وفي المعارك الانتخابية ربما يعتمد النجاح على الشعار فقط، حتى لو كان صاحب الشعار يقدم برنامجًا انتخابيًّا لا يترجم الشعار وربما يوجد غيره من المرشحين من يملك برنامجًا يضمن تحقيق معنى الشعار لكنه لم يوفق في اختيار الشعار المناسب. فالناخبون ينجذبون نحو الشعار أكثر مما ينجذبون نحو البرنامج الذي لا يفهمه سوى الخاصة منهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد