إستراتيجية الإلهاء والتسلية:

بينما انفجرت ثورة علمية في جميع العلوم والمعارف تقريبًا كان من المفترض أن يرقى الجمهور من الجهل إلى العلم ومن العلم السطحي إلى دقائق العلوم وتنوع فروعه ومن الاهتمام بالقضايا الخاصة إلى متابعة القضايا الكونية مثل المشكلات التي تؤرق العالم ككل. لكن أيًّا من ذلك لم يحدث وهو أمر مستغرب قبل أن يكون مستهجنًا. والتساؤل لماذا صار المشاهد أقل في مستوى المسؤولية والمبالاة؟

تتضح لنا الإجابة جلية فيما كتبه نعوم تشومسكي في تقريره «إستراتيجيات التحكم في البشر والسيطرة على الجمهور» المبني على وثيقة سرية يعود تاريخها إلى مايو (أيار) 1979م وتم اكتشافها عام 1986م، والتي لا تقل في خبثها وخطورتها عن «بروتوكولات حكماء صهيون» تحت عنوان: «الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة». نقل تشومسكي عن الوثيقة عبارة خطيرة جدًا جدًا تؤكد أن الإلهاء بالتسلية إستراتيجية مخطط لها سلفًا وهي سلاح خطير يستخدمه الإعلام، وليس مجرد تسلية: «حافظوا على اهتمام الرأي العام بعيدًا عن المشكلات الاجتماعية الحقيقية، اجعلوه مفتونًا بمسائل لا أهمية حقيقية لها. أبقوا الجمهور مشغولًا، مشغولًا، مشغولًا، لا وقت لديه للتفكير، وعليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات». أي أن «الإلهاء والتسلية» هي الإستراتيجية المعتمدة لتحقيق تلك الغاية.

بينما تشتد عمليات القصف على قطاع غزة المحاصر تستهدف المدنيين وتهدم المنازل وتدمر البنية التحتية، وترتكب جرائم حرب، تجد الإعلام العربي الرسمي والخاص يغرق المشاهدين ببرامج التسلية السخيفة ووابل من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات والإعلانات، بينما لا تستحق كل تلك الدماء في نظره أكثر من عنوان متواضع في شريط الأخبار! كيف يهتم الجمهور بقضايا الأمة إذا كان جل وقته مصروفاً بين الكوميديا والأكشن؟

ويمكن التعبير عن هذه الإستراتيجية بمنتهى البساطة في الإستراتيجية المتواضعة التي نستخدمها جميعًا في اللعب لإلهاء نظر الخصم حتى نتمكن من هزيمته بينما هو مشغول بوهم «بص أو شوف العصفورة». والأنظمة المستبدة تبرع في استغلال أثر هذه الإستراتيجية فتقوم بإلهاء الجماهير عن قضايا الوطن وإشغالهم حتى يغفلوا عن الفساد المستشري في جسد الوطن والسوس الذي ينخر في عظامه.

إستراتيجية شيطنة الآخر:

تشويه المعارضين ربما يتم عن طريق السخرية والكذب والافتراء كما سبق وذكرنا، لكن الشيطنة تكون عبر أدلة جمعية وارتباطات غير منطقية يخلص منها إعلام النظام إلى تصوير المعارضين كأنهم شياطين أو مجرمين أو متآمرين؛ ليبني حائط صد بينهم وبين الجماهير. ويلجأ كل نظام مستبد إلى البحث عن شيطان يستغله لتخويف الجماهير كما الفزاعة حتى إذا لم يجد شيطانًا سعى إلى خلق شيطانه بنفسه.

لا يستحي النظام وأذرعه الإعلامية من شيطنة المعارضين والمصلحين والخصوم السياسيين والمنافسين الاقتصاديين وغيرهم، عبر وسائل وطرق تتسم بالسذاجة والتفاهة المنطقية إن جاز التعبير. فيسعى الإعلام إلى الدلالة على شيطنة الآخر عبر خلق ارتباطات واهية بين المستهدفين بالشيطنة وبين أشخاص أو كيانات لا علاقة لهم بها في الواقع، أو أن الارتباط لا يعني التوافق بينهما.

فقد يربط الإعلام بشكل مستفز للعقل بين عمل معارض أو سفره إلى دولة معينة وبين عده عميلًا لتلك الدولة. وقد يربط بين قرابة أحد الخصوم أو المنافسين لمتهم في قضية ما وبين كونه شريكًا له في إجرامه. حتى إن الإعلام استهدف يومًا ما أحد الدعاة فقام بتخوينه بناء على أنه من نسل فلان المجرم الذي يكرهه الشعب فعلًا لخيانته الوطن وعمالته للاحتلال الإنجليزي وتسببه في استشهاد عدد من المواطنين المصريين الأبرياء. حتى لو كان هذا صحيحًا من حيث النسب فما الدليل من النسب إن الحفيد خائن كما كان الجد؟ حجة واهية غير منطقية لكن الجمهور يستقبلها بكل ترحاب فقط لأن الإعلام وسوس في نفسه بهذا الهراء.

إستراتيجية التضليل بأسلوب «سمكة الرنكة الحمراء»:

بدأ استخدام هذه الاستعارة في علم المنطق في بريطانيا أوائل القرن التاسع عشر. أما عن الحكاية وراء الاستعارة فيحكى أن بعض الهاربين من يد العدالة كانوا قد استخدموا أسماك الرنكة الحمراء لتضليل كلاب الحراسة التي كانت تسعى خلفهم. عندما قاموا بسحبها على الأرض أثناء هروبهم في البراري والغابات عملت رائحة الرنكة عملها فضللت حاسة الشم لكلاب التتبع وبذلك تمكنوا من النجاح في عملية الهروب بدهاء وبدعة جديدة لم تكن معروفة حينذاك.

ويستخدم السياسيون هذه الإستراتيجية للهروب من الأسئلة التي قد تحرجه أو تجرحه، أو توقعه في معضلة، أو يجهل إجابتها ولا يريد أن يظهر بمظهر الجاهل بالإجابة. باستخدامه تلك الإستراتيجية ينجح في صرف اهتمام المحاور والمشاهد عن السؤال عبر الحديث عن قضية أخرى تثير مشاعرهم. وبهذا يغطي على قضيته التي يعجز عن إثباتها أو عدم رغبته في الإجابة عن السؤال.وهو هنا بالحديث عن قضية أخرى لا يسعى إلى إثباتها بل ينتقل إليها فقط من أجل استثارة المشاعر لتكون غطاء عن تجاهله القضية الأم أو السؤال الأساس.

والأمثلة على استغلال السياسيين لهذه الإستراتيجية أو المغالطة المنطقية عبر وسائل الإعلام لا حصر لها. منها فقط على سبيل المثال:

حين يتعرض السياسي من داخل النظام أو المؤيد والمساند له لسؤال عن مدى إيمانه بحق الجماهير أن تعارض القهر والاستبداد والديكتاتورية. يوقن السياسي تمامًا بمشروعية ذلك وحتى بمشروعية الاحتجاج والاعتصام السلميين في سبيل ذلك. لكنه لا يرغب في الوقت نفسه أن يجيب. فإذا أيد المعتصمين فقد أغضب النظام. وإذا جرم الاعتراض على الاستبداد فقد شعبيته وقبوله من قبل الناخبين وكانت سبة على جبينه أبد الدهر. فلا يجد ما ينقذه مثل إستراتيجية سمكة الرنكة الحمراء. فيجيب قائلًا: «إن أنظمة المنطقة العربية كلها استبدادية كذلك، بل معظم دول العالم كذلك. فلماذا نسلط الضوء فقط على نظامنا ونتجاهل استبداد كل تلك الأنظمة الأخرى التي تحيط بنا من كل جانب؟»

إستراتيجية تحويل مشاعر التمرُّد إلى إحساس بالذَّنب:

وتعد هذه الإستراتيجية أخطر الإستراتيجيات على الإطلاق في اعتقادي. والسبب أنها تلعب على مشاعر وقناعة الجمهور في الوقت نفسه. كما أنها تؤتي ثمارها فورًا وبشكل دائم وعميق أيضًا. فالجمهور الذي تتم مخاطبة الوازع الديني لديه هو جمهور أكثر استسلامًا لعملية غسيل المخ المبنية على أدلة من القرآن والسنة وعمل السلف الصالح وأقوال العلماء والدعاة وقصص الصالحين والعباد والزهاد ومشاهير المشايخ.

ولا شك أن هذه الأدلة جميعًا هي أدلة إما تم إخراجها عن السياق، وإما تم التدليس على تفسيرها وإما تم اختلاقها من الأساس. لكن جهل الجمهور بتفاصيل العلوم الشرعية ومدى صحة القصص المستقاة من التاريخ يجعلانه عرضة للتصديق والاقتناع بلا مشاكل. خاصة إذا كان المتحدث خبيرًا بتلك العمليات من غسيل المخ من علماء السلطان. أضف إلى علماء السلطان هؤلاء العلماء والدعاة من الذين قصر الفهم عندهم في قضية علاقة الدنيا بالآخرة وما أكثرهم للأسف الشديد.

إذا تمت مخاطبة الفقير بأن الفقر والمسكنة مع القناعة والرضا أفضل من الغنى والطغيان والظلم والفتنة بالمال والبنين، وأنه في أمان بفقره من الفتنة فماذا يفعل؟ خاصة إذا سقت له نماذج من فقر الأنبياء والصالحين وزهدهم في متاع الدنيا وزينتها فلن يكون الأمر صعبًا أن ترضيه بما هو فيه من فقر. ثم زد الأمر قوة في الإقناع بأدلة على شؤم المعصية وأن الذنوب تورث الفقر والتعاسة حتى يتأكد الفقير من أن ذنوبه ومعاصيه هي السبب الرئيس لكل ما يعانيه من عوز وحاجة هو ما تقترفه يداه من مخالفات لأوامر الدين الحنيف. فهل ينشغل بعد هذه الأدلة بفساد فاسد أو ظلم ظالم؟

إستراتيجية الفبركة أو الاختلاق:

بالطبع فإن هذه الإستراتيجية يستخدمها الإعلام البريء من المهنية تمامًا والذي تفضله الأنظمة الفاسدة والمستبدة. والفبركة تعني تأليف خبر بمعنى التأليف الواضح أي إنها تختلقه تمامًا دون أي أساس من الصحة. وتستخدم هذه الأخبار المختلقة إما لتزيين صورة النظام وإما لتشويه صورة المعارضة أو الرموز أو المنافسين. وتحتاج الفبركة إلى دعم حتى تؤتي ثمارها ومن أنجح أنواع الدعم لها تنظيم سيل من التكرار للخبر المفبرك يضمن انتشاره من ناحية ويصعب مهمة كشف زيفه وفبركته من ناحية أخرى. وتكتمل ثلاثية الفبركة والتكرار بالتغاضي عن البحث عن مصدر الخبر لمناقشة مدى مصداقيته.

ومثال ذلك ما تم اختلاقه عن تأجير قناة السويس فهو خبر لحدث لا أصل له ولا أساس من الصحة. والهدف من فبركة الخبر في هذ المثال هو غثارة الرأي العام ضد نظام حكم الرئيس المنتخب حيث لن يقبل الشعب بحال تأجير قناة السويس تحت أي مبرر. ولا بد أن يتبع الفبركة طوفان من التكرار على مختلف وسائل الإعلام وعلى ألسنة العديد من الإعلاميين حتى يصل صدى الخبر المفبرك كل بيت. حينها تكون مهمة تكذيب الخبر مستحيلة. وهذ النتيجة قد حدثت بالفعل حتى أن الخبر ما زال يصدقه الكثيرون حتى اليوم رغم تكذيب الرئاسة ومن يساندها وقت فبركة الخبر لكن فيضان التكرار بعد الفبركة ضمن لها الدوام والعمق. ويكمن سبب فشل التكذيب في مهمته في كونه لا ينال الحظ نفسه من الانتشار كما ينال الخبر المفبرك. لذا تنتشر صحافة الفبركة في الأنظمة الفاسدة بل تمثل أفضل صحافة يستغلها ويوظفها لمصلحته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد