إستراتيجية الإحالة إلى مصدر مجهول:

كثيرًا ما نقرأ في الصحافة ونسمع عبر وسائل الإعلام أخبارًا (خاصة تلك الأخبار الخطيرة أو الخاصة جدًا) يستهلها الإعلامي أو الصحافي بذكر مصدر الخبر بأن يحيله إلى مصدر مجهول تحت عنوان: «مصدر صحفي» أو «مصدر مسؤول» أو «مصادرنا» أو «مصدر رفض الإفصاح عن اسمه».

ومثل هذه الإحالات إلى مصادر مجهولة أمر شائع ومقبول في عالم الصحافة والإعلام؛ خاصةً في القضايا الحساسة التي قد يترتب عليها أخطار تهدد الأمن القومي أو السلم العام أو السلامة الشخصية أو المسئولية الجنائية أو غيرها. هو بالطبع أمر مقبول لو كان استخدامه ضمن تلك الظروف من ناحية وتحت رقابة المختصين من ناحية أخرى، حتى لا يسيء أحد استخدامها. وهذا ما حدث فعلًا، فتوسعت الصحف ووسائل الإعلام في استغلال تلك الرخصة لتمرير الإشاعات والأخبار المفبركة والاتهامات الملفقة.

تكمن معضلة الخبر المنسوب إلى مصدر مجهول في استحالة تحقق القارئ أو المشاهد من مدى صدق الخبر فيضطر ساعتها إلى الاعتماد على مدى مصداقية الصحيفة أو وسيلة الإعلام المعلنة عن الخبر. لذا يجب عدم الاهتمام بمثل هذا النوع من الأخبار إلا في حالة توفر المصداقية والمهنية والصدق في الصحافي أو الصحيفة أو وسيلة الإعلام التي تعلن الخبر. وتاريخ معلن الخبر هو بالتأكيد معروف ويشهد بذلك.

وربما يكون ضمن معايير مصداقية ومهنية ناشر الخبر موقفه من الأخبار التي أعلنها من قبل، ثم ثبت عدم صحتها بمعنى هل تراجع وأعلن عن خطئه أم تمادى وتغاضى عن ذلك. هذا أحد المعايير، لكنه ليس المعيار الوحيد لأن بعض الإعلاميين قد فطنوا إلى ذلك فقاموا على استحياء بتكذيب ما أعلنوه من قبل وفي كلمات موجزة فقط لتسجيل نقطة.

إستراتيجية الإحالة إلى مصدر وهمي أو التدليس على مصدر أجنبي:

ما زالت عقدة «الخواجة» ذات أثر بالغ في التأثير على العرب عامة والمصريين على وجه الخصوص. فور الإعلان عن مصدر أجنبي بذكر مؤلف أو عالم أو متخصص أجنبي أو مصدر أجنبية مثل جامعة أو مركز أبحاث أو جامعة أو غير ذلك فإن المتلقي للخبر أو المعلومة يضع ثقته وتصديقه على الطاولة. يكفي فقط أن تشير إلى مرجع غير عربي حتى تكسب صوت القارئ أو المشاهد في جيبك. وهذه ظاهرة في حد ذاتها تحتاج إلى حل عاجل من أهل الاختصاص.

يستغل الإعلام هذا الخلل في الفهم بشكل غير مهني أو أخلاقي. فيقوم الإعلام بفبركة مصدر، شخصًا كان أو صحيفة أو مؤسسة ثم يحيل الإشاعة أو الخبر المكذوب أو الرأي الذي يريد نشره بين الناس إلى هذا المصدر. فتقرأ رأيًا محالًا إلى «روبير ويلسون، عالم الاقتصاد الشهير ورئيس المركز الدولي للأبحاث الاقتصادية الحديثة في كاليفورنيا» فتؤمن فورًا بما يقول؛ لأنه من أهل العلم المشهود لهم ويعمل في أكبر وأقوى دول العالم.

وفي حالة عدم قناعتك بالخبر فسوف تبدو أحمق إذا رفضت رأيًا من آراء أهل العلم والاختصاص في نظر من حولك. فأنت مضطر إلى التسليم بالخبر أو الراي وقتها. يحدث هذا رغم أنه لا وجود لعالم اقتصاد اسمه روبير ويلسون ولا مركز أبحاث بهذا الاسم لا في كاليفورنيا ولا في غيرها، فالكل قد تبادر إلى ذهني لحظة كتابة هذه الكلمات.

وفي حالة أخرى وهي التدليس على مصدر حقيقي فإن الإعلام يميل إلى استغلال أيقونات الإعلام العالمية بناءً على شغف الجماهير بفكرة الإحالة إلى أجانب كما ذكرنا من قبل. فكان على سبيل المثال لا الحصر أعلام مشاهير مثل نعوم تشومسكي وروبرت فيسك عرضة لكثير من تلك الأخبار والأقوال المدلسة عليهم وهم منها براء. كما أن إحالة آراء ملفقة إلى صحف عالمية مثل «نيويورك تايمز» أو «الإندبندانت» وغيرها يضمن للإعلام المضلل تمرير ما يرغبون في تمريره من الأخبار والآراء والتوجهات.

إستراتيجية الترجمة المغلوطة:

يختلف الغلط أو الخطأ في الترجمة عن الترجمة المغلوطة؛ إذ يكون الغلط أو الخطأ غير متعمد، فقد يكون السبب وراءه ضعف لغة المترجم أو إحالة مهمة الترجمة إلى غير المختصين، وهو أمر يمكن غفرانه لأنه غير مقصود. لكننا هنا نتحدث عن الترجمة المغلوطة أي تعمد الغلط والخطأ أثناء الترجمة بما يخدم هدف المستفيد من الترجمة المغلوطة.

جدير بالذكر أن وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًّا في السياسة الخارجية للدول، إذ يمكن أن تعمِّق الصداقات أو تدمِّر العلاقات الدبلوماسيّة، وربما حتى تتسبب في إعلان الحروب. وبما أن الدول لا تتحدث لغة واحدة، فإن كلمة السر في هذا كله هي «الترجمة»؛ لذا كانت الأمانة في الترجمة أهم مبادئ الإعلام المهني الصادق. لكنه إذا كانت الترجمة مغلوطة عن عمد بما يخدم الشقاق والوقيعة بين بلدي اللغتين المترجَم بينهما فحينها تقع الكوارث.

ومثال واضح على التحريف المتعمد الذى يخدم أغراضًا سياسية هو ما حدث مع الرئيس المنتخب الأستاذ الدكتور محمد مرسي رحمه الله أثناء إلقاء كلمته في قمة دول عدم الانحياز في طهران عام 2012م. في كلمته قال الدكتور مرسي:«إن الشعبين الفلسطيني والسوري يناضلان من أجل الحرية والكرامة»، وأضاف في موضع آخر من الخطاب «إننا نتضامن مع الشعب السوري لمواجهة الظلم والطغيان». لكن الذي حدث في ترجمة كلمته أنه قد تمَّ استبدال كلمة «البحريني» بدلًا من «السوري» في الحالتين، وبذلك بدا موقف مصر مساندًا لموقف إيران فيما يخصُّ البحرين. كان التلفزيون الإيراني حينها ينقل القمة نقلًا مباشرًا بترجمة فورية من العربية إلى الفارسية، لكن المترجم الفارسي تعمد تحريف الكلمة. فاحتجت البحرين رسميًّا على الترجمة، وكانت سببًا في زيادة التوتر والجفاء الدبلوماسي بين البلدين. وكان هذا الجفاء هو الغرض السياسي خلف الترجمة المغلوطة.

إستراتيجية العنوان المضلل:

ويعني استخدام إستراتيجية العنوان المضلل تعمد وجود التباين والاختلاف بين عنوان الخبر ونص الخبر الذي كثيرًا ما يكون لا علاقة له بالعنوان في الحقيقة. ربما يتم اختيار العنوان المضلل لجذب القراء أو المشاهدين فقط. وربما يكون المعنى الظاهر للعنوان هو الرسالة المراد توصيلها بينما النص تحته لا يخدم هذا المعنى أو لا يثبت صحته.

تعتمد هذه الإستراتيجية على حقيقة أن معظم متابعي الصحف والمواقع الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي يكتفون بقراءة العنوان فقط، ولا يحرصون على قراءة التفاصيل ظنًا منهم أن العنوان يكفي. والصحافيون بلا شك، وبحكم خبرتهم يعرفون تلك الحقيقة جيدًا. لذا يعمدون إلى تضمين رسالتهم الرئيسة داخل العنوان بينما يكون المضمون الفعلي بعيدًا للغاية عن التعبير عن العنوان.

قد تجد عنوانًا مثل: «صور فاضحة لعثمان بن أرطغرل» أو «حليمة زوجة أرطغرل في ملابس شفافة» أو «مفاجأة: الشخصية الحقيقية لأرطغرل» أو «حقيقة ديانة تورغوت صاحب أرطغرل» وكلها بالطبع عناوين جذابة، خاصةً في ظل الحضور الجماهيري الكبير للمسلسل داخل الدول العربية، والذي أثار تحفظ الكثير من الساسة وأعداء فكرة الخلافة أو تركيا تحديدًا حتى وصل بهم الأمر إلى إنتاج مسلسل هدفه الوحيد هو تشويه صورة الخلافة العثمانية، والذي يصب في مخيلتهم في خانة تشويه تركيا حاليًا. لكنك حين تقرأ نص المقالات تفاجأ أن الكاتب يتحدث عن الممثلين الثلاثة الذين يقومون بأدوار البطولة في المسلسل بجزأيه. فما علاقة الممثلين وأخلاقهم بالشخصيات التاريخية التي يقومون بتمثيلها؟

إستراتيجية الاستقطاب باستدرار الشفقة والتعاطف:

لأن الإعلام المضلل لا يملك الحجة مقابل الحجة ولا يستطيع المواجهة الشريفة بالبرهان والدليل والعقل والمنطق فإنه يلجأ كثيرًا إلى مخاطبة العواطف والمشاعر بدلًا من العقول. فتجده يتسول الشفقة، ويغمض عينيه عن الحق الظاهر الجلي. والتعاطف مع الظالم المستبد لا ينفي كونه ظالمًا مستبدًا بالتأكيد؛ لكنه ينقذه من مأزقه الحالي.

ومن الأمثلة الظاهرة على استغلال عواطف ومشاعر الجماهير ما حدث مع الرئيس المخلوع مبارك أثناء ثورة يناير. اتصلت إحدى مؤيدات الرئيس حسني مبارك ببرنامج حواري على قناة مصرية وحاولت إثبات «الظلم» الواقع على مبارك (في رأيها) من قِبل الثوار في الميادين والشوارع. حاولت ذلك عبر بكائها المقترن بقولها «هل يجوز أن نفعل هذا بأبينا؟» تستدر بهذا السؤال تعاطف الجماهير نحو «الأب» إذ اعتاد الإعلام من قبل وعلى مدى ستين عامًا على تصوير كل رئيس بأنه «الأب الحنون» و«رب الأسرة المصرية».

وقد تكرر استغلال عواطف الجماهير كثيرًا في الإعلام المصري طوال الثمانية عشر يومًا. وعندما ألقى مبارك خطابه الثاني وتحدث فيه عن إنجازاته قبل وأثناء رئاسته، فقد كان يستدر تعاطف وشفقة الجماهير كذلك؛ خاصةً عندما تحدث عن رغبته في «الموت على أرض مصر كما عاش عليها» فسارع بعض مقدمي البرامج إلى ذرف الدموع تعاطفًا مع هذا الرئيس «المسن الذي ضحى بشبابه وعمره كله في خدمة الوطن». فتحدثوا مطولًا عما قدمه للبلد وعن عدم احترام الثوار لكبر سنّه في هتافاتهم، دون أن يتطرق أحدهم إلى مصداقية المطالب التي تصدح بها حناجر المحتجين. فغلبت العاطفة على العقل؛ حتى إن الكثير من الثوار تحدثوا فعلًا عن اتصال آبائهم وأمهاتهم بهم بعد أن تأثروا بهذا «الخطاب العاطفي»، ونسوا فساد وإفساد وظلم ستين عامًا من الحكم العسكري كان نصف هذا العمر في عهده!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد