إستراتيجية الاحتكام إلى الجهل

تعتبر هذه الإستراتيجية فلسفية نوعًا ما فهي تعتمد على المنطق أو تحديدًا على المغالطات المنطقية. يزعم المغالِط في هذه المغالطة المنطقية بأن القضية صحيحة طالما لم يبرهن خصمه على بطلانها، فهو يحتكم بذلك إلى جهل الخصم بالدليل، كما يمكن أن يعكس المعادلة ويزعم أن قضية ما خاطئة طالما عجز خصمه عن إثباتها.

ومع أنه يحق لكل منا أن يطلب من خصمه دليلًا لإثبات أو نفي القضية موضع الجدال، لكن جهل الطرف الآخر به لا يمكن أن يكون بذاته دليلًا على أي شيء، فحتى لو انعدم الدليل عند الناس جميعًا فقد يُكتشف لاحقًا، ما يعني أن النفي والإثبات يبقى ضمن دائرة المحتمل.

ومن القواعد المعروفة لدى علماء المنطق أن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، أي أن عدم علم أحد من الناس أو حتى الناس جميعًا بوجود شيء ما فهذا لا يعني أنه غير موجود، فقد تكون هناك أعداد كبيرة من الملائكة والجن والكائنات الأخرى التي لا يستشعرها وجدان البشر ولم يخبرهم عنها الوحي، لكن جهلنا بها لا يعني أنها ليست موجودة في عالمها الفسيح الذي قد يكون أكبر بكثير من عالمنا وحدود معارفنا.

يقول باحث في العلوم السياسية إن معظم المؤرخين الكبار في القرن العشرين لم يذكروا شيئًا عن وجود مؤامرة يهودية تُنسب إليها الثورات في أوروبا والحربان العالميتان، إذًا فالحديث عن المؤامرة ليس سوى نظرية سخيفة. فالباحث هنا لم يناقش القضية ذاتها بل تذرّع بعدم وجود الدليل لدى كبار المؤرخين، مع أن انعدام الدليل لدى هؤلاء المؤرخين قد يكون بذاته مؤشرًا على أن المؤامرة شملت مناهج التاريخ أيضًا، فلم ينتبه له إلا مؤرخون صغار تعرضوا للملاحقة والإقصاء.

إستراتيجية الاحتكام إلى الأكثرية

حين يعجز الإعلام عن مقارعة الحجة بالحجة فإنه يلجأ إلى إقناع الجماهير عبر إشارته إلى الاحتكام إلى رأي الأكثرية بدلا من الاحتكام إلى المنطق. ومن المعلوم أن رأي الأكثرية ربما يكون صحيحًا أحيانًا لكنه ليس قاعدة يبنى عليها الصواب والخطأ حيث يمكن أن يكون خاطئًا فالكثرة لا تدل على شيء ولا يجوز أن تصير معيارًا أو ميزانًا توزن به الأمور. وقد نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك». بل إن الأكثرية مذمومة في أكثر من موضع في القرآن الكريم وتم وصفها بالافتقار إلى العلم أو الاتصاف بالجهل: «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [الأنعام : 37] «وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» [الأنعام : 111].

إذًا فإن الاحتكام إلى الأكثرية في العلم ليس دائمًا صواب. لكن الاحتكام إليهم في الرأي والمشورة في إدارة شؤون البلاد فأمر مختلف تمامًا. فالاحتكام هنا إلى الأكثرية ليس خطأً، وقد نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي الأكثرية في مواضع كثيرة حتى عندما كان رأيهم يخالف رأيه كما حدث في غزوة أحد.

وفلسفة الحكم الديمقراطي قائمة على اختيار الأغلبية في صناديق الاقتراع، كذلك فإن التجارب العلمية تأخذ صفة النظرية عندما تتحقق بالتكرار، كما يُتكم في الشريعة إلى رأي جمهور الفقهاء عادةً، وعندما يتحقق إجماع الفقهاء على أحد الآراء يُصبح ملزمًا، لكن هذا الاحتكام الذي يصح عادة في مجالات السياسة والعلم والقانون والفقه لا يعني بالضرورة أن يؤدي إلى نتيجة عقلية صحيحة، بل هو مجرد اتفاق على تطبيق نتائجه عمليًا ليس إلا.

ومن الأمثلة على الاحتكام إلى الأكثرية ما قاله أحد المتحدثين التحفيزيين «إن معظم الذين يعتقدون بنظرية المؤامرة هم من المراهقين الذين يحبون قصص التشويق وأفلام الرعب، أما أغلبية العقلاء والمثقفين فلا يؤمنون بها، إذن فهي مجرد نظرية خرافية». فتم نفي نظرية المؤامرة بناء على أن الأكثرية لا يؤمنون بها وينسى هؤلاء أن أغلبية البشر لا يؤمنون بالله فهل ينفي عدم إيمان أكثرية البشر بالله وجوده عز وجل؟

إستراتيجية الاحتكام إلى القوة (التهديد)

وتسمى كذلك بإستراتيجية «التلويح بالعصا» وربما تكون هذه الإستراتيجية أحد أحط الإستراتيجيات وأبعدها عن الشرف والإنسانية لأنها تلجأ إلى تكميم الأفواه بدافع الخوف وتسكت المنطق بالسلاح وترد على الكلمات بالرصاص وتناقش خوف النفس من الأذى بدلًا عن مخاطبة العقل والوعي. والتهديد والتخويف والتلويح بمنطق القوة ينفع بشدة في إسكات المعارض أو الخصم أو المنافس.

وهي إستراتيجية قديمة قدم الأزل فكل ظالم مستبد لا يملك حجة ولا برهانًا يلجأ إلى التهديد والوعيد لا إلى النقاش أو المحاججة: «قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى» [طه : 71].

في أحد الدول التي قام فيها انقلاب عسكري قال أحد قادة الجيش: «نحن من يملك السلطة الآن، والسلطة هي وحدها التي يحق لها استخدام السلاح، إذن يحق لنا قمع المحتجين» وغالبا ما يتم إطلاق صفة الإرهاب على عمليات الاحتجاج في هذه الحالة للمزيد من تبرير أعمال القمع. حتى أن البعض فسر «نصيحة» الشعب بعدم الاحتجاج أو الاعتصام رفضًا للمجلس العسكري من باب ألا تتحول مصر إلى «سوريا أو العراق» بأنه تهديد وتلويح بالعصا. بمعنى: إذا رفضتم الانقلاب فسوف يفعل الجيش ما يفعله جيشا سوريا والعراق. وهو تأويل في محله إذا أخذنا في الحسبان ما تم في مجزرة رابعة.

إستراتيجية الاحتكام إلى النتائج

ثار الناس في سوريا ضد الظلم والطغيان والفساد وثاروا في ليبيا ضد الاستبداد والقهر وثاروا في اليمن ومن قبلهم في مصر لنفس الأسباب، ثم جاءت النتائج كلها صادمة للشعوب. قتل مئات الألوف وشرد الملايين وتدمرت البلاد وضاقت الأرض بما رحبت على الثوار ومن حولهم جميعًا واسود المستقبل في أعين الجميع وتكالبت القوى الخارجية على الشعوب تأكل الأخضر واليابس في الدول الثلاث. بينما عاد الحكم العسكري للمحروسة في ثوب جديد بعد إسقاطه لكنه عاد متوحشًا هذه المرة فامتص دماء الفقراء وسيطر على كل شبر وأكل كل خير واستأثر بكل قرش لنفسه وحده وباع ما استطاع بيعه حتى الآن. الظاهر من نتائج كل ما سبق من ثورات خراب ودمار وفقر فهل هذا يعني أن هذه المقدمة (الثورة ضد الاستبداد) تؤدي إالى هذه النتيجة (الخراب والدمار والفقر)؟ هذا ما يسمى بإستراتيجية الاحتكام إلى النتيجة. والإعلام المصري لا ينفك عن استخدام هذه الإستراتيجية ليل نهار حتى صارت عبارة (زي سوريا العراق) مثار سخرية في الشارع المصري من كثرة تردادها على ألسنة الإعلاميين والسياسيين.

إن الاحتكام إلى النتائج أمر مقبول من حيث المبدأ فالعاقل من اتعظ بغيره واستفاد من تجارب وخبرات من سبقه ليتجنب المصائر السيئة المحتملة مثل ما حدث مع من قبله. لكنها ليست قاعدة عامة تطبق في كل شيء كما سبق وذكرنا. فكثير من الناس طالبوا بحقوقهم عبر الاحتكام إلى القضاء لكن القضاء لم ينصفهم إما لأنهم كانوا ضمن هؤلاء الذين لا يحميهم القانون (القانون لا يحمي المغفلين) أو لأن القضاء كان مسيسًا يتلقى الأحكام عبر التليفون والأمر المباشر كما هو سمت القضاء المصري عبر العصور. فهل يجوز هنا أن نعد اللجوء إلى القضاء سببًا للظلم؟ بالتأكيد هناك قضاة شرفاء وبالتأكيد هناك حقوق ترد إلى أصحابها من خلال أحكام القضاء وهذا هو الأصل. حتى أن عموم البلوى بفساد قضاة المحروسة لا يبرر عدم الاحتكام إليه لأن الأصل هو الأخذ بالأسباب.

إستراتيجة الأبيض والأسود

إما أبيض أو أسود لا وسط. إما صديق أو عدو لا ثالث. يقدم منتهج الإستراتيجية دائمًا خيارين اثنين فقط. والخياران متناقضان لا يلتقيان ليجد المرء نفسه بينهما حائرًا. ويجد نفسه بالتأكيد مرغمًا على أحدهما دون الآخر.

هكذا يعمد الإعلام أو السياسيون وضع المخالف لهما في الرأي بين خيارين فقط. ويعمد كل منهما أن يكون الاختيار المطلوب واضحًا حتى ينقذ المخالف في الرأي نفسه من كون الثاني تهمة، أو سبة، أو نقيصة. وهذه إستراتيجية ماكرة جدًا حيث يجد الخصم نفسه مضطرًا لقبول الخيار الأجمل وهو ما يدفعه إليه الإعلام في الأساس ويخطط له.

كل نظام استبدادي يفضل هذه الإستراتيجية ويعمد إلى وضع خيارين لا ثالث لهما أمام خصمه، ويكون قد انتقى هذين الخيارين بعناية لإحراج الخصم متجاوزًا الاحتمالات الأخرى، والتي غالبًا ما تكون كثيرة لا محدودة أو حتى خيارًا وسطًا وهو الأمثل. وتشيع هذه الإستراتيجية الخبيثة في الإعلام الرسمي لكل نظام مستبد.

ومن أشهر الأمثلة على تلك الإستراتيجية مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن قبل غزو أفغانستان عام 2001 «من لم يكن معنا فهو ضدنا» أي إما صديق متعاون أو عدو محارب. لا حياد لا وسط لا حتى «لا مبالي أو لا مهتم» فالجميع مرغم أن يختار أحد الخيارين. وهي سياسة فاشية لا تبرير لها.

وهذا ديدن الإعلام العربي الذي يتهم المعارضين بالإرهاب. لذا فإن كل مواطن مخير بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: مؤيد أو إرهابي (أو بلغة العصر «إخواني»). لا يعترض أحد على شيء أي شيء إلا ويواجه بنفس السؤال: أنت إخواني؟ ورد الفعل الطبيعي أن يقشعر بدنه رعبًا وينفي عن نفسه تهمة أن يكون إخوانيًا أو تلطيفًا (خلايا نائمة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد