إستراتيجية التدليس في الزمن أو التاريخ

في كل مناحي الحياة، وليس في السياسة فقط، يجب الانتباه إلى زمن وتاريخ التصريحات والآراء. فالتصريحات وقت الحرب تختلف عنها وقت السلم. وتصريحات المواطن تختلف عن تصريحات الناشط السياسي تختلف عن تصريحات المسؤول الرسمي. في كل تصنيف مما سبق دائرة تتسع وتضيق بحسب الحال في تفسير التصريحات والآراء. وزمن وظروف التصريح تيسر سبل تفسيرها التي تنبني عليها الانطباعات السليمة المناسبة بحسب الحال.

وكثيرًا ما يقوم الإعلام الذي يفتقر إلى الموضوعية والمهنية والشفافية إلى استدعاء مواقف أو تصريحات قديمة زمنيًّا لمسؤولين أو رموز ثم تقدم على إقحامها ضمن السياق السياسي الحالي. يتسبب هذا التدليس في التباس عند القارئ وربما يشعل نار الأزمات السياسية أولها تأليب الرأي العام على صاحب التصريحات.

ومن الأمثلة على ذلك استخدام تصريحات للدكتور محمد مرسي عن اليهود (صرح بها قبل أن ينتخب رئيسًا) حين عدهم أحفادًا للقردة والخنازير مستدلًا بقول الله تعالى في القرآن الكريم: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» [المائدة : 60] تم استدعاء هذه التصريحات بعد وصوله للرئاسة ليظن الجمهور أن هذه التصريحات صدرت عنه الآن، وهذا تدليس ضمن الوف أنواع التدليس التي مورست ضده رحمه الله.

إستراتيجية الشخصنة

وتختلف إستراتيجية الشخصنة عن إستراتيجية تشويه الرموز والطعن فيهم حيث الشخصنة تعني الشخص المحاور وليس شرطًا أن يكون رمزًا. فكثيرًا ما يتعمد السياسي أو الإعلامي أن يطعن في شخص صاحب القضية الذي يحاوره بدلًا عن الاهتمام بتفنيد القضية نفسها، فيجد الطعن في شخص من أمامه أسهل وأيسر من الرد عليه بالحجة والبرهان. وقد يتخذ الطعن في شخص الخصم أكثر من شكل منها على سبيل المثال لا الحصر:

القدح: ويعد القدح في شخص الخصم ظاهرة منتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج الحوارية على السواء. فيطعن السياسي أو الإعلامي أو الناشط في الخصم الذي يحاوره مستحضرًا تاريخه وأخطاءه وزلاته وهفواته التي وقع فيها من قبل. وهي وسيلة ضعيف الحجة لأنه لو كان يملك الحجة ما لجأ إلى تلك الوسيلة الرخيصة والمفتقرة إلى المهنية.

التعريض بالانتماء: وهي كذلك وسيلة السياسي أو الإعلامي للهروب من النقاش العقلي الرزين حول القضية المثارة في الحوار. فيلجأ السياسي إلى الغمز واللمز بشأن انتماءات خصمه وميوله السياسية وخلفيته الطبقية أو الأيديولوجية. وربما يكون هذا الانتماء من نوع الانتماء إلى جنسية معينة وهي أبعد ما تكون عن التهمة فلا ذنب لأحد في مكان ولادته ولا ظروف بيئته. فتجد متحاورين من دولتين مختلفتين وموضوع الحوار بينهما هو «الاستبداد» ليهرب مؤيد الاستبداد من مقارعة الحجة بالحجة ليتهم خصمه قائلًا: «كيف لي أن أصدق ما تقول وأنت تنتمي أصلًا إلى دولة أكثر استبدادًا؟». اين الحجة أو البرهان المستفاد من كون المعارض للاستبداد ينتمي إلى دولة حاكمها مستبد؟

إستراتيجية تزييف التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي

صارت مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن أحد أهم طرق التأثير على الرأي العام وتوجيهه. لذا زاد اهتمام الأنظمة الحاكمة بها اهتمامًا شديدًا حتى وصل الأمر إلى تسخير إمكانيات وميزانيات ضخمة لتحصيل الاستفادة القصوى منها. ولما وجدت الحكومات آثار وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل العقل الجمعي لجأت إلى ما يسمى باللجان الإلكترونية. وهي لجان تعمل ليل نهار على مواقع التواصل تمرر الأخبار والمعلومات والتوجهات التي تفيد النظام وتدعم سياساته.

لا تجد سياسيًا أو مسؤولًا أو ناشطًا أو أحدًا من المشاهير إلا وله حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي. ويسعى النظام إلى توظيف تلك الحسابات فيحرص أشد الحرص أولًا على زيادة عدد الزوار والمتابعين حتى تتسع رقعة تأثيره. وزيادة أعداد المتابعين يتم شراؤها من قبل النظام بسهولة ويسر حتى تصل إلى حد يجذب المزيد حيث يميل مرتادو تلك المواقع إلى متابعة الحسابات صاحبة الأعداد الوفيرة من المتابعين.

ثم تأتي مهمة تزييف أعداد الزوار وتزييف التعليقات والإعجابات. فتجد أعدادًا هائلة من الحسابات الوهمية تتفاعل مع حسابات النظام لتوهم الجماهير أنها فعلًا حسابات ناجحة. وما أكثر الشركات العالمية التي توفر تلك الأعداد والتفاعلات الوهمية لدرجة أن دعاياتها تصل القاصي والداني. وكل متمرس في التعامل مع صفحات التواصل الاجتماعي وحساباته يدرك هذه اللعبة تمامًا.

وتعمل اللجان الإلكترونية على تزييف التعليقات فتؤيد سياسات النظام بحسابات وهمية لتنشر تأييدًا وهميًا للاستبداد. كما تعمل في نفس الوقت على محاربة حسابات الخصوم بشتى السبل. فبينما تجد سيلًا من التعليقات الإيجابية من قبل اللجان الإلكترونية على حسابات النظام تجد مقابله طوفانًا من السب والشتم والقدح على حسابات الخصوم لتوهم الجماهير أن الخصوم يلقون عداوة من الشعب. وربما تزداد الحرب سعارًا من قبل اللجان الإلكترونية فتشن حرب الاختراق لحساب الخصوم السياسيين والمعارضين والرموز منهم وتسعى بالخراب فيها أو تنجح حتى في إلغائها تمامًا. أي أن الحرب الإلكترونية التي يشنها النظام المستبد هي حرب شرسة وقذرة في نفس الوقت.

إستراتيجية النقل عن مواقع التواصل الاجتماعي

من الأمانة العلمية والمصداقية والمهنية أن يتم التوثق والتثبت من مصدر المعلومة أو الخبر. ولا بد لكل إعلامي أو صحافي أن يتحرى الدقة في التثبت من صحة ما يتم نشره. ومصدر الخبر الشخصي هو الشخص نفسه أو حسابه الرسمي المعترف به والموثق من قبل الشركة الأم لوسيلة التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر» على سبيل المثال ووجود علامة الدلالة على ملكية الشخص للحساب في كل موقع معروفة. والخبر المؤسسي أو العام له حسابه الرسمي كذلك أو المتحدث الرسمي باسم الهيئة أو المؤسسة أو حتى الجماعة أو الحزب وهكذا. وكل مؤسسة صغرت أم كبرت لها مصدرها الرسمي المعلن المعتمد في إعلان الأخبار أو التصريحات الخاصة بها. وما يتم نشره عبر غير هذه المصادر المعتمدة لا قيمة له ولا اعتبار.

وتشكل الآراء والنقاشات والتفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي مادة خصبة للصحافة والصحفيين والإعلام والإعلاميين. وربما تكسب الأخبار والفعاليات على وسائل التواصل الاجتماعي اهتمامًا كبيرًا من قبل الإعلام. تكمن المشكلة الأساسية في تحول تلك الآراء والمعلومات والأخبار المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة إلى حقائق، وتتحول حسابات التواصل الاجتماعي إلى مصادر مطلقة للإعلام بأنواعه المختلفة، ويتسبب هذا الأمر في حالة من العبث والفوضى. تنتج هذه الفوضى من تعامل الإعلام مع كل الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مصادر موثوقة وهذا يخالف الحقيقة من ناحية ويخالف شرف المهنة من ناحية أخرى.

والهدف غير النبيل للإعلام من استقاء الأخبار والبيانات والتصريحات من حسابات التواصل الاجتماعي الوهمية أو غير الرسمية على الأقل هو التدليس على الجماهير لتمرير ما يريده من إشاعات وافتراءات وربما من توجهات. كما يتم تدليس الإحصائيات والتفاعلات على تلك المواقع لتوهم الجماهير مثلًا بأن النظام يحظى بشعبية جارفة، أو أن المنافسين السياسيين يحظون برفض شعبي مجمع عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد