أصبح العالم اليوم قرية كونية صغيرة لا تحدده الجغرافيات الطبيعية، ويعزى هذا الارتباط لتطور المستمر لوسائل الاتصال بشتى أنواعها، هذا الفضاء إلكتروني الذي تنتقل فيه المعلومات المختلفة بلا حدود بسرعة خيالية محطمة كل أسوار السرية، فالمعلومات من صور ورموز العابرة للقوميات التي اختزلت كل الحدود الجغرافية عن طريق الإعلام، هذا الإعلام الذي هو المرآة العاكسة لواقع أي مجتمع سواء أكان ثقافيًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا.

العولمة التي أصبحت ظاهرة العصر التي شغلت الناس في الآونة الأخيرة، واعتبرها بعضهم أنها الإطار المرجعي لدراسات الاجتماعية والاقتصادية، حيث فرضت هذه النظرية نفسها على الواقع العالمي.

وفي ظل ظاهرة العولمة التي مست كثيرًا من الجوانب وبالأخص الجانب الإعلامي، هذا الإعلام، السلاح ذو الحدين، هناك بعض التساؤلات تطرح: ما موقف البشر من العولمة؟ وما النفوذ التي يتمتع بها الإعلام المعولم؟ وما هدفه؟ وماذا قدمت هذه العولمة الإعلامية للبشر؟ وما الآثار التي خلفتها؟

كان لظاهرة العولمة نصيبًا وفيرًا من الدراسات والأبحاث ونقاشات من قبل كثيرين من المفكرين و الباحثين، الذين بحثوا في ماهيتها ومظاهرها وآثارها، أثارت النتائج المحصل عليها جدلًا بين مؤيد ومعارض والوسط.

فالمفكرون المسلمون يجمعون على أن العولمة هي هيمنة الدول المركزية وسيادة نظام عالمي غير متكافئ، وذلك بإقصاء الحضارات غير الغربية ليتم استبداله بالرأسمالية، وهناك من ينظر لها أنها الطوفان الذي يهدد البشر ويغير هويتهم ويعود بهم إلى العنصرية والقبلية، والمؤيدون لها يرونها خلاصة تجارب علمية على مستوى عالٍ، وأنها جزء من التاريخ، والخروج عن مسارها يعد تخلفـًا يحرم الدول من الانتفاع بثمار العلم والتقدم، والذي يؤدي بهم إلى العزلة وبالتالي الموت الثقافي، كما هناك من يقف في الوسط يدعو إلى التعامل معها بشيء من العمق وعدم التسرع، بغض النظر عن فكرة المؤامرة وعدم الخوف من كل ما هو جديد.

فللإعلام نفوذ غير محدود على كافة الأصعدة، فعلى الصعيد السياسي أجبر الدول وحكوماتها على الاهتمام بقضايا ظلت إلى وقت قريب خارج دائرة اهتمامها، فأثر في السياسات الداخلية والمتحكمين بها فلم تعد قراراتهم ومواقفهم وتصريحاتهم تخفى على عيون الإعلام، الذي أصبح الملجأ في ظل الأزمات، لمعرفة ما يدور في البلاد بالنسبة للمواطنين، أما على صعيد العلاقات بين الدول استطاع هذا الإعلام أن يحيل العلاقات الدولية إلى بحر من الأمواج المتلاطمة، فالواقع يؤكد أن عمليات التوظيف والتعتيم والتضليل والتحريف والتشوية والتشهير لخدمة أغراض قوى عظمى، أصبحت مسائل لا تخفى على العيان، وأثرت بدورها في العلاقات بين الدول، أما الجانب الاقتصادي استطاع الإعلام بالاستخدام الواسع للإعلان الدولي في مجال تسويق السلع والخدمات الذي أدى إلى خلق طلب واسع على هذه السلع.

فارتباط الإعلام بالعولمة الربحية، المبدأ الأساسي للرأسمالية الغربية، دون مراعاة الخلفيات الثقافية والدينية أثر في تشكيل اتجاهات المجتمعات ومواقعها، كما أن القائمين على تلك المؤسسات الإعلامية لهم خلفيات عقائدية ومبادئ يودون تصديرها للعالم؛ فجوهر تلك العولمة نشر ثقافة جديدة موحدة تذوب فيها كل الثقافات وهويات المجتمعات.

ومع الوتيرة المتسارعة التي يسير بها عصرنا الحاضر كان للعولمة الإعلامية أثر عميق، سواء على الدول المصدر لها والمتحكمة بها لخدمة مصالحها، أم على الدول المتخلفة التي تدفع ثمنها؛ حيث تخطت الحدود وطوقت الزمان واختزلت المكان، وبهذا فقد احتلت مساحة عريضة في حياة البشر بسبب التطور المستمر في تقنيتها لتحول الكرة الأرضية لكتلة إعلامية واحدة، فالوسائل المتطورة كالهواتف الجوال والقنوات المتعددة وشبكات الإنترنت هذه التكنولوجيات أتاحت للأفراد الوصول إلى المعرفة من أعماق منابعها في كل أنحاء العالم ومن ثم تشاطرها مع غيرهم من الناس ونشرها في سبيل ما يصبون إلى تحقيقه من البرامج الاجتماعية أو السياسية التي يضعونها بأنفسهم.

وقد أثر هذا الإعلام المعولم على الأفراد والمجتمعات بكونه وسيلة وأداة سيطرت على الإدراك، وتغلغله في أعماق المجتمعات دون مراعاة خصوصياتها وثقافتها وخاصة المجتمعات الإسلامية، فاحتكار الشركات الإعلامية الغربية المصدرة لرغبات وحاجات وفق معايير غربية لتذيب الهويات الذاتية لهذا المجتمع بفعل الغزو الثقافي.

الأمة الإسلامية ملزمة اليوم أن تتصدى لهذا الغزو الثقافي وتحجّم هذا الإعلام المعولم لتحقيق ريادة الفكر الإسلامي بعد إفلاس الحضارة الغربية وانهيار العقائد الفاسدة في العالم، لهذا فالعولمة الإعلامية الإسلامية أصبحت ضرورة مطلوبة الآن أكثر من أي وقت سبق، لكن القوة اليهودية والمسيحية العالمية وغيرها ستتألب ضدها إلا أن طريق التغير الإسلامي يبقى هو طريق الحق.

ولإرساء مبادئ هذه العولمة الإعلامية الإسلامية وجب وضع أطر لها، وفي أولها الإعداد الفكري والنفسي والروحي للشخصية الإسلامية لتكون قادرة على الصمود والتحدي والاستمرار لتحقيق هدف وجودها، وهذا بالاعتماد على أسلوب ومنهج تطبيقي في عملية التكوين والإعداد لتوفير النماذج الشخصية الحضارية الإسلامية.

يمكن استعمال وسائل الإعلام الحديثة والقديمة للتفاعل بين المسلمين في مختلف بقاع الأرض؛ لتجاوز التجزئة والتباعد، لنصل إلى وحدة إسلامية قوية قادرة على التحرر من التبعية ودثر هيمنة عولمة العالم الغربي، الذي لطالما سعى إلى تجزئة المسلمين، وما زال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد