“وسائل الإعلام تُعد أقوى كيان على وجه الأرض؛ فلديها القدرة على جعل الأبرياء مُذنبين، والمُذنبين أبرياء، وهذا في حد ذاته قوة، لأنها تتحكّم في عقول العامة”. مالكوم إكس

 

أثار التقرير الأخير لمنظّمة هيومان رايتس وواتش بعنوان “حسب الخطة: مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر”، بشأن فض اعتصامي رابعة والنهضة في ذلك التوقيت من العام الماضي، عاصفة مدوّية من الانتقادات وردود الأفعال الغاضبة في مصر، جَعلت الحكومة المصرية أو المسؤولين الحكوميين يشنّون هجوماً غير مسبوق على تلك المنظّمة التي تصف نفسها بأنها “منظمة دولية مستقلة تعمل في إطار حركة قوية تهدف إلى حماية الكرامة الإنسانية ومناصرة قضية كفالة حقوق الإنسان للجميع”.

 

أسفر ذلك الأمر عن منع اثنين من كبار المسؤولين بتلك المنظمة من دخول مصر بغرض إقامة مؤتمر صحفي يعلنون فيه نتائج تقرير امتد لـ 195 صفحة تقريباً هو ثمرة عام كامل من البحث والتمحيص وتقصّي الحقائق حول ما حدث في شهري يوليو وأغسطس من عام 2013.

 

“المعركة” أو القصف بـ “المدفعية الثقيلة” – على حد قول مانشيتات بعض الصحف المصرية المستقلة – بين المنظمة الدولية والحكومة المصرية أمر طبيعي ومتوقّع، لاسيما وأن التقرير يتضمّن، وبشكل صريح، إدانة كبيرة للمسؤولين من رجال الشرطة والقوات المسلحة، على رأسهم وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم ووزير الدفاع وقتذاك، المشير عبد الفتاح السيسي، إلى جانب بعض المسؤولين الآخرين.

لذا لم تصبني الدهشة وأمارات التعجّب وأنا أقرأ بيان الهيئة العامة للاستعلامات واصفة التقرير بأنه “سلبي” و “متحيز” وغيرها من الصفات الأخرى التي تقلّل من أهمية التقرير وتوصمه بأشد العبارات.

 

 

لكن، أن تقحم وسائل الإعلام، سواء كانت مرئية أو مطبوعة، نفسها في معركة تكسير العظام هذه، متقمّصة دور المدافع عن الدولة ضد استعمار أجنبي ذي أطماع وتوجّهات معروفة داعمة للإرهاب وقلب نظام الحكم وزعزعة استقرار البلاد، وغيرها من الكلمات الرنانة الأخرى التي تدغدغ المشاعر وتلهب حماس العامة دون أي اعتبارات مهنية أو موضوعية أو حتى منطقية، هو أمر مثير للشفقة ويبعث على الأسى والحزن!

 

 

بغض الطرف عن قائمة السُباب الطويلة التي تضمّنت كلمات من قبيل “المنظمة الحقيرة” و”المشبوهة” و”الراعية للإرهاب” و “الجاسوسة” و”الموالية لجماعة الإخوان المسلمين” بغرض وصف المنظمة الحقوقية، ومنها مَا وصفت التقرير نفسه بأنه “سخيف”، وغيرها من الكلمات التي تفنّن مذيعو ومحاورو برامج “التوك شو” في إلصاقها بمنظمة هيومان رايتس ووتش، فإن الجرائد الحكومية والخاصة كذلك أجمعت على مهاجمة التقرير والمنظمة الدولية، إما بطريقة مباشرة أو حتى غير مباشرة.

 

 

 

الطريقة المباشرة تمثّلت فيما فعلته صحيفة الأهرام المملوكة للدولة يوم 13 أغسطس الماضي، من خلال إفراد صفحة كاملة تَعرض فيها ردّ الهيئة العامة للاستعلامات على التقرير وكذا رأي جماعات حقوق الإنسان في مصر والتي ترفض “ازدواجية” معايير هذه المنظمة و”تَسييس” التقرير، فضلاً عما يسمّى بتحليل إخباري بعنوان “كارت أحمر مستحق!” وهو أقرب إلى مقالة الرأي منه إلى التحليل الإخباري السليم.

 

حيث دأب كاتبه على تشويه المنظمة واستعراض تاريخها المشين. أما الطريقة غير المباشرة فتمثّلت في التركيز أكثر على ردّ هيئة الاستعلامات ووزارة الداخلية على مَنع مسؤولي المنظمة من دخول البلاد، فضلاً عن إبراز مقابلات صحفية مع حقوقيين يدينون التقرير، وتهميش إن لم يَكن الإغفال التام عن التواصل أو معرفة رأي أعضاء أو مسؤولين بالمنظمة الحقوقية، ناهيك عن محاولة التشكيك في مصداقية التقرير من خلال إبراز صحف الأهرام واليوم السابع لأحد الأشخاص الذين ولي الحقائق!

 

ولكن يَتبقى السؤال الذي أغفلت كافة وسائل الإعلام عن طرحه إما عن عمد أو غير عمد، هل تقرير هيومان رايتس ووتش عن أحداث رابعة والنهضة “غير موضوعي” أو”منحاز” أو أغفل العديد من الحقائق الهامة؟

 

من وجهة نظري الخاصة التي تحتمل الخطأ مثلما تحتمل الصواب، سأحاول في عجالة الردّ على الاتهامات التي وجّهتها الدولة ووسائل الإعلام المصرية المختلفة للمنظمة وتقريرها، نابع عن قراءة متأنية للتقرير بأكمله وكذا قراءة تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي نُشر في 16 مارس 2014.

 

أولاً: أشار بيان الهيئة العامة للاستعلامات أن التقرير كشف عن عدم مهنية كوادر المنظّمة بالاعتماد على شهود مجهولين ومصادر غير محايدة وغير موثوق فيها، كما أشار البعض إلى أن المنظمة “لا تكترث بالروايات الرسمية أو البيانات الحكومية … بينما المعلومات الوحيدة التي تعتمد عليها هي التقارير التي يكتبها نشطاء ومندوبو المنظمة في الدول المختلفة، وهم معظمهم نشطاء سياسيون ومسيّسون لا خبرة لهم” على حد قول الكاتب “هاني عسل” بتحليله الإخباري في جريدة الأهرام بعنوان “كارت أحمر مستحق!”.

 

إحقاقاً للحق، وثّق تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش لكافة مصادره طوال صفحاته العديدة، وكان يتم حجب بعض الأسماء حفاظاً على سلامة مَن تم إجراء المقابلات معهم، وفقاً لما أسرده التقرير بجزء “منهجية البحث”، وكانت جميع المقابلات باللغة العربية منعاً لحدوث أي لَبس في الترجمة أو ما شابه، علماً بأن مجموع المقابلات جاوز الـ 200 من الشهود منهم “المتظاهرون والأطباء وعاملون آخرون بالحقل الطبي وصحفيون ومحامون وسكان لمناطق الأحداث”، بالإضافة إلى إجراء مقابلة مع أحد كبار ضباط الشرطة وقناص من قسم الأزبكية في اشتباكات يوم 16 أغسطس 2013 بميدان رمسيس.

 

ناهيك عن مراجعة الأدلة المادية وساعات من مقاطع الفيديو وتصريحات مسؤولين بالحكومة، وهو ما يَنفي الادعاء السابق، كما قامت هيومان رايتس ووتش بالكتابة لـ “وزارة الداخلية ومكتب النائب العام ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية والسفارة المصرية في واشنطن، والبعثة المصرية في نيويورك بتاريخ 12 يونيو/حزيران 2014 للتعرف على وجهات نظر الحكومة المصرية في القضايا التي يغطيها التقرير.

 

وأرسلت هيومان رايتس ووتش خطابات متابعة بتاريخ 8 يوليو/تموز 2014.. أُرسلت الخطابات بالبريد العادي والإلكتروني والفاكس وتم تأكيد تسلّمها. وبينما رد مسؤولو وزارة الخارجية مشيرين إلى اتصالهم بوزراء آخرين فيما يتعلق بمطلب هيومان رايتس ووتش، إلا أن المنظمة لم تتلق حتى الأول من أغسطس/آب 2014 أي رد على أسئلتها.”

 

 

الغريب في الأمر لا يتمثّل فقط في عدم الردّ من جانب مسؤولي الدولة على المنظمة الحقوقية، ولكن في عدّم توقع وسائل الإعلام المصرية لهذا الأمر، لاسيما أنه حدث بحذافيره أثناء كتابة تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن تلك الأحداث؛ حيث خاطب المجلس “وزارة الصحة ووزارة الداخلية ومصلحة الطب الشرعي ومكتب النائب العام.

 

فلم تتلق اللجنة أية إفادات من كل من مكتب النائب العام ووزارة الصحة اللذين امتنعا عن الإدلاء بأية معلومات حول الحادث، في حين تأخرت وزارة الداخلية في الرد على طلبات اللجنة، ثم قامت بإرسال ملف اللجنة عن كل الأحداث التي وقعت منذ 13 يونيه 2013، وأشارت إلى أحداث رابعة بتقرير تضمّن عدد الأشخاص المقبوض عليهم ونوعية الأسلحة المضبوطة وعدد الضحايا من الطرفين، بالإضافة لمقاطع فيلمية لعملية فض الاعتصام، ولم يتضمّن الملف المرسل الخطة الأمنية المنفّذة في عملية فض الاعتصام.” ويَعني هذا أن عدم ردّ المسؤولين الحكوميين في المجمل حتى مع الهيئات المحلية الغنية عن التعريف، أمر شائع الحدوث ولا يعني بالضرورة التحيّز نحو رأي أو طرف ما على حساب الطرف الآخر.

 

ثانياً: أشار كذلك بيان هيئة الاستعلامات أن تقرير المنظمة الحقوقية تغاضى عن عمد الإشارة إلى وقوع “المئات من شهداء الشرطة والقوات المسلحة والمدنيين من جراء أحداث العنف والإرهاب … كما أغفل حقيقة مهمة وهي أن أول من سقط خلال فض الاعتصام هو شهيد من الشرطة أصيب بطلق من سلاح ناري”. في واقع الأمر، ذكر التقرير أن بعض المتظاهرين كانوا مسلحين، ومنهم “المئات” الذين ألقوا بالحجارة وزجاجات المولوتوف على الشرطة بمجرد بدء الهجوم، كما “فتح المتظاهرين النار على الشرطة في عدد محدود على الأقل من الوقائع”.

 

وذكر التقرير كذلك، نقلاً عن مصلحة الطب الشرعي التابعة للحكومة، قتل ثمانية ضباط شرطة أثناء فض اعتصام رابعة. ولكن، وفقاً لشهادة الشهود بالتقرير، كان عدد الأسلحة في أيدي المتظاهرين “محدودًا”، كما استشهد التقرير بتصريح اللواء محمد إبراهيم في 14 أغسطس 2013 بأن عدد الأسلحة التي صادرها الأمن كان 15 بندقية في اعتصام رابعة، وكذا بتصريح المشير السيسي الذي أشار فيه إلى أن وجود “20 أو 30 أو 50 شخص يطلقون النيران الحية أكثر من كاف في اعتصام بهذا الحجم”.

 

أما عن الجزء المتعلق بسقوط أول شهيد في تلك الأحداث وهو من صفوف الشرطة أثناء قيامه بتحذير المتظاهرين عبر مكبّرات الصوت، فنجد أن التقرير أشار إليه بالفعل؛ حيث إنه السند الذي اعتمده تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، للقول إن المتظاهرين هم من بدأوا بإطلاق النار في الصباح، ولكن تقرير هيومان رايتس ووتش ذهب إلى أن عشرات الشهود أكدوا على أن من فتح النار بالذخيرة الحية على حشود المتظاهرين “السلميين في غالبيتهم” منذ الدقائق الأولى لعملية الفض، هم قوات الأمن والقناصة.

 

وطبيعي أن يكون هناك تضارب في هذا الأمر، فكل طرف سيحاول أن يُلقي بلائمة بدء شرارة العنف على الآخر، وانتهى التقرير في موضع آخر إلى الآتي: “وبينما لا يمكن لهيومان رايتس ووتش التثبّت من صدور الطلقات الأولى في ذلك اليوم (14 أغسطس/ فض رابعة) من قوات الأمن أو من متظاهرين مسلحين، إلا أن المقابلات مع أكثر من 100 شاهد، وبينهم سكان للمنطقة غير متعاطفين مع المتظاهرين، تؤكد لجوء قوات الأمن إلى إطلاق النيران على نطاق واسع منذ الدقيقة الأولى للفض”.

 

ثالثاً: ذَكر أيضًا بيان هيئة الاستعلامات أن التقرير غض الطرف عن تشكيل لجنة برئاسة الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض القاضي الدولي الغني عن التعريف لتجميع وتوثيق أحداث العنف منذ 30 يونيو 2013 وحتى الآن لتحديد الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وهو ما يعني أن استباق المنظمة لنتائج عمل هذه اللجنة يعد “انتهاكًا لمبدأ سيادة الدولة وتدخلًا سافرًا في عمل جهات التحقيق والعدالة.” وردًّا على هذا الاتهام “الغريب”، هناك تساؤل ملحّ للغاية: لماذا لم تقل هيئة الاستعلامات الأمر نفسه عن تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي صَدر قبل بضعة أشهر؟ لماذا لم يتم وَصف توصيات وتحقيقات منظمات المجتمع المدني المصري بأنها انتهاك لسيادة الدولة؟

 

بل الأغرب من هذا وذاك، أن تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان ذكر في متنه أنه اطّلع على البيانات والتقارير الأوّلية الصادرة عن منظمة هيومان رايتس ووتش، كما أن بعض توصيات ونتائج تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان هي نفسها تقريبًا التي توصّل إليها تقرير المنظمة الحقوقية الدولية، لاسيما لجهة نقاط الاستخدام غير المتناسب للقوة من جانب الأمن وعدم تحذير المتظاهرين قبل الفض بوقت كافٍ وأيضًا فيما يتعلّق بعدم تأمين الممر الآمن!

 

رابعاً: أفاد بيان هيئة الاستعلامات إلى اتخاذ السلطات المصرية إجراءات الفض بشكل موضوعي وفقًا للمعايير المتبعة عالميًا، لاسيما لجهة محاولة التفاوض مع قيادات الإخوان على مدار 47 يومًا وصدور قرار فض الاعتصام من النيابة العامة وتوفير ممر آمن لخروج المعتصمين، والاستخدام التدريجي للقوة من قبل عناصر الأمن وفقاً لرد فعل المعتصمين، وغيرها. وفي حقيقة الأمر، أغفل البيان نقطة في غاية الأهمية، رغم أنها في صميم المعايير الدولية التي يفترض اتباعها في مثل هذه الحالات، وهي الخاصة بالاستخدام غير المتناسب للقوة والأسلحة الكثيفة من جانب قوات الأمن.

 

وهو ما أشار إليه تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان وكذا تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، الأمر الذي أسفر عن وقوع أكثر من 600 قتيلاً في الرواية الرسمية للدولة وأكثر من 800 قتيلًا وفقًا لتقرير المنظمة الحقوقية الدولية، معظمهم جراء استحدام القوة المميتة دون تمييز وأيضًا بطلقات في الرأس والصدر. أيضًا، اتفق التقريران السابقان على أن تحذير المتظاهرين قبيل فض الاعتصامين لم يكن كافيًا؛ حيث لم تتجاوز فترة التحذيرات باستخدام المكبّرات الصوتية والنشرات التي تُلقى على المتظاهرين من الطائرات التي تطير على ارتفاع منخفض سوى 25 دقيقة، بعدها بدأ الهجوم.

 

ناهيك عن عدم تأمين الممر الآمن الوحيد في أثناء فض اعتصام رابعة، وهو شارع النصر، حتى الساعة الثالثة والنصف عصرًا وفقًا لتقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان. وفوق هذا وذاك، استشهد تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش بتصريح اللواء محمد إبراهيم في أحد المؤتمرات الصحفية يوم 14 أغسطس 2013 بتحقيق “معدل الوفيات الدولي البالغ 10 بالمئة عند تفريق الاعتصامات غير السلمية”، وهو ليس له وجود على أمر الواقع، وفقاً للمنظمة!

 

خامساً: حاولت بعض وسائل الإعلام التشكيك في نزاهة ومصداقية تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش المتعلقة بالصحفي “ماجد عاطف” الذي أجرت المنظمة مقابلتين معه؛ حيث صرح الأخير بأن شهادته قد زُوّرت وحُرفت؛ حيث إنها تتمحور حول سقوط أول ضحية من ضباط الشرطة في أثناء فض اعتصام رابعة، وهو الدليل نفسه الذي استند إليه تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان حول من بدأ أولاً بشرارة العنف وترتب عليه الأحداث الدموية فيما بعد.

 

وقال “عاطف” إنه لم يَلتق بممثّلي المنظمة سوى مرة واحدة وليس مرتين كما ذكرت الأخيرة، كما أنه لم يحدّد توقيتًا معيّنًا لهذه الواقعة التي شهد عليها، ما يعني ادعاء المنظمة الدولية كذبًا عليه. وفي هذا الصدد، كانت منظمة هيومان رايتس ووتش قد ذكرت إنها لم تستطع التحقّق من رواية “عاطف”؛ لأنه في مقابلتين معها نسب وقت إطلاق النار إلى توقيتين مختلفين أحدهما في الحادية عشر أو الحادية عشر والنصف صباحًا والآخر بين الواحدة والثانية عصرًا.

 

الغريب في الأمر، أن التسلسل الزمني لهذه الواقعة التي اعتمد عليها تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان أشار إلى حدوثها قبل الساعة الواحدة ظهرًا، في حين أن التوقيت الذي اعتمد عليه تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والذي بدوره أجرى مقابلة شخصية مع “عاطف” كان قد أشار إلى وقوعها في الساعة الثانية، أي أن الصحفي المصري ذكر في مقابلتين مختلفتين توقيتين متغايرين عن الشهادة نفسها ولم يقم هو بإثارة أي ضجة أو بلبلة على افتراض أنه قال الحقيقة لأحدهما قبل أن يحرفها المصدر الآخر.

 

إذن لماذا يسبّب الآن مثل هذه الضجة لمنظمة هيومان رايتس ووتش لمجرد أنها شكت في أنه يقول روايتين متضاربتين؟ وبعيداً عن البلبلة المتعلّقة بميعاد الواقعة السابقة، أشارت المنظمة الحقوقية الدولية في بعض المواضع الأخرى بالتقرير إلى شهادات أخرى للصحفي “عاطف” نفسه، ولم يعترض هو عليها، إذن لماذا هذه الضجة الإعلامية التي بلا طحن للتشكيك في مصداقية التقرير ككل؟

 

أخيرًا وليس آخرًا: ركّزت بعض وسائل الإعلام على تاريخ منظمة هيومان رايتس ووتش وأيديولوجية مؤسّسها “روبرت بيرنشتاين”، وكيف أنها منظّمة تعودت على دس أنفها في شؤون الدول والحكومات، زاعمة بأن المنظمة “خَرست” تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة وسكتت عن فضائح القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان وغيرها من سقطات هذه المنظمة “المسيّسة” بوجه عام. ولم يألُ مروّجو هذه الادعاءات أي جهد في التحقّق من هذه المزاعم؛ حيث أن واحدًا من أكثر الانتقادات التي توجّه لمنظمة هيومان رايتس ووتش تتعلّق بمعاداتها للسامية وهجومها على إسرائيل المتكرر، ولم تعرض وسائل الإعلام هذه بطبيعة الحال ردّ المنظمة حول هذه الاتهامات.

 

وهو ردّ كفيل بإطالة هذه المقالة أكثر وأكثر، ولكن يمكن الاطلاع عليها على صفحات الإنترنت في العديد من المصادر المفتوحة. أيضًا، أشارت المنظّمة نفسها في التقرير ذاته إلى هجوم العديد من أنصار جماعة الإخوان المسلمين على كنائس وأقسام شرطة في يوم 14 أغسطس 2013، وهو ما ينفي عنها الانحياز للجماعة وإلا على أقل تقدير كانت قد أخفت مثل هذه النتائج التي تدين المتظاهرين بوجه عام!

 

كلمة أخيرة، قد لا يكون تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش تقريرًا متكاملًا، فدائماً هناك قصور في مثل هذه التقارير، ولكن، على أقل تقدير، جاء التقرير بمنهجية علمية ومهنية واضحة في مجمله، حتى إنه جاء أكثر مهنية – في تقديري – من التقرير الصادر عن المجلس القومي لحقوق الإنسان، لذا فإن تلك الحملة الشرسة من وسائل الإعلام المصرية ليس لها ما يبرّرها طالما ابتعدت عن المهنية وارتأت استخدام الكلمات الرنّانة والعبارات المطّاطة في وصف هذا التقرير دون التمعّن والتمحّص في كل كلمة قيلت به، بل إنني أكاد أجزم أن العديد من الصحفيين والإعلاميين لم يقرأوا هذا التقرير من الأساس وإنما ساقوا نقدهم بناءً على العنوان فقط، وما أكثر هؤلاء الصحفيين والإعلاميين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد