تدور وجهة النظر هذه في ذهني منذ فترة ليست بقصيرة وذلك من ملاحظات مباشرة وغير مباشرة للعمل الإعلامي المنشور والمنظور، ولاسيما الإعلام الذي يعلن عن تبنيه للشأن السوري وقضاياه المختلفة، ولكن الذي حرضني لكتابتها هو قراءتي لكتاب (المغالطات المنطقية في وسائل الإعلام) لمؤلفه أحمد دعدوش. وقلت في نفسي ماذا لو أردنا تسليط الضوء على المغالطات غير المنطقية في الإعلام اليوم، لاسيما وقد غدت مهنة الإعلام والعمل الإعلامي ساحة مفتوحة للراغب والهاوي على حساب المتخصص والموهوب.

بعد أن تطور الإعلام وتطورت أدواته وأساليبه بشكل تراكمي وانسجامًا مع حركة تطور المجتمعات ووتيرة تنميتها ونظام عملها وحياتها، فقد كانت الحالة الأكثر تفاعلًا مع الحالة المجتمعية بموجبها وسالبها، ومهما كان اتجاه سهم التطور وميوله، وفي السياق ذاته تفاعل الإعلام بشدة مع التطور الهائل والسريع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشتى أنواعها وانعكس ذلك على الأدوات، والوسائل والمحتوى، والاستهداف من أجل الوصول للجمهور المراد مخاطبته، وهنا تبدّى ضعف إن لم نقل عجز الوعاء التقليدي للإعلام عن مواكبة هذا التغير السريع والمخيف . هل هي ثورة في المعلومات؟ أم ثورة في الاتصالات؟ أم ثورة في التفكير؟ ولماذا انتجت هذه الفوضى وهذا الارتباك في عملية الإعلام برمتها، من الألف إلى الجمهور. ونظرًا لأهمية واتساع وتشعب الموضوع سأحاول المرور على ما أراه يعاني من مغالطات في الإعلام المحيط بنا عبر إشارات بعيدة عن التفصيل.

هل وظيفة الإعلام والإعلامي استغلال المشاعر وإثارتها فقط بغض النظر عن الوسيلة والطريقة والموضوع والمحتوى والإعلامي (المقدم، المحرر…)؟ أم هناك توظيف لخدمة غرض ما؟ هل يكتفي الإعلام بالإخبار فقط؟ أم هناك أهداف مخططة تستهدف الرأي العام والجمهور؟

دعونا نقول البداية تكون من فهم دور الإعلام، ثم ننتقل إلى المؤهل العلمي أو المحتوى المعرفي ولطالما أن لكل مهنة محتوى معرفي خاص بها  تقدمه الكليات والمعاهد الجامعية كمهنة الصيدلة والهندسة والمحاماة، كذلك الإعلام له محتوى معرفي خاص به تقدمه كليات ومعاهد وأكاديميات الإعلام، وهنا يمكنني ملاحظة أن العمل الإعلامي اليوم فيه الكثير الكثير من الهواة وربما هناك أسباب مختلفة قد لا تكون وجيهة ومنطقية لدخولهم مهنة الإعلام، لكنها حتمًا لا ترقى لمستوى الأسباب المهنية ، فهل ساهمت التكنولوجيا الحديثة في إتاحة هذه المهنة للجميع؟ أم هناك أسباب أخرى تتعلق بالمعايير وشروط الممارسة وقيم احترام الذات واحترام قيم العمل؟ ربما الانتقال المنطقي سيقودنا إلى المهارات بعد المعارف في حضرة الإعلام المعاصر، فهل هناك (كاريزما) هدية من الله لشخص بعينه مضمونها أنه إعلامي بالفطرة والخلق؟ أم هناك مهارات متفق عليها وفق معايير مهنة الإعلام يجب على الإعلامي التحلي بها وتطويرها باستمرار؟ يمكننا أن نسوق مثالًا حول مقدم برامج تلفزيونية وكيف أن وسامة (ه/تها) سبب لازم وكاف لأخذ هذا الدور الحيوي والهام جدًا، وذلك بغض النظر عن قدرته على التعبير أو مهارة الاستماع لديه أو فن إدارة الحوار أو تعافيه من عقدة الضيف العدو أو الضيف الثقيل، وكذلك بعيدًا عن ذكاء الجسد وتفاعله مع الفكرة والحوار ، فليس بكل الحالات طلاء الأظافر الذي يضيء الأصابع الأنيقة لمقدمة البرامج يخدم الفكرة، بل أحيانًا يشتت التفكير.

ربما يقودنا ما تقدم لبلورة الفكرة أكثر ونطرح قضية هل العمل الإعلامي عمل مؤسسيأم نجده عمل فردي ومتاح لكل من لديه منصة تواصل اجتماعي، أو علاقة مع متنفذ إعلامي، أو لسان طويل أو داعم مالي وفير؟ هذا يوصلنا إلى معايير الاختيار والتعيين في العمل الإعلامي ومؤسساته المختلفة. ماذا لو نظرنا حولنا اليوم في وفرة المنصات والقنوات الإعلامية، كم من كاتب أو محرر أو ناشر يعرف أمين التحرير أو رئيس المنظمة أو مدير القناة والأهم معرفة الداعم، ويراكم في آذان وعيون القارئ الكثير من الخراب والهراء الذي فقط يزيد من تسارعنا في الحلقة المفرغة.

دعوني أذكر على سبيل الملاحظة البناءّة كيف يتم تعيين وتوظيف الإعلامي في مؤسسات العمل الإعلامي بعيدًا عن معايير الكفاءة وإجراءات التفاضل والتسابق بالمهارات والمؤهلات وقريبًا من معايير المحسوبية والتوسط والابتزاز وانتشار ظاهرة العائلية والأسروية، وكلما ابتعدت المؤسسة عن المعايير الحقيقية كلما اقتربت من الفشل.

وربما الفكرة متصلة مع سابقتها حين نتحدث عن التخصص أو الشمولية والعموميةفي الإعلام، وهنا بعض الإدارات تستعين بنشاط التدريب لأغراض غير تدريبية على أهميته وضرورته لكل الكوادر الإعلامية وبشكل مستمر، لكن الإدارات تستدعيه حين يخدم غرضها الإداري وتستبعده حين تخطب بالعاملين حول التقشف وخفض التكاليف وضغط الميزانيات وشد الحزام على بعض البطون ، وعلى سبيل المثال والذكر فقط وإبان نقاش حول المحتوى والأداء لإحدى المنصات (التلفزيونية أو ربما إعلام اجتماعي) العاملة في الشأن السوري وليس مهم الإشارة للجهة بقدر ما نود الإشارة للعقلية فقط. سأل أحد الحضور عن أحد البرامج التي كان مهتم لشأنها، جاء الجواب البرنامج توقف والآن يبحثون للمقدم عن برنامج آخر.

أين الخطة والتخطيط؟ وبالتالي فإذا لم يكن هناك طريق نسير عليه وطريقة نسير بها إلى أين نحن نتجه؟ الهدف.

من غرر بنا في العمل الإعلامي وقال لنا إن هذا العمل لا يحتاج إلى إدارة على أسس علمية وعملية ولا يحتاج لتنظيم الجهود وترتيب المسؤوليات وحشد الطاقات للوصول للهدف، وما نفع التوجيه والتحفيز لطالما التعيين والترقية بلا معيار والأداء بلا تقييم؟ وطالما أن الأمور تسير بقدرة قادر وتوجيه ممول ومزاجية صاحب العمل.

فهل نضع اللوم كل اللوم على التقنية والتكنولوجية ونتهمها بأنها هي التي صادرت دور النخبة والقدوة في التأثير بالرأي العام؟ أم نواجه أنفسنا ونعترف بقصورنا لناحية استثمار هذه التقنية الثائرة لدعم أهدافنا وعملنا الإعلامي.

ولعلي اختم وجهة النظر هذه بسؤال لكل المنصات الإعلامية التي تنادي بالشأن السوري وقضايا الشعب السوري وثورته التي شكلت حالة اختبار حقيقية لكل ما هو سوري سواء كان عملًا أو جهدًا أو فردًا ينتمي لهذا المقدس (سوريا).

إلى أي درجة يمكنكم تسليط الضوء بشكل صحيح على هذه القضايا؟ إلى أي درجة أنتم مستقلون بالتعبير عن الشخصية السورية ومستقبلها؟ ما مدى مساهمتكم في تسويق قضايا السوريين ومعاناتهم للرأي العام؟ ماذا تردون على من يقول إنكم فشلتم في تمثيلنا وربما شوهتم مطالبنا وتطلعاتنا؟ إلى درجة أنتم راضون عن إدارة الأداء في مؤسساتكم الإعلامية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات