تُعدّ وسائل الإعلام المُختلفة من أهمّ الاختراعات التي التي سهّلت للإنسان تواصله مع الأخر وتوثيقه لتاريخه وتبادل المعلومات، إضافة إلى اطّلاعه على مُجريات الأحداث الإقليمية والكونيّة، ولقد تطوّر العالم مُقارنة بما كان عليه سابقا، وكان ذلك نتيجة لعدّة ثورات، منها ثورة تطور وسائل الاعلام والاتصال عبر فترات زمنيّة مُتلاحقة؛ مما أثّر بشكل كبير في إنشاء قنوات فضائية وإذاعات وتأسيس صحف ومجلات، بمُختلف الأغراض والأهداف والأدوات، حيث شملت المقروء والمسموع والمرئي.
ويُعرّف الإعلام أنه العمليّة التي يتمّ فيها نشر الأخبار والحقائق والآراء والأفكار أيضا. كما يُعرّفه الألماني أوتوجروت المُختصّ في الإعلام «هو التعبير الموضوعي لعقليّة الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت».
لذا فإن كل هذه الوسائل تُساهم في إطلاع المُتلقي ومعرفة الأمور المُتنوعة والمختلفة في جميع المجالات، وهي تُحقق ذلك في إطار سعيها الدائم للسيطرة على الوقت الأكبر لدى جمهورها والإستجابة لتطلُعات الحشد الأكبر من مٌتابعيها ومن ثمّ البحث المُستمر عن مختلف سُبل تكيّفه مع  المُستجدّات العالمية والقومية والمحليّة.
لكن لنا أن نتساءل عن دورها في تشكيل ذهن المُتلقي ومدى تأثيرها على المجتمع؟
إن للإعلام قوة وتأثيرًا واضحًا عبر وسائله في التغييرات التي تطرأ على المجتمع، وذلك من سمات الإعلامي المُستقلّ في مهام التغطية الوارفة المعالم، لتَشمل الحرية والمسؤولية والدقّة في المعلومات، إضافة إلى المصداقية وعدم الانحياز.
وتساهم وسائل الإعلام في تشكيل تصوّراتنا الذهنيّة أو بالأحرى خلق صور مٌعينة عبر جهود كثيفة ومُستمرّة لما يُحيط بنا من وسائل اتصال أخرى، ذلك أن الإعلام (التقليدي) من قنوات فضائية وإذاعات وصحف، يظلّ في سعي دائم للتواجد والانتشار بين وسائل الإعلام والاتصال (الجديد) مثل «فيسبوك» و«تويتر» والمُدوّنات الإلكترونية، لمزاحمة التفاعل الذي جذب إليه جمهور لا بأس به، وبالتالي فإن وسائل الإعلام تعمد لامتلاك صناعة الصورة الذهنية وتشكيلها من خلال خلق العديد من الأسباب، منها المكاسب الماليّة والسيطرة الإقليمية، في ظلّ صِراعات إيديولوجية تنفذ إلى ثقافة الشعوب وتُحدث ذلك الأثر البالغ على شرائح مختلفة.
وحسب معطيات لشركات اتصال مثل شركة أوريدو يُوضح وليد السيّد الرئيس التنفيذي:
إنّ 74% من الشريحة العُمرية ما بين 20 و40 سنة يقضون ما يُناهز أربع ساعات يوميًا على الهواتف الذكيّة، وهذا حتما يدلّ على أن الجيل الحالي لا يُشاهد التلفزيون ولا يستمع إلى النشرات الإخبارية، ما يزيد الحاجة إلى إيصال المعلومة بطريقة مُبتكرة، وهذا أكبر تحدّ قائم لوسائل الإعلام في ظلّ هيمنة مضادة تمليها وسائل الاتصال الاجتماعي.
ويرى محمد أبو عاقلة المدير التنفيذي للتكنولوجيا والعمليّات لشبكة الجزيرة أن تلفزيون المستقبل هو ثورة جديدة، إذ سيكون بالإمكان في المستقبل القريب، تعديل الموادّ التلفزيونية بصورة شخصيّة، لك أن تتخيّل مجرّد إغلاق عينيك لمشاهدة فيلم من خلال عدسات لاصقة ذكيّة بامكانك تغيبر القناة بمجرد ترميش عينيك.
ويُضيف أبو عاقلة أن بحلول عام 2070 ستكون التقنيات السحابية أغلى من النفط وستُتيح الوصول إلى أيّ معلومات من أي مكان في أيّ وقت.
هذا يعني أنّ الاعلامي يواجه تحديات كبرى، لمواكبة التطوّر التقني المُتسارع، لما له من دور حيوي ومميّز في كافة المجتمعات. فلا مناص من لجوء أي فرد في التعرّف على ما يحيط به من أحداث ومواكبة الأخبار سواء سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو غير ذلك، وبالتالي فطريقة عرض المعلومات في حدّ ذاتها رهان بالغ الأهميّة لما يستحوذه من صناعة بشكل عالمي ومُقوّمات التكيّف في زمن العولمة.
وفي خضم كل هاته المعطيات هناك أحداث محوريّة تستحق البراهين والغوص فيها دون عطب للحقيقة وحرص على استراتيجية هاته الوسائل في ظلّ صراعات عالمية تنعتق من المواثيق الدولية لهذا المجال لتوزّع متاهات معلوماتية تخترق ذهن المتلقي وتتلاعب بالعقول.
وفي هذا الصدد يشير عالم الاجتماع الامريكي هربرت شيللر صاحب كتاب «المتلاعبون بالعقول» حيث يتطرّق الى التضليل الإعلامي والوعي المُعلّب، وأيضًا صناعة المعرفة وكيفيّة التحكّم بالرأي العام، ويقول في نظرية «الإمبريالية الثقافية»:
إن الدول الغربية تسيطر على أجهزة الاعلام حول العالم، والهيمنة الثقافية الناتجة عن تلك السيطرة ستؤدي إلى تدمير الثقافات المحليّة وفرض القيم والمعايير الغريبة على شعوب العالم الثالث.
إن وسائل الإعلام أصبحت مؤسسات ضخمة تستخدم قوتها لصالح مالكيها وأجندات دولها، لتغدو أداة في يد البرامج السياسية والمشاريع الاقتصادية وذلك الدعم المُتّصل من الحكومات والمؤسسات التي تضخّ المال في سبيل تأطير  إقليمي، وذلك في أطار صراع أيديولوجي أو ما يُسمّى بصراع أصحاب النفوذ واقتسام المناطق الاستراتيجية لتُشكّل هيمنتها على الشعوب بمختلف ثقافاتهم وانتماءاتهم.
ورغم كل شيء تظلّ هناك هوّة سحيقة بين الدول المتقدمة والدول الصغرى، هي في امتلاك المعلومات ووسائل بثّها والتحكّم فيها كمّا وكيفا، بل يمكن القول أنّ الإعلام المعاصر يرتبط بإستراتيجيات الدول الكبرى وبفلسفتها السياسية والثقافيّة، وأيضًا باتجاهاتها الفكرية والاجتماعية.
ومكمن الخطورة يتمثل في أن الإعلام الدولي يهدف في الظاهر إلى تزويد الشعوب في دول العالم الثالث، خصوصًا بكمّ المعلومات، بعد تقصّي الحقائق والمصادر، بهدف إقناعها بعدالة قضايا الدول المرسلة للأخبار، وبالتالي تتبنّى هذه الجماهير مواقف تلك الدول. لكن في الحقيقة وبعد فترة زمنية تتضّح المعالم جيدًا، بفقدان تلك المعلومات للمصداقية فضلًا عن قدرة الإعلام الدولي على التأثير، بعرض بعض الأخبار وحجب بعضها، أو فبركتها للمادّة المُقدمّة، إضافة إلى صياغة مُلفتة للنّظر من أجل التواطىء مع جهة ما ودحض الواقع القائم.
وتعود العلاقة بين وسائل الإعلام وبلورة الصور الذهنية السياسية خاصة، إلى عدّة عوامل يمكن أن يستكشف الباحث فيها إلى عدّة نماذج على ضوء مُكونات أساسية للصورة الذهنية للمتلقي، وهي ثلاث ( المكون المعرفي، والمكون العاطفي والمكون السلوكي).
فهذه الوسائل شديدة التأثير بقدرتها على اضفاء المعاني وتسليط الأضواء على الأشياء والأشخاص والأحداث القائمة، بذريعة إيصال المعلومة. لكن لها من إمكانية الاستعانة بانفعاليّة المُتلقي بكفاءة تقنية عالية، وإصرار على توظيف المعلومة في سبيل مصالح سياسية واقتصادية.
ولقد حدثت تطورات تؤكد العديد من المخاطر والتحديّات التي تواجهنا وتُيّسر على الإعلام الدولي أن يعمد لاستغلال شبكات إعلامية محليّة لتحقيق أغراضه، خصوصًا في ظلّ نُقص المعلومات وعمليّات التمويه، ومن ثمّ تُشكل الصورة الذهنية.
وبالتالي فهناك مساحة قابلة للاختراق لدى الكثيرين، خصوصًا في ظلّ صراعات إقليمية وحروب قائمة وثورات عربية، وهذا يتبيّن تحديدًا في المجالات السوسيولوجية على نطاق واسع.
إذًا فالحقيقة أن من يملك الميديا يملك القدرة على قيادة العالم في المسار الذي يريد، وأن التلاعب بوسائل الاعلام هو تلاعب بالديمقراطية. لذا فامتلاك الصورة خاصة، صار بمثابة امتلاك السلطة. بل شكّلت في العقود الأخيرة رهان رجال الاقتصاد والسياسة في معاركهم، والورقة الرابحة لتولي المناصب وغير ذلك.
وكل هذا غيّر وجه العالم وشكّل إدراكه في مُربّع أبيض عليه جُلّ التساقطات الإعلامية كصياغة جاهزة لشتى الصور الذهنية «مُتحيزة أو غير مُتحيزة». ولكن يظلّ لوسائل الاعلام دور مُهمّ في تنمية وعي المجتمع والأكثر قدرة على دعم برامج التنمية الاقليمية خاصّة، وأيضًا على ترسيخ ثقافة التعاون والتكامل بين المجتمعات، فهل يُعتبر هذا هو الرّهان القادم في منظومة مُستقبلية ًما بعد بعد الحداثة»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد