“لا يُمكن لخطأ أو ضَلال ما أن يُصبح حقيقة واقعة من خلال الترويج المتكرّر له، ولا يُمكن للحقيقة أن تُصبح خطأ أو ضَلالاً لأن لا أحد يراها”

-مهاتما غاندي

 

استيقظ المصريون يوم الخميس (4/9/ 2014) على انقطاع كهربائي على نطاق واسع، شمل محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية وبعض المحافظات الأخرى في البلاد؛ مما أدى إلى تعطيل العمل بعدد من المرافق الحيوية منها المياه وقطارات الأنفاق وأيضًا توقّف الإرسال ببعض القنوات التلفزيونية والإذاعية بمدينة الإنتاج الإعلامي.

وبالرغم من عدم دهشة العديد من المصريين أول الأمر بسبب الاعتياد المتكرر على انقطاع الكهرباء في الآونة الأخيرة لساعات طويلة، وهو أمر – إحقاقًا للحق- ظهر جليًّا في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، واستمر حتى كتابة هذه السطور، إلا أن الجديد هذه المرة تمثّل في انقطاع الكهرباء على نطاق كبير في جميع أنحاء الجمهورية وفي وقت واحد؛ مما تسبّب في حالة من الهلع بين المواطنين اعتقادًا بأن يكون الأمر وراءه تخريب متعمّد، وهو ما نفته وزارة الكهرباء في أول تصريح لها عن هذه الأزمة.

ووفقًا لتصريحات وزارة الكهرباء والطاقة المتجدّدة ومصادر مسؤولة بالوزارة، فإن عطلاً فنيًّا بالدائرة 500 كيلو فولت غرب القاهرة قد حدث أثناء عمل مناورة لصيانة وتنظيف الشبكة؛ مما أدى إلى عزل شبكة الوجه القبلي عن الوجه البحري، وخروج بعض الدوائر ومحطات التوليد المتّصلة بخط سمنود- أسيوط، ومن ثم انقطاع الكهرباء في العديد من المحافظات.

المشكلة لا تتمثّل في “العطل المفاجئ” والإظلام التام لجمهورية مصر العربية، وتعطّل المرافق الحيوية، والشلل التام في الخدمات الرئيسة من مياه وقنوات تلفزيونية وإذاعية، وتوقّف البنوك والمصانع والمستشفيات والقطارات وغيرها فحسب؛ فمثل هذه الأمور حَدثت وما زالت تَحدث في أكثر البلاد تقدمًا في العالم.

ولا يسعنا هنا سوى أن نذكر أزمة انقطاع الكهرباء في مناطق شاسعة من ولايات الساحل الشمالي الشرقي بالولايات المتحدة الأمريكية، وأجزاء من مقاطعة أونتاريو الكندية في عام 2003، والتي عُرفت إعلاميًّا باسم “إظلام 2003″، وتأثر أكثر من 50 مليون مواطن أمريكي بالإضافة إلى 10 ملايين مواطن كندي بها؛ عاشوا جميعًا في ظُلمة حالكة توقفت معها حركة المرور في الشوارع وقطارات الأنفاق والمطارات الرئيسة وخدمات التليفون المحمول، وغيرها.

ولكن الأزمة الحقيقة في تعامل المسؤولين الكبار وكذا وسائل الإعلام المحلية بمختلف أيديولوجياتها مع أزمة كبيرة كهذه!

 

 

الأزمة الوطنية و”خطاب المصارحة”!

فور انقطاع الكهرباء على نطاق واسع بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003، تعامل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مع تلك الأزمة بأنها أزمة وطنية كبرى، مستبعدًا شبهة العمل الإرهابي.

كما بادر “جورج باناكس” حاكم ولاية نيويورك، باعتبار تلك الحالة حالة كوارث طارئة في الولاية التي لفّها ظلام دامس في ساعات الذروة أثناء خروج الموظّفين من أعمالهم، وسارعت وسائل الإعلام المختلفة بتسمية هذه الأزمة باسم “إظلام 2003″، دلالة على عمق تلك الأزمة وتداعياتها الكبيرة.

 

وعلى الرغم من تخبّط آراء العديد من المسؤولين الأمريكيين في بادئ الأمر حول سبب الأزمة، إلا أن هذا لم يَمنع بعض المسؤولين مثل “بيل ريتشاردسون” وزير الطاقة الأمريكي الأسبق، من انتقاد عدم كفاءة شبكة الكهرباء في أكبر قوة عظمى في العالم، واصفًا أياها بأنها تماثل تلك الموجودة في دول العالم الثالث!

 

وبسبب عاصفة الانتقاد اللاذعة التي وجّهتها وسائل الإعلام المحلية لإدارة الرئيس بوش وتعاملها مع الأزمة وذكر هذه الأزمة ببعض الأغاني والأعمال السينمائية والتلفزيونية وأيضًا ببعض ألعاب الفيديو شأن لعبة Watch Dogs وفيلم Deja Vu وغيرهما، مَرر الكونجرس الأمريكي قانونًا جديدًا لتنظيم الطاقة بالبلاد بعد ثمانية أشهر فقط من اندلاع الأزمة، مشجّعًا مصادر الطاقة البديلة بديلاً لأسعار الوقود المتزايدة ومصادر الطاقة الملوّثة.

 

ولم تتوان المؤسّسات الرسمية نفسها مثل وزارة الطاقة الأمريكية في انتقاد شبكة الكهرباء وتقديم التقارير الرسمية التي تُبرز ما يتكبّده الاقتصاد الرسمي من مليارات الدولارات جراء انقطاع الكهرباء!

 

وعلى الجانب الآخر، في دولة من دول العالم الثالث، خَرجت وسائل الإعلام المحلية في مصر لتتعامل مع أزمة انقطاع الكهرباء واسعة النطاق الأخيرة مثلما ينبغي لها أن تتعامل معها، منتقدة تصريحات المسؤولين في وزارة الكهرباء والتخبّط في آرائهم في بادئ الأمر حول سبب الأزمة، في حين سَمت بعض الصحف هذه الأزمة باسم “الخميس المظلم”، مجتهدة في معظمها لمعرفة أسباب الانقطاع في المقام الأول.

وبعد يوم من اندلاع شرارة الأزمة، أدلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بخطاب تلفزيوني غلب عليه طابع المصارحة بأبعاد أزمة الكهرباء تحديدًا، مطالبًا المواطنين بالـ “صبر والجهاد” للتغلّب على أزمة الكهرباء، منوّهًا إلى أن المشكلة لن يمكن التغلّب عليها في غضون أشهر قليلة، كما طالب الرئيس المواطنين بحماية مولّدات الكهرباء، وانتقد أيضًا عدم وجود محطّات كافية لتغطية احتياجات البلاد من الكهرباء وكذا عدم تحديث هذه الشبكة في السنوات الأخيرة.

وأرجع الرئيس السبب في ذلك إلى ضخامة التمويل المطلوب لتحديث شبكة الكهرباء، والتي ستتكلّف ما يقرب من 130 مليار جنيه خلال السنوات الخمسة المقبلة، ناهيك عن أن كل محطة كهرباء تحتاج وقودًا بـ 700 مليون دولار.

 

وانتقل الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه أيضًا إلى انتقاد تغطية وسائل الإعلام المحلية لأزمة الكهرباء، قائلاً: “لما ألاقي في الجرنال عنوان (الحكومة منورة)، تعامل الإعلام مع الأزمات لا يتم بأسلوب تاريخ المشاكل”.

 

وأضاف: “أصارح الإعلاميين اللي أنا مرتين كلمتهم على إنهم مهم كلنا نتكلم بلغة الفهم الحقيقي لحجم المشاكل، ثم نقول عرفنا، ونقول نقدر ولا مانقدرش، عشان نبقى عارفين وقادرين، مهم أوى نكون واعيين بمشاكلنا، ثم عارفين إننا نتغلب عليها وننجح”.

 

هل الإعلام حقًّا قَصّر في أزمة انقطاع الكهرباء؟

جيد جدًّا أن يتحدّث الرئيس السيسي بكل صراحة في أزمة انقطاع الكهرباء الكبيرة، لأنه مطلوب في هذه الفترة عنصر المصارحة بين المسؤولين والمواطنين. ولكن، ألم يَكن أولى أن يتطرّق الخطاب التلفزيوني إلى طَرح حلول جذرية لمسألة انقطاع الكهرباء، حتى وإن كانت ستأخذ وقتًا طويلاً، ولكن المهم التخطيط والسير على الطريق الصحيح، عوضًا عن مطالبة المواطنين بمراقبة مولّدات الكهرباء ومحوّلاتها؟!

 

نعم، تحديث شبكة الكهرباء سيتطلّب حتمًا استثمارات ومبالغ ضخمة، ولكنها ضرورية جدًّا، بل وحتمية إذا جاز التعبير؛ لأن ما من مستثمر جديد في البلاد سيقوم بضخ جنيهًا واحدًا في بلد ما إذا ما عانت الأخيرة من انقطاع مستمر في التيار الكهربائي، ومن غير المعقول أن يجلب المستثمر معه مولدات كهربائية بملايين إن لم يكن مليارات الدولارات حتى يقيم مشروعًا كبيرًا له بالبلاد؛ فأين هامش ربحه بعد ذلك إذا ما وضعه في شراء مولّدات كهربائية مثلاً، بخلاف الجدوى الفنية من وراء ذلك!

إذن فهذه المليارات التي ستُستثمر في بناء وتحديث شبكة كهرباء متطوّرة، سيُلحق بها بالتبعية استثمارات أجنبية وإقليمية وأيضًا محلية بمليارات الدولارات الأخرى، ناهيك عن رفع المعاناة عن كاهل المواطنين المقهورين الغلابة!

 

أما فيما يتعلّق بانتقاد السيد الرئيس للإعلاميين الذين ينتقدون الحكومة في تعاملها مع أزمة انقطاع الكهرباء، فهذا بالضبط دور الإعلام والصحافة منذ أن صكّ الأيرلندي “إدموند بيرك” مفهوم “السلطة الرابعة” Fourth Estate للمرة الأولى عام 1787، ليُطلق على الصحف أولاً قبل تعميم هذا المفهوم على وسائل الإعلام الأخرى. ووفقًا لمفهوم “السلطة الرابعة” فإن وسائل الإعلام مهمة جدًّا لجميع الدول؛ لأنها تعمل بوصفها قناة اتّصال بين الحكومة والشعب، كما أنها مقياس للرأي العام، وأخيرًا وظيفتها التحقّق من استخدام السلطة من قِبل الحكّام.

اتّفق مع سيادة الرئيس في أن الإعلام يجب عليه أولاً تحديد المشكلة ومعرفة أبعادها جيدًا، ثم بعد ذلك محاسبة المسؤولين عنها – إذا ما كان هناك تقصير من أي نوع- مع وضع حلول للمشكلة على لسان الخبراء والمحلّلين.

 

وإذا لم تَقم وسائل الإعلام الأمريكية بهذا الدور مع أزمة “إظلام 2003″، هل كان مقدّرًا مثلاً سَن قانون تنظيم الطاقة بعدها بفترة وجيزة؟ هل كان مقدّرًا مثلاً الاتّجاه نحو مصادر الطاقة البديلة كبديل عن مصادر الطاقة غير المتجدّدة، شأن الوقود الأحفوري والغاز الطبيعي وخلافه؟ كلها أسئلة نعرف جميعًا الإجابة عليها مسبقًا!

بوجه عام، ومن وجهة نظري الشخصية، نَجحت وسائل الإعلام المصرية في تسليط الضوء على أزمة انقطاع الكهرباء الأخيرة، مع محاولة معرفة أسباب هذا الانقطاع من المسؤولين المعنيين مثل وزير الكهرباء وخبراء الطاقة الكهربائية.

ولكنها قَصّرت في تسليط الضوء على ما يتكبّده الاقتصاد المحلي من جراء هذا الانقطاع، كما لم يتم التطرّق، أو على أقل تقدير، لم يتم التركيز على حلول مُجدية نافعة لمنع حدوث مثل هذا الانقطاع مستقبلاً، أو التوجّه نحو مصادر الطاقة البديلة بعيدًا عن الغاز الطبيعي أو الوقود الذي تعمل به 90% من محطّات الكهرباء في مصر، كما لم تَقترح وسائل الإعلام بأي صورة كانت تقديم مسودة قانون لتنظيم الطاقة على غرار القانون الأمريكي، أو تشريعًا ما ليكون جزءًا لحل المشكلة مستقبلاً، أو ما شابه!

 

في الختام، أزمة انقطاع التيار الكهربائي المتكررة ليست بالهينة، ويجب تكاتف الجميع حتى نعبرها بسلام، وستظلّ تتكرّر إذا لم يتم مواجهتها بحلول غير تقليدية وجذرية، بعيدًا عن سياسة الحلول المؤقّتة مثل اقتراض الوقود اللازم لعمل محطّات الكهرباء من الدول العربية، لأن الاقتراض لن يحلّ شيئًا، وإنما يجب التفكير في بدائل متجدّدة مثل محطات الطاقة الشمسية وخلافه.

 

أما الإعلام، فيجب عليه تسليط الضوء دائمًا على هذه المشكلة وإيجاد حلول لها، مع انتقاد المسؤولين المتقاعسين المقصّرين، حتى يتم اتّخاذ خطوات مجتمعية ضدهم. فهذه هي وظيفة الإعلام، ولكن أكثر المسؤولين لا يعلمون!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد