لا يماري عاقل في قدرة الإعلام على تشكيل الوعي، وإعادة ترتيب الأولويات لدى المتلقّين، ونحن في عصر يقوم الإعلام بدور كبير في ترتيب أولوياتنا وما نهتم به وما لا نعرف عنه أصلًا، بمعنى أنّك تتلقى من الإعلام ما يريده الإعلام لا ما تريده، أو تطوي صدرك اعتقادًا بوجوب معرفته، وهذا التقديم المقتضب يريك من نحن أمام رغبة الإعلام وقراره وتوجيهاته، وبما أنّ الإعلام قد خرج من السيطرة التامّة للأنظمة الشموليّة العربية، فقد زادت قدرة الإعلام على نشر ما يريد وبالطريقة التي يريد، ولا يماري في تأثير الإعلام يمواقعه وقنواته إلّا جاهل مغيّب عن الواقع وقضايا الساعة.

وكما أنّه لكل شيء سبب، فسبب كتابة هذه الكليمات ما حصل في الهبّة الأخيرة من تركيز على أشخاص بعينهم دون غيرهم، وتجاهل آلاف غيرهم يحملون القضية بصورة أفضل وأعمق، فمنذ أن قرأت ما كتبه الشهيد المقادمة في كتابه المعالم فقد تكرّست لديّ ورسخت القناعة التامّة بأننا شعب يعيش على ردات الفعل، ويتفاعل مع اللحظة الراهنة مقتطعًا إيّاها من سياقها، وفاصلًا لها عن ماضيها وحاضرها، وذلك ينسحب على كل قضية وملف يتعلق بقضيتنا الفلسطينية، ففي انتفاضة الأقصى، التي كان عمادها فتيان السكاكين كان الشهيد ينال من الاهتمام في الفترة الفاصلة بينه وبين الذي يليه في الفداء، ثمّ تبقى ذكراه محصورة بين ذويه ومعارفه، وهذا ينسحب بالضرورة على ملف الأسرى بصورة أفجع وأفظع.

ونقف هنا مع ملف الأسرى، وهو ملف موسمي يتبع للإعلام ورجاله طيًّا أو نشرًا، فمثلًا في الآونة الأخيرة اعتقل الاحتلال الفتاة عهد التميمي، فجعل الإعلام منها أيقونة ورسم حولها الهالة المبالغ فيها جدًا، حتى إنّ بعض النشطاء في العالم العربي رفضوا أن يتحدث أحد عنها، إلّا تمجيدًا وتهليلًا ورسمًا وشعرًا ونثرًا، والقول هنا لا يعني أنّي أتعرض لشخصها أو نوع المقاومة التي تمارس في قريتها، مع تحفظي التامّ وربما رفضي لأي مقاومة يشارك فيها الأجنبي الغربي، لأنّ بلاده سبب ما نحن فيه سواء كان يساريًا أم ملحدًا، ولا يمكن أن أقبل أنا الفلسطيني أن يمارس مستعمر توبته على أرضي وحتى لو حمل السلاح في وجه العدو، وما أتحدث عنه هنا هو اهتمام الإعلام بقضية الفتاة عهد التميمي، مما أثار حفيظة كثير من أهالي الأسرى وتحديدًا أهالي الأسيرات، ففي ملف الأسرى نشهد هذا التمييز المتعمد منذ فترة ليست بالقصيرة حيث تختزل قضية الأسرى في أشخاص يتم صناعتهم وتكوينهم إعلاميًّا دون أن يقف الكاتب أو الناشر على حقيقة أفكارهم وما يروّجون له في المعتقلات، وربما يؤثر كثير من الأسرى المحرّرين عدم الحديث عن الحقيقة والواقع حتى لا تتّخذ قضية الأسرى غرضًا وملعبًا للفتية المغتلمين من الساسة والإعلاميين المتربصين.

لكن ما حدث أخيرًا في التفاعل مع قضية الفتاة عهد التميمي، يوجب كلامًا في الموضوع حتى وإن ساد الامتعاض من البعض، أو تكللت بعض الوجوه بالعبوس المصطنع، فهناك أسيرات يحاكمن منذ أعوام، واعتقلن بصورة همجية مضرجات بالدماء، يحملن جراحًا لا تشفى، وندوبًا لا توصف، ولم نرَ الإعلام تطرق لهن إلّا بالنزر اليسير، وبصورة موسمية استغلاليّة مقيتة، ففتيات القدس يعانين الأمرين، وأحكامهن عالية جدًا، وظروف اعتقالهن مريرة لا يقبلها حرّ، وبعضهنّ ما زالت ندوب الإصابات على وجوههنّ وأجسادهنّ، فلماذا لم نجد الإعلام يتفاعل مع قضاياهن؟ولماذا لم نجده يسلّط على معاناتهنّ ما وجهه للفتاة عهد؟ أليس هذا كيلًا بمكيالين؟ أليس هذا إثباتًا أنّ إعلامنا موجه ومسيس وفئوي يتحرك تحرك العبد بين يدي سيده؟ إنّ الإعلام عندما يضع مقاييس فيجب عليه أن يلتزم بها قبل غيره، والسبق الصحفي يتعلق بالتحقيقات ضد الفساد والمفسدين وهفوات غلمان السياسة، أمّا في الدماء والأشلاء والتضحيات فإمّا أن تتحدث عن الجميع دون تمييز وإمّا أنّ تتفرغ لتغطية الأفراح والمناسبات وتوزيع علب الصلصة كجوائز لأسئلتك التافهة.

لقد عمد الإعلام إلى قضية الأسرى ومزّقها دون أن يعلم، فمثلًا في قضية الإضرابات الفردية كان التركيز على شخص المضرب، وتحويله إلى أيقونة وتكثيف الكتابة والنشر حوله، لكن هل درس الإعلام حجم الأضرار التي لحقت بالحركة الأسيرة؟ هل تطرّق الإعلام إلى معاناة الآلاف التي صارت قضية هامشية مع تصدير بطولات الفرد المضرب؟ وحتى في قضية الأسرى المرضى فإنّ الإعلام يتحدث عن الأسير المدنف الذي يوشك أن يستشهد ويتعامى عن غيره من المرضى من الأسرى، يعني من الناحية المنطقية فإنّ الإعلام المتعامي شريك من حيث لا يعلم في سياسة الإهمال الطبي التي يمارسها المحتل الصهيوني ضدّ المرضى من الأسرى.

ختامًا، إلى تلك اللواتي لا يشكلن إغراء للإعلام ليتحدث عن قضاياهنّ ومعاناتهنّ، وإلى الأسرى المرضى الذين يتجاهلهم الإعلام ما داموا قادرين على التنفس، وإلى الأسرى الذين يسجنون ويخرجون دون أن ينتبه لهم أحد، وإلى كل شريف يناضل ويقاوم ولا ينتظر شهرة أو أيقنة. حسبكم أنّ الله تعالى يعرفكم، وحسبكم أنّ في مقام حمزة بن عبد المطلب لا بواكي لكم، إلّا ذويكم ومن عرفكم وخالطكم عن قرب، وحسبكم أنّكم من أبكيتم الفاروق حين قال: حسبهم أنّ الله يعرفهم، فهنيئًا لكم الخمول بين العباد الانتقائيين اللاهثين وراء كل سبق صحفي، وهنيئًا لكم عملكم الخالص من شوائب الرياء والبهرجات المتباكية، وحسبكم أنّ كلّ شريف عارف يدفع عنكم أذى المتبطلين والمتسلقين. والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد