الاعلام اللا مهني

من يستيقظ صباحًا ويأخذ جولته المعتادة في تصفح المواقع والقنوات الإخبارية العربية سيصاب بالدهشة والاشمئزاز معًا، نتيجة كمية الكذب والتضليل التي سيواجهها هذا المتصفح في تلك القنوات والمواقع الإخبارية.

إن الإعلام المسيَّس والمستأجر اليوم الذي تجرد السائرون في دربه من أبسط أخلاقيات شرف المهنة، هو أشبه ببيت الدعارة الذي يحصل الزبون منه على ما يريد، لقاء مبلغ من المال يدفعه لمن يتولى إدارة ذلك البيت.

وما نشاهده في وقتنا الحاضر من تضليل وكذب وافتراء في إعلامنا العربي المسيَّس، يؤكد حقيقة الدناءة التي وصل إليها القائمون على هذا الإعلام، فهذا الإعلام الذي يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا أصبح جديرًا بنيل لقب العهر ومن دون منازع.

إننا وحين نَتْبعُ مصطلح الإعلام بمصطلح آخر وهو «العهر» فإننا نقصد بالعهر الخروج عن الإطار الصحيح، عبر فبركة الأخبار وتقويل الآخرين ما لم يقولوه، وتزيين الباطل وتسويقه على أنه الحق بعينه وطمس الحقائق وتغييبها، عبر استخدام كافة الوسائل التقنية والعلمية المتقدمة وتوظيفها للوصول إلى الغاية التي غالبًا ما تكون خالية من الشرف والموضوعية.

المعروف عن العهر الإعلامي أنه يبرز إلى الساحة في أزمنة الحروب والنزاعات والصراعات، وكذلك في ظل الحكومات الشمولية التي تخلو منابرها الإعلامية من مجال للإعلام النظيف، وذلك قياسًا بالمجال الذي يحصل عليه الإعلام غير النظيف وهو الذي يحظى دائمًا بالمجال الأكبر.

وقد ساهم العهر الإعلامي خلال فترات مختلفة من التأريخ غير البعيد في قلب كثير من الحقائق والوقائع مثل حملة التشويه الممنهجة التي تعرضت لها الكثير من القضايا الحقَّة، فتحولت بذلك من حق إلى باطل كالقضية الفلسطينية مثلًا، ولا يفوتني هنا من أن أذكرَّ القارئ الكريم بالحملات الإعلامية المضللة والممنهجة التي قام بها الإعلام العربي المسيَّس أثناء تعامله مع الأحداث التي بدأت شرارتها في تونس عام 2011، وانتقلت بعد ذلك إلى عدد من الدول العربية، وهي ليبيا ومصر واليمن وسوريا ومن قبل ذلك العراق الذي نال الحظ الأكبر من عملية التضليل والتشويه حتى جرى إسقاطه واحتلاله في التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003.

فقد عمل هذا الإعلام وبأسلوب تآمري مفضوح على فبركة الأخبار والتلاعب بالأرقام، فكان يظهر الضحية الواحدة عشرة والعشرة مئة، لكي يهول من الأحداث خدمة لأهدافه الشيطانية التي نجح وللأسف الشديد في الوصول إليها.

ولنكن واقعيين ولنسمّ الأشياء بأسمائها ولنعترف بأن التغطيات الإعلامية التي حظيت بها ما سميت «ثورات الربيع العربي» لم تكن من أجل سواد أعين من قاموا بتلك الثورات، التي أتحفظ على تسميتها بالثورات أصلًا، فهي مؤامرات حيكت خيوطها في الغرف المظلمة لتدمير ما تبقى من بلدان الوطن العربي.

ومن يعترض على كلامي هذا فليأتني بإيجابية واحدة لتلك «الثورات»… فهل ينكر هؤلاء المعترضون الخراب الذي حل بليبيا، أو التدمير الذي تعرضت له سوريا، أو الشتات والضياع والدمار الذي يعيشه اليمن والمجاعة التي أنهكت شعبه، هل ينكر هؤلاء المعترضون الثروات والخيرات التي نهبت والمديونيات التي قفزت لأعلى المستویات، والتعليم الذي تراجع والحروب الأهلية والصراعات التي عمل الإعلام المسيَّس أو العاهر على تغذيتها عبر فبركاته وأضاليله؟

إن المؤسف والمحزن في الأمر هو أن الإعلام المسيَّس والمضلل استطاع أن يدمر دولًا كانت عامرة رغم ما كانت تعانيه من تراجع للحريات أو الضعف الاقتصادي، ولكنها كانت تنعم وعلى أقل تقدير بالأمن والأمان، ولدينا على ذلك أمثلة عديدة مثل العراق في زمن ما قبل العام 2003، وليبيا في زمن العقيد القذافي، أو اليمن في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وسوريا ما قبل الحرب الأهلية، وكذلك مصر وتونس، فرغم استقرار الأوضاع فيهما إلا أن حالهما لم يتغير، بل صار أسوأ مما كان عليه قبل سقوط نظامي الرئيسين مبارك وابن علي.

لقد اتخذ الإعلام العاهر من العلاقات المزعومة لبعض الأنظمة السابقة بإسرائيل حجة لعهره، فعمل على التركيز على هذه الكذبة حتى كبرت لتأتي أفعال وأقوال الحكومات الجديدة، التي برأت ساحة الحكومات السابقة من هذه التهمة، حيث ظهرت إلى السطح المستويات العالية من التنسيقات واللقاءات لهذه الحكومات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولنا في اللقاء الأخير لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خير دليل ومثال على ذلك.

إن الإعلام المسيَّس اليوم وحين يركز على أهدافه فهو لا يراعي بذلك ذمة ولا ضميرًا، ولا يهمه إن أدت أخباره المفبركة والمشبعة بسموم الحقد والكراهية إلى قتل الآلاف من البشر وتشريد الملايين وتدمير بنًى تحتية بأكملها، أهدرت مئات المليارات في سبيل تشييدها والحقيقة أقول إن الإعلام المسيَّس اليوم لا يقل خطيئة عن الزعماء أو القادة العسكريين الذين يعطون الأوامر بالقتل والتنكيل، بل يعتبر أكبر ذنبًا وخطيئة كونه هو المحرض على كل ما تقدم.

وفي ختام رأيي هذا، الذي أعلم أنه سيغضب كثيرًا ممن أعرفهم ومنهم من هو صديق لي، أقول إن من يقول أنه يوجد هناك إعلام شريف أو مستقل، عربي كان أو أجنبي، فهو كذاب، فجميع وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة كلها مسيَّسة وتابعة بشكل أو بآخر لهذا الطرف أو ذاك وكلها مجبرة للتحدث بلسان من يمولها والترويج لأفكاره.

وبالتالي، فلا ينخدعن أحد بالكلمات المعسولة أو الأفكار البراقة، فنحن نعيش في عالم لا مجال فيه إلا للمصالح، وسفنه تميل حيثما مالت بها رياح الأموال والسياسة القذرة المبنية على الألاعيب والمؤامرات والفتن وإشاعة الفوضى والخراب والدمار، بغية تحقيق المكاسب وضرب الشعوب في أمن أوطانها لإضعافها وتسهيل السيطرة على مقدراتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد