بدأت الحكاية في مصر يوم 25 يناير 2011 عندما نزل المصريون إلى الميادين ليعبروا عن غضبهم من فساد النظام المصري ويطالبوا بإسقاطه، تحت شعارات معروفة لدى الجميع وهي (عيش – حرية – عدالة اجتماعية)، هنا بدأت الحرب الإعلامية الشرسة من أذناب النظام المخلوع على أطهر من وطئت أقدامهم ميادين مصر.

مما لا شك فيه أن الثورة المصرية عندما بدأت شعر الكثير من أذناب النظام أنها جاءت لتقضي على الامتيازات التي يقدمها لهم نظام المخلوع مبارك وبدؤوا في مهاجمة الثورة بقوة.

بدأ الإعلام في تصوير المتظاهرين بالخونة والعملاء لدول عظمى أرادت إحداث خلل في المنطقة عن طريق الاحتجاجات، فتنهار مصر وينهار معها الشرق الأوسط، بل إنهم أيضا يُدفع لهم الأموال ويأكلون من مطاعم التحرير الشهيرة ذات الأصول الأجنبية مجانا نظير تدميرهم لمصر.
وبدأ الإعلام في إرسال رسائل تحذيرية إلى الأنظمة في دول الشرق الأوسط تفيد أنه بسقوط مصر ستسقط معها المنطقة بأكملها، تقريبا نفس السيناريو يتكرر من الإعلاميين في هذا الوقت.

 

لكن دعونا نقم بعمل مقارنة بسيطة بين الإعلام في مصر في يناير 2011 والإعلام في مصر الآن.

أولا، الشخصيات الإعلامية التي كانت تقود الهجمة الشرسة على ثورة يناير هي من تقود الهجمة الشرسة الآن ضد مطالب الشباب التي تنادي بالحرية.

ثانيا، النهج الذي اتبعه الإعلاميون أيام الثورة باستقدام الفنانين وشيوخ السلطان والمستفيدين من النظام هو نفس ما يفعله الإعلام في الوقت الحالي.

الفرق الوحيد الذي وجدته هو اختلاف مصطلح العمالة لأمريكا إلى الخيانة، بل إنهم بعد ذلك قاموا بتغيير المصطلح مرة أخرى إلى الإرهاب؛ فمِن عميل ووجبة كنتاكي لإرهابي، يا قلبي لا تحزن.

يأتي الدور على مقولة جوزيف جوبلز وزير إعلام النازية: “أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطك شعبًا بلا وعي”.

هذا هو النهج الذي يتبعه الإعلام المصري في كل وقت وحين. فالإعلام في مصر يؤثر على عقول معظم الشعب، يلتف حول فريسته كالأفعى حتى يدس السم فيها فنجد المصريين في الشوارع يتحدثون عما قاله الإعلامي فلان ببرنامجه، وتجد الكثير من المتعلمين يصدقون ما يخرج من أفواه ضيوفهم السفهاء ممن يطلقون عليهم دائما محللين سياسيين أو الخبير العسكري والإستراتيجي، وهم لا خبرة لهم بشيء، فمهمتهم هي تضليل المتابعين.

 

فالتضليل الإعلامي على حد قول باولو فيريري هو أداة القهر لاعتباره أن الإعلام هو أداة النخبة لتطويع الشعوب لأهدافهم الخاصة.

سأذكر مثالا بسيطا على تضليل الإعلام؛ عندما أخبرتنا المؤسسة العسكرية أنه استطاع فريقها الطبي اختراع جهاز يكشف عن مرض الإيدز وفيروس سي، ثم أخبرونا أن الجهاز يقوم بمعالجة المرض بعد اكتشافه، ثم خرجوا علينا مرة أخرى ليقولوا أنه يعالج جميع الأمراض مثل السكر والإنفلونزا… إلخ.

لم يتحرَّ الإعلاميون صدق هذا الكلام لكنهم قاموا سريعا باستضافة الفريق الطبي المخترع لهذا الشيء الذي ليس له أساس من الصحة وبدؤوا في تلميعهم، ولم ينظروا حتى لتاريخهم المهني في الطب. ونكتشف فيما بعد أن اللواء عبد العاطي (نجم الحفل) كان فنيَّ معمل بكلية الطب جامعة الإسكندرية ثم مقدم برنامج عن الأعشاب في قناة الناس، وأنه تم اتهامه في قضية نصب حيث قضت محكمة جنح البساتين في هذه القضية بحبس إبراهيم عبد العاطي عامًا. وواجه «عبد العاطي» اتهامات بمزاولة مهنة الطب دون أن يكون مقيدا بسجل الأطباء.

الإعلام في مصر كاذب غير محايد وغير موضوعي؛ فالإعلام في مصر ينقسم الآن إلى شقين، الشق الأول وهو الذي يستحوذ على 80% تقريبا من المشاهدة، وهو إعلام النظام الذي يقوم دائما بمهاجمة الثورة ومن ينتمي إليها. والـ20% الباقية هي إعلام الإخوان الذي يدعو لعودة مرسي وإسقاط الانقلاب العسكري على حد وصفهم. فالأول يصف كل من يتظاهر بالخونة والعملاء، والثاني يصفهم بالمطالبين بعودة الشرعية, لكن لا يوجد إعلام يعبر عن الثورة، لا يوجد إعلام يحمل مطالبنا من عيش وحرية وعدالة اجتماعية.

لا يوجد إعلام يمثل الشباب، لا يوجد إعلام يوضح أننا ضد الدم أيا كان.

لا يوجد إعلام يوضح أننا ضد عودة مرسي لكن في نفس الوقت ضد قمع النظام الحالي. فهل سيظهر هذا الإعلام على الساحة قريبا أم سيظل الإعلام منحصرًا بين ناطق باسم النظام وناطق باسم الإخوان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد