كل شيء في الحياة صناعة؛ فالازدهار صناعة، والتقدم صناعة، والحب صناعة، والبغض صناعة، كذلك الكذب صناعة وصناعة رائجة في مجتمعنا للأسف، فالكذب رأسُ كل خطيئة يمكن أن ترتكب.

فالكذب يُسقطُ الهيبات، ويدمِّر المجتمعات، ويفترى به على البلاد والعباد، حتى يصل إلى قمة الظلم، ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فكم من بلاد ضاعت بخبر كاذب، وكم من مقتول قُتِل بخبر كاذب، وكم من معتقَل غُيِّب بخبر كاذب؟

صنَّاع الكذب أو أصحاب الدعاية السوداء من يخلقون واقعًا مزيفًا ومغلوطًا ومقنعًا أحيانا بهدف التضليل والكسب لقضاياهم الشخصية والسياسية، وأكثر من يستخدم تلك الدعاية هي الحكومات خاصة الدكتاتورية منها، حيث تستخدم الدعاية والحرب النفسية عبر الخلايا النائمة وشخصيات الظل المرتبطة بدوائر المخابرات، بغية تحقيق الانهيار الإدراكي للخصم, وكسر إرادة الصراع في توقيت محدد بالذات ليحدث تشويش وتشويه للحقائق، خصوصًا أن الاحتلال وحلفاءه من الحكام العرب يمتلكون منظومة واسعة للحرب النفسية وأموالا هائلة ترصد لهذا الغرض, وعناصر نائمة تنشط عند الحاجة, مهمتها تعكير الأجواء ولي عنق الحقائق وتضليل الرأي العام.

تستند الحرب المعاصرة على المنظومة الإعلامية الضخمة, والتي توجه البوصلة السياسية والفكرية للرأي العام في قبول فكرة العدو المقبل (صناعة العدو أو الإرهاب المحتمل).

فصار الإعلام المصري خاصة، مطرقة بيد الحكومة وسندانًا للحروب غير الشرعية التي يشنها الإله الحاكم، ومع تعاظم عمليات التضليل المصنعة داخل الأروقة والمؤسسات الإعلامية تحت قيادة مخابراتية، يجري توظيف الخبرات الواسعة في مجال التضليل والتزييف والخداع، عبر حرب الصور وشيطنة الآخر، وعبر “سينما الأمن القومي” التي تنحت العدو وترسخه في عقول الرأي العام, لتسخر تلك العقول لفكرها فتستمد منها شرعنة لحربهم المزعومة لحماية أمنهم القومي.

ناهيك عن صناعة بيئة الإرهاب كمبرر لتجارة الأمن, دون إظهار الجانب الآخر من الصورة الذي يتعرض للإبادة البشرية تحت وطأة الأسلحة المدمرة، والتي يظهرها الإعلام بمظهرها الزاهي وأنها السبيل لتحقيق الرخاء والتقدم.

وعلى سبيل المثال، فقد عملت مراكز الإعلام الموجهة في أمريكا على تعبئة الذاكرة الأمريكية بصورة مستمرة على تشويه صورة العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر قبل الغزو الأمريكي علينا.

كما عمل الإعلام المصري على شيطنة الإخوان ومعتصمي رابعة حتى يتقبل الناس قتلهم على أنهم أعداء للبلاد.

فالدعاية أصبحت وسيلة اغتيال لمن لا ترضى عنهم الحكومات، عن طريق التشويه ونشر التصريحات الكاذبة حول رموز وشخصيات بعينها لاغتيالها جسديًّا أو سياسيًّا مع مباركة من الرأي العام.

والدعاية السوداء ليست من أجل القضاء على المعارضة والخصوم السياسيين فقط، إنما سخرها الاحتلال من أجل القضاء على الشعوب أيضًا من خلال القضاء على هويتهم الأصلية خاصة الإسلامية السنية، وزرع ثقافته وهويته بدلا عنها.

إن نافذة التغريب التي ظلت مُشرعة بعد أفول العهد الاستعماري، مكنت البراثن التي زرعها المستعمر وجعل منهم صفوة للمجتمع أن يسلخوا المجتمع من هويته الإسلامية، وإرساء خطاب إعلامي وسياسي وثقافي غربي بديل عنها يرسخ التبعية الثقافية والفكرية للغرب، بحيث يقتصر دورنا على استهلاك الثقافة والمنتجات الأجنبية، لندين لهم بالتبعية التي تفت في عضدنا وتحول دون النهوض من كبوتنا المعاصرة. بل تجاوز الأمر هذا الحد وصار يضرب بالثوابت الدينية لشريعة الله، وتمثل ذلك في:

  • شيطنة أي فصيل ذي خلفية دينية إسلامية.
  • نشر التخويف من المد الإسلامي وأجواء التشدد، وكبت الحريات، والرجعية التي سوف تحل بنا نتيجة الرجوع لصلب العقيدة.
  • اختلاق صورة للإسلامي المتجهم القاسي باعتباره رمزًا للديكتاتورية والتحجر، مقابل صورة الليبرالي عاشق الفنون والجمال والانطلاق.
  • إظهار الإسلاميين بوجه عام على أنهم متطرفون ينتهجون العنف لتطبيق مبادئهم، والعزف على نبرة محاربة الإرهاب التي يقصد منها واقعيًّا محاربة الإسلام.
  • تأجيج التخوُّف القبطي من حكم الإسلاميين، وتضخيم قضية اضطهاد الأقليات.

هكذا حكمنا الاستعمار بعد التحرر الظاهري؛ حكمنا بسلاح الإعلام الذي غاب عنه الدين وتركه مرتعًا لكل أعدائه.

لقد نجح الإعلام بجعل ارتباط معظم المسلمين بالإسلام في العصر الحاضر مجرد ارتباط روحاني محدود الفعل، يكتفي فيه المسلم بإقامة شعائره التعبديّة، فحفلت حياة المسلمين بصور «الازدواجية» والتناقض بين الارتباط العاطفي بالإسلام في ميدان العبادة والأخلاق الفردية، وبين الارتباط العملي الواقعيّ بالمظاهر المناقضة للإسلام في ميدان النظم والتشريعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

لذا لابد أن يكون هناك إعلام إسلامي يرتكز على قاعدة أن يكون فاعلًا لا منفعلا، بمعنى أنه لا يحتاج لانفجار أزمة في بورما لكي يسلط الأضواء على أوضاع الأقلية المسلمة هناك ومعاناتهم واحتياجاتهم، ولا يحتاج لشبه وأباطيل من ليبرالي أو تغريبي مغرض حول شخصية تاريخية إسلامية لكي يتبارى في سرد سيرتها وبيان شمائلها، ولا مساندة دولة ما للكيان الصهيوني أو رسومات مسيئة للرسول ليتبنى مشروع مقاطعة اقتصادية لتلك الدول، بل إعلام  يقوم على مفهوم ثقافي يتناول كل القضايا الإسلامية ولا يتذبذب ظهورًا واختفاءً بتذبذب الأحوال من حوله.. خطة جريئة تتناول مشاكلنا توصيفًا وتحليلا وتصورًا لحلولها في منهجية ثابتة كجزء من رسالة إعلامية تكون سلاح ردع لتلك الهجمة الشرسة التي تستهدف هويتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد