مع استمرار فقدان الشعب العراقي للمصداقية في الإعلام المملوك للدولة، وما هو مملوك للأحزاب السياسية وما يماثلها، ستظل وسائل الإعلام غير العراقية، ذات الطبيعة الإخبارية، هي المؤثر الحقيقي في مسألة إخبار العراقيين بشؤون وطنهم وأحوالهم العامة، وبالتالي ستظل اللاعب الرئيسي في التأثير على توجهات الرأي العام العراقي. رغم ذلك بقي بعض الهامش الذي تشغله بعض القنوات المرئية والمسموعة ذات الحس الوطني التي نجحت في استقطاب إعلاميين على قدر الحدث لعبوا دورا فاعلًا في تشكيل سياق الإصلاح السياسي في المجتمع؛ من خلال عكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين النخبة والجماهير.

في الديمقراطيات المعاصرة، يشكل إنشاء فضاء عام أكثر انفتاحًا مع إتاحة الفرصة للجماعات المحرومة والحركات الشعبية تحديًا كبيرًا. وسائل الإعلام هي جزء من المشكلة والحل. فمن ناحية، فهي تقوي أو حتى توجد الانقسامات في فضاء الرأي العام. ومن ناحية أخرى، يمكن لاستخدامها من قبل الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني إقامة روابط بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وكذلك استعادة الطبيعة الوطنية لبعض القضايا.

المجتمع الحالي أصبح بحاجة إلى أشياء أكثر من المساواة الاقتصادية والاحترام الثقافي كضرورة لتحقيق التكافؤ في المشاركة، كشرط من أجل الديمقراطية. بل أن الكفاح من أجل إقامة «علاقات الاعتراف المتبادل» كشرط لتحقيق الذات أصبح أساسيا. كما إن مفهوم التمثيل للكشف عن عدم الحياد السياسي، وكيف ستقود الممارسات الإعلامية باستخدام وسائل التفاعل الاجتماعي، القائمة بشكل أساسي على المنصات الرقمية، إلى نشوء عدم الحياد السياسي وكيف ستؤدي في بعض الأحيان إلى إحداث صراعات جديدة.

أصبح التواصل السياسي شرطًا أساسيًا للديمقراطية، كذلك أصبحت الديمقراطية تعتمد بشدة على البنية التحتية للنظام الإعلامي. لذا باتت تعد وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بوصلة ذات أهمية مركزية للمجتمعات المعاصرة نظرًا لتأثيرها الحاسم على المؤسسات السياسية والجهات الفاعلة السياسية والمواطنين الأفراد. لقد انصاع اللاعبون السياسيون لقبول واقع أن سلوكهم يتأثر إلى حد كبير بقواعد اللعبة التي وضعتها وسائل الإعلام. ولقد تم وصف هذا التحول بأنه تحول إلى ديمقراطية الجمهور أو الديمقراطية الإعلامية.

إن فكرة الديمقراطية الإعلامية هي امتداد لنموذج الديمقراطية التمثيلية. إنه يشير إلى تطور يهدف في بدايته إلى جعل السياسة أكثر شمولاً وشفافية. في هذه العملية، أصبح صناع السياسة تحت ضغط متزايد لمطالب الجمهور – ليس فقط في سياق الانتخابات ولكن في العديد من مراحل العملية السياسة. إن الضغط على واضعي السياسات للاستجابة للرأي العام بشكل عام والمصالح الخاصة على وجه الخصوص قد زاد من دور وسائل الإعلام عبر العديد من الطرق. لجأ السياسيون إلى الاعتماد على وسائل الإعلام في قياس ردود الرأي العام (باستخدام التغطية الإعلامية بديلًا عن المشاعر العامة)، ولإثارة الانتباه والقبول والشرعية في تصرفاتهم (باستخدام القنوات الإعلامية لعرض السياسات على الجمهور).

يرتبط نظريًا مفهوم الديمقراطية الإعلامية بمفهوم مجتمع الإعلام. تتضمن هذه الفكرة أن وسائل الإعلام التقليدية، وكذلك وسائل الإعلام الجديدة على الإنترنت، تنشط في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وبالتالي أصبحت الإطار الرئيسي للتبادلات والتفاعلات بين الأفراد ومنظمات المجتمع. يمكن أن ينظر إلى مجتمع الإعلام على أنه نتيجة لعملية تمايز وظيفي تجعل وسائل الإعلام مستقلة بشكل متزايد عن رعاتها السابقين، والتي كانت على سبيل المثال في التقليد الأوروبي، هي الكنائس والأحزاب السياسية في المقام الأول. تعمل وسائل الإعلام الآن وفقًا لمنطق إعلامي محدد، وتُرشد وفقًا للضروريات الاقتصادية بالقواعد التجارية من أجل زيادة مشاركة جمهورها إلى الحد الأقصى.

رافق عملية التحول هذه نحو تبعية أكبر لسوائل التواصل الرقمية. هذا صحيح بشكل خاص فيما يتعلق بالتحولات المحتملة للسياسة الديمقراطية نتيجة لتلك البيئة الجديدة. يخشى النقاد من أن وسائل الإعلام قد تتداخل مع «سلسلة المسؤولية» و«سلسلة المساءلة» بطرق غير مسؤولة. فيما يتعلق بالأول، قد تتسبب وسائل الإعلام في تراجع المؤسسات التقليدية التي تساهم بشكل كبير في تعبئة النخب وتجميع الأفاضل (مثل الأحزاب والبرلمانات)؛ وفيما يتعلق بالأخير، فقد يضغطون على الممثلين السياسيين للاستسلام لمنطق التشغيل المحدد لوسائل الإعلام عند تبرير تصرفاتهم للجمهور. من خلال توليها دور ممثل بديلا للجمهور، ترى وسائل الإعلام أنه من مسؤوليتها التدقيق وتقييم السياسيين وتصرفاتهم. طبعا ذلك يكون وفقًا لمعاييرهم الخاصة كوسائل إعلام، وقد «يعاقبونهم» بالدعاية السيئة على سبيل المثال. تضفي وسائل الإعلام الشرعية على مشاركتها السياسية الاستباقية بشكل متزايد مع الإشارة إلى الأهداف الديمقراطية مثل «الشفافية»، والمساهمة في «الضوابط والتوازنات»، وإضفاء الحيوية على «المجال العام». ومع ذلك، من ناحية أخرى، يصعب على وسائل الإعلام نفسها «فرض عقوبات» على نفسها في حالة وجود عواقب سلبية. هذا يمكن أن يشكل تحديًا للديمقراطية.

في حين أن الأحزاب السياسية مسؤولة عن سياساتها أمام الناخبين، لا يوجد دستور يتوقع أن تكون وسائل الإعلام مسؤولة عن أعمالها. يمكن أن ينطوي غياب المساءلة على أخطار جسيمة للديمقراطية، لأنها تنتهك القاعدة التقليدية لتوازن القوى في اللعبة الديمقراطية، مما يجعل وسائل الإعلام (الفرع الرابع للحكومة) قوة مؤثرة ولا يمكن السيطرة عليها محمية من عقاب الإرادة الشعبية.

ضمن نموذج الديمقراطية التمثيلية، أصبحت وسائل الإعلام الجماهيرية «مكانا بيئيا» في كل مكان، و«عاملا بيئيا» شديد التبعات يؤدي أحيانًا إلى إثارة أو تداخل أو حتى عرقلة العمليات السياسية. وفي الوقت نفسه، تخدم وسائل الإعلام مراجع العمل السياسية الذين يحاولون استخدام وسائل الإعلام لصالحهم. إلا إن طبيعة الفرص لزيادة أهمية وسائل الإعلام في السياسة لا تتبع العدالة في التوزيع لكافة السياسيين الممارسين.

خلال السنوات العشر الماضية، تغيرت البيئات الإعلامية والأنظمة السياسية بشكل جذري. هذه التغييرات لها تداعيات كبيرة على بيئات المعلومات السياسية ومدى مساعدة الناس في أن يصبحوا مواطنين مطلعين.

هذا العدد من المراقبين المخصصين لاستخدام وسائل الإعلام، وبالتالي من قبل الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني، مع إيلاء اهتمام خاص لاستخدام الموارد الرقمية، في سياقات للأسف تتميز بعدم الحياد. تتسبب بحالات تتسم بعدم المساواة في الموارد – سواء كانت اقتصادية أو سياسية – ولكن أيضًا بسبب العلاقات غير المتكافئة بين الجهات الفاعلة الاجتماعية. هذا المفهوم ليس بجديد إذ إنه مستمد من مناهج علم الاجتماع الإكلينيكي وعلم اجتماع المنظمات ويشير إلى الحالات التي يتداخل فيها توازن القوى بين الجهات الفاعلة في الوصول إلى الموارد، وطبيعة وجودة العلاقة بينها. في هذه الحالة، يشير هذا بشكل خاص إلى المشكلات والحواجز المتعلقة بالتوزيع غير المتكافئ لقنوات الاتصال التي يتم تعزيزها بواسطة أنظمة التعرف التي تجعل بعض الأصوات أكثر شرعية من غيرها. يواجه أفراد الفئات المحرومة أو الجماهير المضادة بمواقف الرفض في هذه الأنظمة، وهو أمر يؤذي وضعهم كمواطنين متساوين.

إعادة الاعتبار للإعلام بصورة عامة، يتطلب إعادة بناء منظومة الإعلام المملوك للدولة، وإعادة هيكلته، وعدم جعله يقتصر على الترفيه التافه المسطح للوعي الجمعي، وعدم حصر الأخبار بمتابعة مسؤولي الدولة، وعمليات غسيل المخ والتضليل السياسي. إذ يتوجب الاهتمام بالمحتوى الإعلامي ودور منصات التواصل الاجتماعي الرقمية في تأمين تدفق حر للمعلومات، وضمان توفير منبر حرّ لكل وجهات النظر السياسية والثقافية ولأطراف الحياة العامة. فإن فقدان المصداقية في الإعلام المملوك للدولة، سيظل مستمرًا لدى الجماهير، كما إن ترك الفضاء سيسمح ببروز لاعبين رئيسيين آخرين في التأثير على توجهات الرأي العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد