قد تتعدد المصطلحات في حقل الإعلام، إلا أن هنالك مصطلحًا واحدًا مثيرًا للاهتمام ويرتبط بالعلوم السياسية وعلوم العلاقات الدولية ارتباطًا كبيرًا. ألا وهو مصطلح «Propaganda» وهو ما يعني باللغة العربية «الإعلام الموجّه» أو «الإعلام المضلل». وتأتي أهمية هذا المصطلح بالنسبة لعلماء السياسة ومنظريها من أنه مصطلح ذو دلالات تتصل بشكل مباشر بأساليب الحكم الدكتاتورية، وبشكل غير مباشر بأساليب الحكم الديمقراطية؛«فالإعلام الموجّه في الدولة الديموقراطية يقف بمثابة العصا في الدولة الدكتاتورية».

ومن هذا المنطلق وبناء عليه قدَّم لنا تشومسكي استعراضًا علميًّا معززًا بالأدلة من واقع الإعلام الغربي في كتابه الموسوم «Media Control: The Spectacular Achievements of Propaganda – السيطرة على الإعلام: الإنجازات المذهلة للأعلام الموجه»، في عام 2002، أي بعد عام واحد من حادث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وما تلاها من ترويج محموم لمصطلحات لعبت فيما بعد دورًا سياسيًّا مهمًّا بساحة العلاقات الدولية.

وحيث إن العالم اليوم وبعد قرابة العقدين من تاريخ نشر هذا الكتاب قد شهد تطورات دراماتيكية في وسائل الإعلام، وازديادًا مضطردًا بعددها وسبل تأثيرها بالرأي العام، سواءً على الصعيد المحلي أم على الصعيد العالمي؛ لذا يأتي هذا المقال في ضوء قراءة تشومسكي للمشهد قبل قرابة العقدين من الزمان، وليتساءل فيما إذا كان الإعلام اليوم يؤثر في تحريك السياسة الدولية من جهة، وما دوره اليوم في تحريك مشاعر الجماهير تجاه ما تريده السياسة الدولية من جهة أخرى.

ركز تشومسكي في كتابه «Media Control» على بضعة محاور. يدور أهمها حول كيفية تناول الإعلام لمجريات الأمور بأسلوب براغماتي يصب في صالح السياسة الحكومية وما تصبو إليه من مكاسب، سواءً على الساحة المحلية أم على الساحة الدولية. لذا نرى أن تشومسكي قد استهل كتابه بالحديث عن مفاهيم الديموقراطية بين الفقه النظري والواقع التطبيقي، منتقدًا المفاهيم التي بُنيت عليها أدوات الإعلام الموجه، والذي يُطلِق على عوام الجمهور اسم «القطيع الهائم – Bewildered Herd» والذي يجب (ترويضه) ليتقبل ما تقرره دوائر النُّخب السياسية الحاكمة، وذلك لأن «جمهور العوام على قدر من الغباء بما يمنعهم من فهم مجريات الأمور».

لذا فإن تشومسكي يرى أن الدروس المستفادة من التجارب الإعلامية في الدول الديمقراطية قد أفضت إلى أن «الإعلام الحكومي الموجه عندما يكون مدعومًا من قِبل الطبقة المثقفة من المجتمع، ولا يمكن الحياد عنه فإنه سيكون له أثر بالغ» في تشكيل الرأي العام لدى الجماهير. وبذلك توصل تشومسكي إلى مفهوم جديد في الصناعة الإعلامية لخَّصه بمصطلح «Manufacturing consent» – صناعة القبول، بمفهومٍ يشير الى «خلق القبول، بواسطة التقنيات الحديثة للإعلام الموجّه، لدى عامة الجماهير على مسائل لم يكونوا ليقبلوا بها».

لقد استخلص تشومسكي فكرته عن مصطلح صناعة القبول بناءً على مصطلح جاء به أدوارد بيرنيز بمقالة نشرها عام 1947. حيث أورد فيها فكرته بشأن صناعة الإعلام من حيث ضرورة اتباع الأساليب الهندسية في صناعة الخبر والإعلانات بما يجعل منها أساسًا يتخذه الناس قاعدة للاتباع والتقليد. وقد أطلق بيرنيز مصطلح «Engineering of Consent» – هندسة القبول، على ذلك المفهوم.

وفي سياق حديثه عما للإعلام الحكومي الموجه من أثر في الرأي العام المحلي والعالمي، يؤكد تشومسكي أن هذا النوع من الإعلام يلجأ غالبًا إلى وسيلتين من أجل صناعة القبول لدى الجماهير. فالوسيلة الأولى تتجسد بالأخبار المفبركة وتعزيزها بالصور المعدلة تقنيًّا. أما الوسيلة الثانية فتتجسد بحجب الحقائق والمعلومات الدقيقة عن الاحداث. وقد أورد تشومسكي في كتابه «السيطرة على الإعلام» أمثلة كثيرة من تاريخ الصحافة الأمريكية والعالمية في هذا الصدد. وكلا الوسيلتين يستخدمها الإعلام الحكومي الموجه للسيطرة على عقول الجماهير وتوجيه الرأي العام المحلي والعالمي لما تقتضيه مصالح سياسة الدولة، سواء المحلية منها أم الدولية.

وقد أورد تشومسكي في كتابه «السيطرة على الإعلام» أن التوجهات الحكومية في زمن المظاهرات والإضرابات الشعبية غالبًا ما تسعى إلى قلب التعاطف الشعبي ضد المتظاهرين أو المضربين وشيطنتهم في نظر الجماهير عبر تحويل المتظاهرين أو المضربين الى أعداء للاستقرار المدني وأنهم يعملون على الإخلال بالمصلحة العامة للبلاد.

ولم يكن الإعلام العربي عامة ببعيد عن هذه المنهجية، «ولطالما استخدمت الحكومة الإعلام لخدمة أجندتها السياسية ونشر رسائلها. فعندما تم إدخال الخدمة الإذاعية في مصر، بثّ جمال عبد الناصر رسائله القومية الاشتراكية إلى بقية العالم العربي من خلال محطات مثل صوت العرب، وإذاعة الشرق الأوسط. وكذلك عندما وقَّع أنور السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل في العام 1979، وهو ما تسبَّب في مقاطعة الدول العربية لمصر، تم استخدام الإذاعة لمواجهة الهجمات الإعلامية المقبلة من هذه البلدان»، وكذلك كانت الكيفية التي تصرف بها الإعلام الحكومي في العراق مع انتفاضة تشرين عام 2018.

أما المحور المهم الآخر الذي تناوله تشومسكي في كتابه «السيطرة على الإعلام»، فقد تمثل بأسلوب الشعارات الفضفاضة الخالية من المعنى الواضح. مثل الشعارات التي تدغدغ مشاعر الجماهير دون عقولها، وتلعب على مسائل تخويفهم وإرعابهم من خلال خلق أعداء وهميين ومن ثم العمل على تشتيت أذهان الجماهير لمنعهم من التفكير بمنطقية، وتحليل الأمور بموضوعية. فالنخبة السياسية الحاكمة لا ترى في الجماهير القدرة على التفكير بالمصلحة العامة بشكل جمعي. وإن تمكنوا من التفكير فسيشكل ذلك حينها خطرًا على طبقة النخبة السياسية الحاكمة.

وقد لا يكون المحور الأخير مفهومًا، بعيدًا عن بيئة السياسة الداخلية الامريكية، إلا أنه سيكون واضحًا جليًّا إذا قرنَّاه بالمحور التالي الذي أشار اليه تشومسكي، حيث ذكر أن العقد الأخير من القرن الماضي قد شهد ظهور وحش إعلامي جديد كل عام أو عامين. وحوش بدت وكأنها كانت مجهزة مسبقًا للظهور على الإعلام.

وهذا ما يمكن للقراء استذكاره من حيث تفشي استخدام مصطلح «القاعدة» في الإعلام ومصطلح «الدولة الإسلامية» بعد ذلك، وغيرهم من الشخوص مثل بن لادن وصدام حسين وكاسترو والزرقاوي وأبو بكر البغدادي، ليتم تسخير تلك «الوحوش الإعلامية» لإثارة الرعب في أذهان الجماهير من خلال تضخيمها وتهويل أفعالها على وسائل الإعلام، في حين أن جميع المسميات المذكورة آنفًا لا يمكن لقوتها وسطوتها أن تداني قوة أية واحدة من الدول العظمى بأي حال من الأحوال.

أما اليوم، وبعد استيعاب المحاور التي تناولها تشومسكي في كتابه «السيطرة على الإعلام»، فلا بد لنا من أن نقف لنتأمل في الوحش الذي ظهر فجأة على الإعلام – جائحة كورونا – مع دخول العالم في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين. وكذلك لا بد لنا من وقفة تأمل في دور وسائط الإعلام وقدرتها في تناول المعلومة وإيصالها للجماهير. فبالإضافة للإعلام التقليدي المتمثل بالصحافة والراديو والتلفاز، هنالك الإعلام الجماهيري الذي اتخذ من منصات التواصل الاجتماعي متنفسًا واسعًا لتداول المعلومات ونشرها سواء بقصد أو بغير قصد، إلا أن المعلومة اليوم تجد طريقها للملايين من الناس بلمح البصر سواء أكانت صادقة أم مغرضة.

ولعل من أبرز تلك المنصات ما رصدته الهيئات الإحصائية بالعالم والتي أشارت الى أن عدد المستخدمين النشطين لمختلف منصات التواصل الاجتماعي قد بلغ ما يربو على 4 مليارات شخص بنهاية عام 2020. وقد كان للـ«فيسبوك» حصة الأسد، حيث وصل عدد مستخدميه النشطين ا9لى ما يزيد على 2.5 مليارات مستخدم ثلثه منصة تطبيق «واتساب» و«يوتيوب» بما يقارب ملياري مستخدم نشط لكل منهما.

ولك أن تتخيل سيدي القارئ الكم الهائل من سيل المعلومات عن وحش الساعة – جائحة كورونا. هذا السيل العرم من المعلومات التي تخللها الكثير من الزائف والرث مقابل القليل من الحقيقة والصدق، وبالتالي الأثر الذي تركه على عموم الجماهير في العالم. وهذا ما أدعوه هنا بفوضى الإعلام في الأزمات.

لقد عملت فوضى الإعلام على مدار قرابة العامين من أزمة جائحة كورونا، وما زالت، على تشتيت أذهان الناس في كل أنحاء الكرة الأرضية. وانقسم الناس بين مناصر لنظرية المؤامرة وآخر مشكك بالفيروس ووجوده أصلًا وآخر مؤمن به وبالإجراءات المتخذة للقضاء عليه وهكذا دواليك الى آخر ما تداوله الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى باتت الحقيقة تجانب الكذب في تأثيرها ونتائجها. والسؤال هنا يطرح نفسه، هل كانت هذه الفوضى مقصودة؟ ولماذا؟

فإن كانت فوضى الإعلام في زمن الجائحة غير مقصودة، فلماذا لم نر تحركًا سريعًا وقويًّا من مراكز القوى العالمية للسيطرة على فوضى الإعلام وإنهائها بأسرع ما يمكن، لتتمكن الهيئات الطبية من ممارسة عملها بشكل يتناسب مع حجم الجائحة وآثارها، ولتتمكن الدول من العمل على تخفيف الآثار الاقتصادية المترتبة على الإجراءات الاحترازية لحين انتهاء الجائحة.

ولو نظرنا في الإجراءات التي اتخذتها، على سبيل المثال، إدارة «فيسبوك»، أو «واتساب» أو «تويتر» أو «يوتيوب» في هذا الصدد لوجدناها إجراءات واهية لا تكاد تقوى على صد سيل المعلومات المضللة، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن مصادر المعلومة الصحيحة بشأن الجائحة محدودة بالعدد مقابل مصادر المعلومة المضللة التي لا يمكن حصرها بعدد. في حين أننا رأينا أن تفاعل «فيسبوك» و«تويتر» مع أزمة البنتاجون في الانتخابات الأمريكية الأخيرة كان أشد فاعلية وأقوى تأثيرًا في الحد من خروج الأمور عن السيطرة.

وخلاصة القول هنا أننا علينا في الأمور بنتائجها وخواتيمها، ولو كانت بعد حين، وسنرى مستقبلًا إن كانت فوضى الإعلام في زمن الجائحة تعمل على خدمة أجندات عالمية أرادت لجميع أهل الأرض أن يقعوا في حيص بيص، أم أنها ستشكل درسًا قاسيًا للجميع. وعلى الجميع عندها الاستفادة من هذا الدرس مستقبلًا عند التعامل إعلاميًّا مع الأزمات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد