إن العالم الذي نعيش فيه اليوم يختلف نوعيًا عن عالم الأمس، هذه حقيقة يجب أن نقرها ونعترف بها، أنه عالم صغير بمعني ما، أي أصبح متصلا ومتداخلًا، العزلة فيه ممنوعة بقدر ماهي مستحيلة، وأي شيء يحدث في جزء منه، ينتقل وينعكس على الأجزاء الأخرى بسرعة بالغة، تبعا لقوة المركز الذي يصدر منه.

ونظرا لعدم التكافؤ القائم حاليًا بين الطرف المتقدم من العالم والطرف المتخلف، على معظم الأصعدة، فإن الطرف المتقدم المُسيطر اقتصاديا وسياسيا، يُمارس هيمنته في الجانب الإعلامي، وإلى حد كبير في الجانب الثقافي، إذ منه تُضخ الأخبار والأفكار والنماذج في شتي المجالات، ويتحول الطرف المتخلف إلى مجرد متلق ومستهلك، الأمر الذي يجعله يومًا بعد آخر امتدادا ووعاء لما يريده الطرف المتقدم أن يكون. بنفس الوقت تضعف الشخصية الوطنية في المواجهة، وتتراجع القدرة على المقاومة، لغياب الاختيار، وعدم المشاركة الشعبية، ووحدانية النموذج الذي يجري فرضه.

لو ددقنا في حجم ما يضُخه الإعلام الغربي، الأمريكي خاصةً، ثم الآثار التي خلفها هذا الإعلام في مجالات الحياة المختلفة، في الزِّي والأغنية والصورة، ثم في خلق الذائقة الفنية لدي الكثيرين في شتي أنحاء العالم، نجد أن الاتجاه هو إلغاء التعددية والتنوع وفرض نموذج وحيد، أي النموذج الأمريكي تحديدا وإلغاء كل ما عداه.

الثقافة هي الرصيد الروحي لحضارة من الحضارات، هي تراثها وطاقاتها على التجدد والمتابعة والإبداع، وهي القدرة على التحدي والاستمرار، أي أن الثقافة تصنع عقل الأمة ووجدانها، وبالتالي هي التي تحمي هذا العقل وتزيده معرفة وإدراكا وهي التي تغني الوجدان وتجعله أكثر ثراء وأسرع استجابة لقيم الحق والعدل والجمال.

أما الإعلام، وبأبسط مدلولاته، فهو إتاحة وصول المعلومات والحقيقة للناس وتبادل الرأي والحوار، والدفاع عن وجهات النظر من أجل إقناع الآخرين بها وهو بمقدار ما ينشغل بالآني والراهن فإنه لا يغفل عن الماضي أو عن المستقبل ضمن مقاييس الدقة والأمانة.

وإذا كانت الثقافة هي الصناعة الثقيلة، كما يقال، فإن الإعلام هو الخبز اليومي للناس لذلك فإنه بمقدار صدقه وجديته، وبمقدار تفتحه واعتماده على العقل يمكن أن يلعب دورا إيجابيا، ويكون في النتيجة مساهما في تكوين علاقات الناس وأفكارها، وتاليا مواقفها.

في حال غياب الثقافة الوطنية والهوية، وفرض نموذج غريب ومستورد، فلا بد أن يؤدي ذلك إلى الضياع والفقر وجفاف الروافد التي تغطي الحضارة الإنسانية، وهذا ما يحصل حاليًّا مع الأسف، نتيجة طغيان النموذج الأمريكي في المأكل والملبس واختيار طراز البناء بغض النظر عن مدى ملائمته للطقس والتقاليد الاجتماعية. طغيان القيم الأمريكية في تحديد ما يعتبر نجاحا وتقدما وقوة، واستبعاد أو أحتقار ما يخلف ذلك.

في ظل الوضع العربي الراهن فإن الإعلام بعيد عن التعامل مع الوقائع ضمن رؤية عقلانية ومن أجل خدمة هدف معين. الإعلام في مرحلتنا الراهنة ليس موجها لغسل الدماغ فقط، بل يتصف أيضًا بإهمال أو أستبعاد أي أفق مستقبلي، وبالتالي فإن ما يعني الإعلام ليس الوصول إلى الحقيقة، وإنما الدفاع عن موقف، وقد يكون هذا الموقف ما تمليه ظروف عارضة، أو شخصية وقد يتغير بعد فترة قصيرة، الأمر الذي يوجد مسافة، ومسافة كبيرة، بين المواطن وما يتلقاه من وسائل إعلامه، وهذا ما يجعل الإعلام المحلي محدود التأثير وضعيف المصداقية.

يجب أن يفسح مجال واسع للثقافة، وأن تتاح لها مساحة كبيرة من الحرية والحركة كما يجب أن لا يُخشي منها رغم أنها تُمارس النقد، وتتجرأ على الخوض في المحرم وتقول في بعض الأحيان شيئا غير مألوف، أو ليس من السهل استساغته، إن الثقافة كالدواء، فالدواء رغم مرارته، وبعض الأحيان صعوبته، لكنه ضروري، إذ بدونه يتعرض المريض لاحتمالات سلبية كثيرة، بما في ذلك احتمال الموت.

المثقف هو الذي يعي روح العصر، ويندمج في تياره، ويساهم عن طريق الكلمة والفكر من أجل زيادة معارف الناس وصقل وجدانهم، وجعلهم بالتالي أكثر إنسانية، سواء من حيث العمل أو الإحساس، وهو الذي يكون مخلصا لعقله أمينا في القناعات التي توصل إليها ويريد إقناع الناس بها.

إن الإعلام باعتباره محصلة أخيرة هو انعكاس لواقع موجود، بينما مهمة الثقافة صناعة واقع أفضل، وهذا الواقع الذي يراد الحصول إليه يبدأ من مراحل مبكرة، ومن الجذور، يبدأ من التعليم وصولا إلى الجامعة، إلى قيام مراكز الأبحاث، إلى خلق الكوادر، إلى وضع سياسة تستهدف المستقبل انطلاقًا من واقع يراد تطويره باستمرار.

كل ذلك في إطار من الحوار والبحث وتعدد وجهات النظر، وحتى الاختلاف وصولًا إلى الصيغة الأفضل التي تلبي المراحل القادمة.

الثقافة والإبداع: الحالة التي تربك العقل الآن، وتكاد تفقده، قد تجد حلها أو احتمالها في الإبداع، لأن عن طريق الإبداع يمكن تلمس الاحتمالات، وربما يكون قادرًا على فتح الطرق المستعصية.

والإبداع منذ بدأ، ويفترض إلى الآن، يقع بين الطفولة والنبوة، لأن دافعه، بالدرجة الأولى الصدق والخيال، ولذلك لا يحسب حسابا كثيرا للمواصفات والرتب، والثروة والثورة، لانه مشاكس، يقول الأشياء بطريقة الأطفال، دون أن يهتم كثيرا بالناتج يعيش على أطراف الحلم في استشراقة المستقبل، معتبرا أن الذي لا يتحقق ناتج عن ضعف الإرادة أكثر مما هو بسبب الإمكانية، كما أن ما يحركه الجمال وروح العدالة، وإلا فالعالم يكون شديد القسوة والقتامة ويفتقر إلى العدالة والمنطق، وبالتالي لا يمكن أن يستمر إذا ظل هكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد