إن الانترنت بقدر ما هو مفيد سيئ أيضًا، وكذلك جميع مواقع التواصل، والإعلام جزء من هذه العائلة؛ إذ بقدر ما هو مفيد وجيد سيئ أيضًا ويشمل جانبًا منحطًّا.

إن عصرنا هذا أصبح سهل الوصول لكل شيء متصل، لم يعد مستصعبًا على أحد مهما كان مستواه أن يشتري هاتفًا ويدخل فيه تطبيقات وبرامج، وينشئ حسابًا في «فيسبوك» وفي «تك توك» وفي جميع المواقع السهلة، لكن هذه ليست المشكلة، فطبيعي أن يكون عند الإنسان حسابات وتطبيقات يستمتع بها، يقوم بشيء يستهويه أو يتابع مواقع جيدة المحتوى، المشكلة هي ما أصبح اليوم يسمى بالفيديوهات القصيرة والتحديات الفارغة، أصبحت هذه التفاهة منتشرة بكثرة.

بل أكثر من ذلك، ما يثير في النفس الاشمئزاز هو اهتمام بعض الجهات الإعلامية بتفاهة هذه الحسابات التافهة أيضًا، وكذلك كثرة المشاهدات والمتابعين، إنه لأمر مخزٍ أن ترى آلاف الأشخاص يضحكون ويتفاعلون مع هذه التفاهة، وأصبحت عادة أو متعة أساسية لا بد منها، لا بد أن يتفحصها يوميًّا أو يعود لها دائمًا باستمتاع جامح، ويتساءلون عن سبب انحطاط المجتمع؟

إن هذه الحسابات الكثيرة بل الأكثر انتشارًا بحيث الشخص بإمكانه إنشاء حسابات كثيرة في وقت واحد، وأن يملأها جميعها بالتفاهة، وكذلك له متابعون، ويجلب المزيد دائمًا، وصراحة كل هذه الحسابات لا يمكن أبدًا أن تتصفحها وتجد فيها ذرة واحدة من المعنى، شيء مستحيل. أما بالنسبة للأشخاص العقلانيين الذين يعملون أيضًا بهذه الحسابات، لكن في أوقات محددة ولهم هدف معين، يتابعون حسابات تعليمية ذات نفع، يتابعون مناظرات علمية وأدبية، صفحات أدبية شعرية روائية، صفحات للوحات فنية، كل شيء يحوي الاستفادة، وكما قلت سابقًا يكون لهذه الحسابات وقت محدد، برنامج مخطط، لا يدمنون دخولها، أما في الجانب الآخر لا يمكننا قول إن ليس لهم هدف من فتحهم حسابات كثيرة ونشر التفاهات بشتى ألوانها، لا هم أيضًا لهم هدف، وهو جلب المشاهدات والمتابعين فقط، أو بالأحرى جلب الأغبياء بكثرة من أجل تحقيق دخل مادي لا بأس به، فكما تربح شركة «فيسبوك» من إنشائك لحساب أو أكثر وتفاعلك الدائم، يربح معك ذلك الشخص أيضًا بعض المال من متابعاتك لمحتوياته وتفاعلك معها، وهنا لا يمكننا الوقوف أمام رزق أحد، إذ هناك أيضًا حسابات جيدة ذات محتوى رفيع، تنشر المعرفة ولها متابعون ولا يهم ما يجنيه ذلك الشخص من متابعتك وتفاعلك بقدر ما يهمك ويفرحك ما قدمه لك من معلومات وفائدة، وهذا هو الفرق الجوهري.

لكل شخص ذوقه وكل مسؤول عن أفعاله لكن كما قلت في السابق، إن المخزي في الأمر هو جهات التواصل الإعلامي أو بعضها مهتم بهذه التفاهات ويعطيها أكثر من قيمتها، وهذا هو الجواب على سؤالنا السابق، سبب انحطاط المجتمع هو إعطاء القيمة للتفاهة حتى غزت أدمغة الشباب، وبما أن الشباب هو المستقبل الواعد، ما هو مصير هذا المجتمع؟ ما مصير هذا الشباب؟

بالاعتماد على سنوات من التفاهة والانحطاط. ما الذي تأمله في المستقبل؟

بالاعتماد على ضياع وقت ثمين لا يمكن أبدًا أن يعود. ما النتيجة التي تنتظرها؟

إن الأغلبية الكبيرة والتي تتابع مثل هذه الحسابات والمواقع وتتفاعل معها، لا يمكن لك أن تأمل فيها شيئًا أو تنتظر منها نتيجة ما، المعادلة بسيطة، التفاهة تصنع التفاهة، فما بالك بسنوات من التفاهة.. ستنتج لك سنوات من التفاهة أيضًا، والجيد فريد وقليل جدًّا، وهذا راجع أيضًا لعدم إلقاء الضوء عليه من النقطة المحورية، وهي الإعلام، الإعلام الفاسد لا يلقي بالًا ولن يلقيه أبدًا على الجوانب الجيدة المحتوى والفنية، وما تتلقاه هذه الحسابات الجيدة من اهتمام تتلقى ضعفه الحسابات الفاسدة وأكثر بكثير جدًّا، فماذا تنتظر من المستقبل؟ لا شيء سوى عشرة في المائة من الفن والإبداع، والباقي كله فاسد وتافه، إذًا مستقبل الشباب ومصيره واضح.

وهذا أمر لا مناص فيه لأن المحتويات الجيدة المنفعية تتابعها تلك العشرة بالمائة فقط ومثلها من الإعلام يلقي عليها بما جد وجد من قوة وضوء، لكنه ضوء خافت لا يمكنه الإضاءة على الجميع، وبالتالي فمنطقي جدًّا أن تبقى النسبة الأخرى الكبيرة في الظلام برفقة الإعلام الخاص بها أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد