تلقينا ببالغ الحزن والأسى وفاة الإعلامي القدير سليمان بخليلي، والله العين لتدمع لفقدننا لمرجع قيم في عالم الصحافة، اشتهر بتقديمه لعدد من البرامج التلفزيونية كخاتم سليمان، زدني علمًا، ساعة من ذهب، فرسان القرآن، واليوم تخسر الجزائر أحد أعمدة الإعلام وأيقونة الفصاحة والثقافة، يعد من الشخصيات التي أعتبرها قدوة يتم الاقتداء بها في مجال الإعلام، وقد كنت أطمح في الالتقاء معه.. نعم تمنيت أن أحظى بحديث عفوي بسيط يجمعني به لسماع مسيرته والاستفادة ببعض من الخبرة والتجربة التي مر بها.. كنت أتمنى أن يسرد لي الأحداث التي عايشها خلال العشرية السوداء مثلا، خصوصا أنني قرأت بأنه إلتحق بالإذاعة والتلفزيون الجزائري عام 1986 كصحافي، ثم بعد ذلك تقلد عدة مناصب داخل مؤسسة التلفزيون الجزائري كرئيس تحرير ثم مدير إنتاج.. ليس هذا فقط، فقد عرف أيضًا بتغطيته لحرب الخليج الأولى للتلفزيون الجزائري.. كما أنه حصل 2008 على جائزة الإبداع الذهبية في مهرجان القاهرة ال14 للإعلام العربي.

هذه الأيقونة التي حملت حقيبة مملوئة بالخبرات وعايشت مختلف الفترات التي مرت على الإعلام الجزائري لم نعرف عنها شيئا بإستثناء البرامج التي قامت بتقديمها أو الأخبار التي كلف بتغطيتها.. لم أسمع يومًا أنه تم استدعاؤه من طرف كلية الإعلام من مختلف جامعات الوطن لتقديم محاضرة واحدة جراء ما عاشه أو حتى العقبات التي واجهته في مسيرته، قبل عام تقريبًا عندما أطلق المرحوم قناة البديل تمنيت بشدة أن ألتحق للعمل هناك، لأحظى بدروس ميدانية لأتعلم واستفيد من تجربة الأستاذ سليمان، لكن دائمًا تبقى بعض الأمور واقفة بيننا وبين تحقيق طموحنا، وخلال المتابعة المستمرة لما يحدث في الساحة الإعلامية علمت أنه سيقدم دورة تدريبية التي تسمح باختيار المتفوق الأول في الدورة للالتحاق للعمل بقناة البديل، لكن… كما أشرت سابقًا بعض الظروف دائمًا تبقى تستنزف طاقتنا وتدفعنا للوراء.

ما خسرناه حقًا هو أننا لم نعط هذه الأيقونة حقها والمساندة الكاملة في الساحة الإعلامية حتى يتم الاستماع بآذان صاغية لخبرة الأستاذ بدليل أننا كطلبة إعلام لم نعرف عنه ذلك القدر الكبير الذي يجعل منا نرسم مسارًا مستقيمًا موجهًا انطلاقًا بما مر به باستثناء التجارب التي استمعنا لها في مقاطع متفرقة في فقرات تليفزيونية تم استضافته فيها، والمقالات الموجودة في محرك البحث، طالب الإعلام كغيره من الطلبة الجامعيين في مختلف التخصصات، مسلوب من حقوقه لا يحظى بفرصة الاحتكاك، والاستماع لمثل هذه الطاقات التي تمثل مرجعًا في حد ذاته.. طالب الإعلام مثلي ومثله دائمًا تقف الظروف المادية عائقًا أمامه للالتحاق بالدورات المدفوعة.. في حين كان بإمكان الجامعة، وهذا من واجبها، أن تستدعي مثل هذه الكفاءات التي عاشت فترات طويلة، وواكبت الإعلام الجزائري بجميع مراحله لتحكي سيرتها ومسيرتها على سبيل الذكر: سليمان بخليلي رحمه الله، ليلى بوزيدي، بوعقبة، فتيحة زيماموش والكثير منهم، لكن سيأتي يومًا ونفارقهم بحزن كما تحسرنا على فراق الأستاذ سليمان بخليلي اليوم.

عندما مرض الأستاذ رأيت القلة القليلة من أصحاب المجال منهم الصحفية ليلى بوزيدي الذي رفعت نداء من أجل الاستعجال لتكفل بحالة المرحوم، عدا ذلك لم أر شيئًا، لكن اليوم أكثر المنشورات التي قرأتها يتم فيها تقديم العزاء لأسرة المرحوم كأداء لواجب لا غير، ليتحقق المثل: «كي كان حي كان محتاج تمرة.. وكي مات علقوله عرجون».

لو جمعنا مسيرة الأستاذ لأنتجنا بها مؤسسة تلفزيونية، وحده الأستاذ لو استمعنا لمحاضرة واحدة لوجدنا كمية من الطاقة والكفاح الذي واجهه والمراحل التي عايشها.. وحدها المناصب التي تقلدها المرحوم تجعلنا نعي كمية المحاضرات النظرية الجافة التي لا تحمل أي ارتباط بما هو موجود في واقع الإعلام وحقيقته المرة.. لو قمنا بإحصاء عدد المحاضرات التي يتلقاها طالب الإعلام في مختلف سنواته الدراسية لا نجدها تقف أمام ما عايشه الأستاذ سليمان، ولا مجال للمقارنة.. ولو قرأنا فقط هذه المسيرة لتهنا بينها حياة المرحوم، ومع ذلك لاستفدنا بكمية كبيرة من التجارب والكفاحات التي تصدى لها في عالم الصحافة، كصحافي، رئيس تحرير، مدير إنتاج، مدير قناة.

اليوم رحلت هذه الأيقونة، والأصح أننا فقدناها، صحيح أننا كجيل اليوم، طلاب الإعلام لم يحظوا بمحاضرة واحدة لسماع منها ما قدمت وبما ضحت، قرأنا وبحثنا بأنفسنا عما تكون، لكن رجاء اتركوا مساحة للأجيال القادمة لتسمع عنها، لتذكر اسمها، حتى يصبح راسخًا، فهي تستحق أن نكتب عنها ونعتبرها مرجعًا يتم لاستدلال به في ميدان الإعلام.

لقائي بالأستاذ المرحوم الذي أصبح مستحيلًا اليوم بعد أن كان أملًا وحلمًا بالأمس، ولو خيروني بين حضور دورة مدفوعة وبين مقابلة مدتها ساعة واحدة فقط لخيرت حديث يجمعني به، لأنني لم أعتبره حديثًا عابرًا فقط، وإنما مرجعًا يمكنني أن أستدل به أمام طلبتي في الأعوام القادمة إذا شاء الله ذلك، لأنقل لهم ما مر به في هذا المجال.. فإلى متى لا نعطي الاهتمام الكامل للاستماع لكفاحات ونضالات التي مرت على أصحاب القلم والكلمة، كيف ولا وقد كانت صحيفة المقاومة والإذاعة السرية من القوى العظمى التي كان لها دور فعال ومساهمة في أخذ الجزائر استقالالها إلى جانب نضالها المسلح.

في الأخير: في خضم ما تطرقت له سابقًا، كم تمنيت والحسرة تملأ قلبي لو كانت هذه الكلمات والجمل التي قلتها في حق المرحوم، وعدد من الأسئلة التي شغلت ذهني، والتي ستبقى مدفونة بلا جواب في تلك المقابلة التي كنت أنوي وبشدة أن يتم تحويل كلامها الى مقالات متفرقة، يتم الحديث فيها لمختلف التجارب والخبرات التي عايشها أصحاب المهنة والخبرة في زمن العشرية السوداء وما بعدها لأنني أعلم بأن هناك الكثير مما سيتم التطرق إليه، وكشف الستار حوله، وهو لم يزل مدفونًا في جعبتهم.

ما عساني إلا أن أقول في الأخير: يا من رحلت عنا وكلنا حسرة على فراقك.. في رحمةِ الله من قد راحَ مبتعدًا إنّا إلى الله قول أبردَ الكبد.. في ذمةِ الله أخٌ مسرعٌ ذهبَ إلى الرحيمِ إلى جناتِهِ رَغِدا.. إذا ذكرناهُ فاضَ الدمعُ وانحدر.. يا صاحبي قد تركِتَ الدنيا مغتربًا والصحبُ والأهلُ والجيران والبلدا.. الحزنُ يقطعُ قلبًا قبلُ قد قُطعَ.. والشوق يفجُرُ دمعًا غارَ وافتُقِدا.

رحمة الله عليك يا أستاذنا الغالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد