صناعة الوهم، أو ما يُعرف بفن التلاعب بالعقول، اسم يتردد على مسامعنا كثيرًا، إذ بات له صدى واسع في الآونة الأخيرة. ولاسيما في ظل هذا الصخب والضجيج الإعلامي الذي يحاصرنا من كل صوب وحدب عبر منصات التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية المختلفة. إلا أن هذه الصناعة ليست حديثة العهد، بل هي صناعة قديمة تأخذ أشكالًا متنوعة ومغايرة تبعًا للزمان والمكان والأهدف التي تصبو لتحقيقها.

ولطالما كانت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها هي الأداة الرئيسية في هذه الصناعة أو الفن؛ لأنها وعلى مر السنين كانت وما زالت نافذتنا الرئيسية التي نطل من خلالها على أحداث ما يدور حولنا في العالم، لتصبح هي الامتداد الطبيعي لحواسنا التي نتصل من خلالها مع العالم؛ وبالتالي فهي تسهم إسهامًا كبيرًا في بلورة تصورنا ونظرتنا إلى مختلف الأمور، وباتت أحد أهم المكونات لتشكيل الوعي، سواء على المستوى الفردي أم المجتمعي.

فإذن، كيف يُصنع هذا الوهم والتلاعب بعقولنا لتحقيق غاية ما، وما دور وسائل الإعلام في ذلك؟

شهدت البشرية منذ القدم العديد من الصراعات والحروب الدموية، التي تطورت أساليبها القتالية والدفاعية مع مرور الزمن، وكان أبرز هذه الأدوات هي وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، والتي باتت في العصر الحديث من أشد الأدوات بطشًا، بل أخطرها على الإطلاق؛ إذ مهدت لمفهوم الحرب العصرية، وهو أن تجعل خصمك يقتل نفسه بنفسه، بدلًا من أن تُكلف نفسك مشقة قتله.

فحين تتبنى وسائل الإعلام آراء واتجاهات معينة، ستعمل جاهدة على إبرازها على مسرح الرأي العام وتحريك مشاعر الجماهير نحو الغاية المنشودة، سواء كانت هذه الغاية قائمة على حقائق أم مجرد أكاذيب. فالهدف هنا هو إقناع الرأي العام بها، ودفعهم للإيمان بها والمحاربة من أجلها. وبالتالي التأثير في عقلية الجماهير واستخدامهم ورقة ضغط في الحروب السياسية التي تحدث وراء كواليس هذا المسرح.

وهنا نرى أن الرأي العام الحقيقي أضحى في مهب الريح، ولم يعد له وجود، نتيجة تأثير وسائل الإعلام في عقول المتلقين، وقدرتها على زرع الوهم، أو لنسمِّه وهم الحقيقة، والتلاعب بهم وفقًا للأهداف السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو العسكرية المنشودة. ويبرز ذلك بوضوح في حملات الدعاية الإعلامية التي تفننت بصناعة الوهم وتكميم أفواه الحقيقة، عبر التشوية، أو التضليل، أو الكذب بكل بساطة.

وأكثر ما يهتم به صُناع هذا الوهم هو تغييب الوعي أو تزييفه عبر استخدام البروباغندا الإعلامية أو الإشاعات لإخفاء الحقائق عن الجماهير؛ بهدف استمالة القاعدة الشعبية وتشويه الوقائع لدرجة تدفعهم إلى الموافقة على أمور قد لا يرغبون فيها من الأساس، لتغزو وسائل الإعلام بعد ذلك العقل وهو في هذه الحال من الحيرة، بعد تشتيته وطمس المشهد الحقيقي؛ لتوجه عناصر تفكيره إلى ما تطمح جهات معينة في تحقيقه؛ لتفصل بذلك الناس عن واقعهم، وهذا ما يسمى بتزييف الوعي.

وهناك أمثلة عديدة على ذلك، وإحداها هو ما حدث في منتصف الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا في عام 1916، إذ كانت الإدارة الأمريكية، برئاسة وودرو ويلسون، تحاول كسب تأييد القاعدة الشعبية حول ضرورة الانضمام إلى الحلفاء، بعد أن كان الشعب آنذاك رافضًا فكرة الانخراط في مغامرات حربية لطالما كان بمنأى عنها، وهنا بدأت مهمة «لجنة كريل» التي عملت على نشر الأكاذيب وتشويه الواقع؛ إذ نشرت صور الألمان على إنهم مجرمو حرب، يقطعون أيادي الأطفال في بلجيكا، ويدمرون المدن، وبأنهم ماضون نحو إفناء البشرية، وغيرها من الدعايات الإعلامية التي حوّلت الموقف السلبي من الحرب لدى الأمريكيين إلى رغبة هيستيرية لتدمير كل ما هو ألماني، وإنقاذ العالم من نيرانهم.

وتشير نظرية الكاتب والصحافي والسياسي الأمريكي، والتر ليبيمان، التي تبحث في كيفية إقناع الحشود الشعبية بأمر ما كان مرفوضًا من الأساس بالنسبة لهم، إلى أن المجتمع ينقسم إلى طبقتين: الأولى هي عامة الشعب المتلقي والمُوجَّه، والثانية هي النخبة الصغيرة والتي تتحكم في الاقتصاد والسياسة -والأيديولوجيا بطبيعة الحال- وهي التي تصنع الرأي العام باستخدام الإعلام.

ويوضح لنا ليبيمان في كتابه «الرأي العام» (Public Opinion) الصادر في عام 1922، كيف يمكننا بلورة الآراء والأفكار والصورة الذهنية حول موضوع ما، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، بشكل مغاير لما يحدث في الحقيقة في العالم؛ إذ أوجد مفهوم البروباغندا أو الدعاية الإعلامية. ويقول إنه حتى تنجح هذه الدعاية في تحقيق أهدافها، يجب أن يكون هناك معوقات تحول دون التماس المباشر بين الجمهور المستهدف والحدث أو القضية المرغوب حشد الرأي العام بشأنها، إذ يمكن لوسائل الإعلام التلاعب بالأحداث، أو تقديم معلومات محدودة أو مضللة إلى العامة. وبذلك، قدم ليبيمان أولى وجهات النظر في العصر الحديث حول كيفية إدارة الإعلام لخدمة أجندة محددة، مؤكدًا مدى قوة الإعلام وخطورته في التلاعب بالرأي العام وتضليله.

ومن الأسماء الأخرى التي برزت في عالم الدعاية الإعلامية وقيادة الرأي العام لخدمة أغراض سياسية هو يوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي وصانع أسطورة الفوهرر. والذي قاد الحملة الإعلامية الكبيرة للحزب النازي، مستخدمًا مختلف وسائل الإعلام آنذاك لنشر الرسالة النازية، سواءً عبر الراديو، أو السينما، أو المسيرات والعروض العسكرية وغيرها.

ونجح غوبلز في الدمج بين التسويق الإعلامي والسياسة من خلال استخدامه وسائل الإعلام لغاياتٍ سياسية. ولعل من أشهر المقولات التي تُنسب له هي «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس»، و«أعطني إعلامًا كاذبًا، أعطك شعبًا بلا وعي»، إلا أن إحدى المقولات المؤكد أنها تعود إليه، هي: «كلما سمعت كلمة (مثقف) تحسست مسدسي»، وهي إشارة إلى أن الوعي هو السلاح المضاد لعمليات غسيل الأدمغة والدعايات الإعلامية وتوجيه الشعوب.

وتعد نظرية «وهم الحقيقة» من أشهر ما قدمه غوبلز إلى عالم الدعاية الإعلامية، والتي أصبحت ركيزته الأساسية في الدعاية السياسية والحرب النفسية. وتقول هذه النظرية بأنه لترتقي أي كذبة إلى مستوى «وهم الحقيقة» المنشود، يجب أن تنطوي على ملامح من الحقيقة حتى يصدقها الناس، بعبارة أخرى، يجب أن تسرد الكذبة أمرًا واقعًا، ولكن بشكل مشوه. وعليه يُضلَل الرأي العام عبر ضخ كم هائل من الأخبار الممنهجة؛ ليعيش حالة من الحيرة، وعدم القدرة على تحليل الأمور على أساس منطقي معمق، وبالتالي يسهل قيادة الحشود نحو تحقيق الهدف المنشود.

وهنا نرى أن سلاح الإعلام والدعاية السياسية في تلك الأيام لم يقل أهمية عن سلاح الطيران والمدفعية في إشاعة الخوف والرعب لدى جيوش والعالم وشعوبه. بل أصبح أكثر خطورة من أي سلاح آخر في عصرنا الحديث، ولاسيما في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، ووسائل التواصل الاجتماعي التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، إذ قضت الثورة الرقمية على الحدود الجغرافية وتخطت الدول، والجنسيات، والثقافات. مما منح وسائل الإعلام في خضم هذا التطور الرقمي المتسارع اليد العليا في قيادة الرأي العام وتوجيهه، وهذا بدوره دفع الأجهزة الاستخباراتية والحكومات لرصد وتحليل وقياس كل ما يُنشر عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ومن شأنه التأثير في الرأي العام، الذي يعد المفتاح الأكبر للثورات والانتفاضات، ولاسيما بعد أن أصبح الكلام عن الموضوعية والشفافية بتقديم الأحداث والأخبار ضربًا من الخيال.

وخلال السنوات العشر الماضية، رأينا كيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أهم الأدوات الاستراتيجية في عمليات تشكيل المعتقدات وصناعة الأفكار والرأي العام، ويُعزى ذلك لسهولة استخدامها وسرعة انتشار الأخبار والأحداث من خلالها. مما استقطب اهتمام قادة الدول والحكومات والأجهزة الاستخباراتية لاستخدامها في قيادة الرأي العام وتوجيهه وفق ما يخدم مصالحهم.

وهنا قد نتساءل، ما الذي يؤكد لنا أن سلوكياتنا وأفكارنا وقناعاتنا غير ملقنة باللاشعور عبر ما نتلقاه يوميًّا من رسائل إعلامية مبطنة عبر هذه المنصات لتعاد برمجتنا على النحو الذي يخدم مصالح جهات معينة؟ ولاسيما بعد أن رأينا كيف أدير الرأي العام ووجه في أحداث وحروب كانت على وشك أخذ العالم إلى حافة الهاوية، مع العلم بأن الحقيقة المجردة التي نسعى لإيجادها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي قد لاتكون موجودة بشكل مطلق بعد الآن في عصر صناعة الوهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد