بلال محمود
بلال محمود

للكلمةِ والمنطق في أرض الله بين الشعوبِ والأمم دورٌ فعّال، بالغُ التأثير، واسعُ المـدى، لا تحُـدّه حدودٌ أو تحول بينه وبين عقول البشر في كوننا مصدّات أو حواجز. فبكلمةٍ تقومُ الحضارات وتتقدم الأمم وتتحرر الشُعوب من الطغيان والاستعمار، وبأخرى تشتعل الصراعات والنزاعات بين الطوائف وتنهار. يُمكن للكلمةِ أن تخلق وعيًا حقيقيًا للشباب في مجتمعاتنا الشرقية والعربية، ينقذُهم من تدنيس هوياتهم أو الإنسدال تحت سِتار التقليد الأعمـى لكل ما يظهر على الساحة أمامهم من جديد، حتى وإن افتقر لأبجديات الفَهـم والـتذوق لحضارتنا العربية. وأكبرُ شاهدٍ لأثرِ الكلمة بين الشعوب هو أن لنا في التاريخ حياة!

 فلو رجعنا قليلًا للوراء لوجدنا زُعماء وقادة خُلّد أثرهم في تاريخ أوطانهم وشعوبهم، فقد نشروا وعيًا حقيقيًا ساهم في إنضاج شبابهم واستقلالهم من الاستعمار بقوة المنطق وحدها لا بغيره؛ فنرى نيلسون مانديلا الذي ساهم في القضاء على العُنصرية في جنوب أفريقيا، وباتريس لومومبا رئيس وزراء الكونغو والمكافح للاستعمار، وكوامي نكروما الذي ناضل ضد الاستعمار الإنجليزي حتى استقلال غانا وروّج لفكرة الولايات المُتحدة الأفريقية، ومهاتما غاندي السياسي البارز والزعيم الروحي للهنـد خلال حركة استقلال الهنـد .. إلخ. وغيـرهم كثيرين من الزعماء على مر التاريخ والعصور ممن أنضجوا شعوبهم وأحدثوا تغييرات جذرية بقوة الكلمة والمنطق.

 وإذا أردنا أن نُسقِط اليوم أثرًا للكلمة والمنطق في بناء وعي المجتمعات في عصرنا الحديث هذا لسلّطنا الضوء على الإعلام المُعاصر بوسائله المرئية والمسموعة، ولوجدنا لها أثرًا حقيقيًا ملموسًا في فرض منهاجًا بعينه -وبصورةٍ مُستمرة- على المُشاهد العربي؛ فكما يمكن للإعلام أن يخلق وعيًا حقيقيًا، يمكنه أيضًا أن يطمس حقيقةً أو أن يُفسِد أمةً بأكملها.. مُرورًا بالكوميديا الساخرة والفن والفانتزيا إلى برامج الحوار والتـوك شو اليومية. فكلنا نذكر مسرحية “مدرسة المُشاغبين” وكيف جعلت من المُعلم أضحوكة بعدما جسّدته في صورة هزلية ساخرة سمحت للأجيال من بعدها بالتطاول عليه وامتهانه! ناهيك عن نشر ثقافة التقليد الأعمى للغرب في مناحي الحياة الاجتماعية والأخلاقية دون العلمية، والتي تتناقض تمامًا مع تقاليد وأخلاقيات المشاهد العربيّ البسيط. وهناك أيضًا موجةً واسعـة تصدّرت منذ زمنٍ -ليس بالبعيد- أحدثت طفرةً عميقة في نفوسنا ما بين التديّن والانفتاح قد شوّهت كثيرًا من علاقاتنا الإجتماعية.

 قالوا لنا إن: «الزن على الودان أمـرّ من السِحر»، فاعلم -عزيزي القارئ- أنه ولو افتقر المُحتوى الإعلامي أمامك من بديهيات المنطق عندك، فقد بلغ الأمرُ حد التعقيد لأن تنتبه! فلو خضنا مثلًا في العلاقات الإجتماعية في مجتمعاتنا العربية تجدُ نفسك أمام تيارين لا ثالث لهما؛ تيار التوك شو الذي اعتدناه ليل نهار على شاشات التلفاز والذي يدعوك بشتى السُبل إلى الانفتاح الفج في العلاقات الإنسانية بالكثير من التجاوزات لا تُقيِّده حدودٌ بما يليق بثقافتنا العربية والإسلامية، وعلى جانبٍ آخر ترى أمامك تيار التديّن من البقية الباقية يدعونك إلى الانزواء والقوقعة حول نفسك طاعةً لله بقولهم «افعل ولا تفعل» بطريقةٍ فجّة لا تُناسب المُستمع بأي حالٍ من الأحوال ولا تحوي عقله أو تحلُّ جزءًا من مشكلاته بما يُناسب عصره، بل لربما تنفِّره. طيب.. ألم تعلم أن الإسلام قد جاء لتنظيم العلاقات الإنسانية بين الأفراد وتهذيب السلوكيات لا لمنعها؟ ألم تعلم أن التواصل الإجتماعي -المُقيَّد بضوابط مُعينة- هو السبيل الوحيد للوعي ولنشر الدعوة والثقافة وتأسيس مجتمعٍ صالح للبقاء مبنيُّ على الإيجابية والتسامح؟

 أصبحنا نفتقر فعلًا في الآونة الأخيرة للتوجيه الواعي المبنيّ على تجارب وفَهمٍ صحيح للنصوص مع إسقاطٍ سليم على أرض الواقع يسع العقول جميعًا ويسهم في بنائها بطريقةٍ مُتقنة وواعية. أما عن التقليد الأعمى للغرب فنجد أننا نأخذ عنهم كل ما نراه برّاقًا حتى لو تنافى مع أخلاقياتنا وقيمنا، ظنًا منّا أنهم يتسمون بالمثالية والاقتداء في كل مناحي الحياة، وهذه أكذوبةٌ أخرى صدّرها الإعلام للشعوب العربية لتحقيق أغراضهم في صورةٍ مُبهرة لكنها مُزيَّفة!

 الحقيقة تشيرُ إلى أن الثقافة الغربية في أصلها تعتمد على المادية الحقيرة، فهم يتصورون الإنسان مجرّد آلةٍ مُنتجة تنتج الصناعات والأغذية، والبقاءُ عندهم للأقوى مهما كانت غايته أو وسيلته في فرض قوّته. ولا تحدُّهم أخلاقيات تُنظم علاقاتهم الإجتماعية، فنجد مشكلاتٍ نفسيّة وأزماتٍ أخلاقية تتفشّى بكثرةٍ عندهم، فنجد الولايات المُتحدة الأمريكية تُسجّل أعلى معدلات الانتحار في العالم، وهو ما يتنافى مع تعاليم الإسلام عندنا، وهو عكس ما رسمه الإعلام العربي عنهم في أذهاننا.

إن تعامل المواطن العربي مع الثقافة الغربية الحديثة يجب أن يكون أكثر وعيًا وحذرًا بحيث يأخذُ من العلوم ما ينفعه، ومن أصول العلم وأساسيات المعرفة ما يُفيد بلده وموطنه. لكن ما نراه واقعيًا هو أننا نتجه في تقليد عاداتهم وسلوكياتهم الإجتماعية المناهضة لقيمنا وأخلاقنا، ولا نأخذ من العلوم ما ينفعنا إلا القليلُ من القليل، وهذا ينجرف بنا نحو الهاوية، مع أراذل الأمم التي هي بلا علمٍ ولا دين.

 هذه نقاطٌ بسيطة أشرتُ لها، ولو تحدثنا وخضنا فيما خلقه الإعلام وأفسـده في نفوس الكثيرين لما اكتفينا، فسواء اتفقنا أم اختلفنا في بعض النقاط لا بُدّ وأن نؤمن أن الإعلام العربيّ في أغلب الأحيان هو إعلامٌ مُوجهٌ بامتياز وِفق سياساتٍ ممنهجة في تخدير الشعوب ومحو تراثهم العربي والإسلامي الأصيل، ويُستخدم كأداة في تزييف الحقائق وتزوير التاريخ في صورٍ شتّى، تبعًا لمصالح مُختلفة، فهم يدسُّون السُم بالعسـل ويقدمونه في وسائلهم المرئية والمسموعة. فعليك أيها المواطن العربيّ أن تُنقّب بنفسك عن الحقيقة وأن تأخذ بعين الحذر في كل ما تراه أو تسمعه في يومك، وأن تخلِق لنفسِك قناعات مبنيّة على قراءات واطلاعات ووعي حقيقي اكتسبته من وحي الكُتـب والتاريخ، حتى لا تنجـرف مع التيـار وتنحاز لأفكارٍ وتطلُّعات واهيـة لا أصـل لها إلا في المذيـاع، فتفقد دينك ودُنيـاك وتكـون حينئذ من الخـاسرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك