لكل الحروب ـ في كل زمان ـ أدواتها الخاصة، وأفكارها الحرفية في تدمير المعتدي، واختراق الحصون، والسيطرة على البلدان والشعوب؛ لاستعبادهم أو تحريرهم من طاغية زمانه، وذلك اختيارًا، حسب ضمير القائد المحرر!

في العصور القديمة، وإلى فترة غير بعيدة، كانت الحروب تشتعل؛ لاستعباد الشعوب، واستنزاف ثروات البلد، ولتوسيع أراضي السيطرة، وزيادة المدخولات في خزينة الدولة، على حساب الشعوب المستضعفة والفقيرة، ولفرض هيمنة وقوة الشعب المعتدي على باقي الدول والشعوب.

لم تختلف الحروب في عصر التطور عن حروب باقي العصور، من حيث الفكرة، وهي فرض السيطرة والهيمنة، وإظهار أكبر قوة في الكرة الأرضية، وإضعاف الآخرين، واسنتزافهم؛ لذلك لم تختلف الفكرة كثيرًا، وإن اختلفت كثيرًا في الأدوات، وفي كيفية التنفيذ.

عندما احتلت فرنسا الجزائر، والإنجليز العراق والهند، كان أكثر ما يريدون، هو ثروات تلك البلدان، وذلك ما حدث، ولكن ـ في مقابل ذلك ـ خسرت الدول المستعمِرة الكثير من جنودها؛ في سبيل السيطرة والهيمنة على هذه الدول.

في يومنا هذا، أصبحت أدوات الحروب هي الكلمة، والمحرك لتلك الكلمة هو الإعلام: إن كنت تريد غزو دولة ما، فكل ما عليك فعله هو إظهارها كقوة معادية لدولتك، وأنها تمثل خطرًا على حياة شعبك في الإعلام؛ لحشد الجماهير ضد تلك الدولة، وحتى إن كان ما تقوله في الإعلام مجرد ادعاء كاذب، لا صحة له أبدًا.

أصبح الإعلام أداة من أدوات الحرب الجديدة؛ لغزو البلدان بقوة، وإخضاعها لسيطرة الدول القوية، أو السيطرة عليها بفكرة خوفها من بطش الدول القوية، استعمل الإعلام في الحروب ـ لأول مرة ـ في عصر «التطور والنهضة»، من قبل أمريكا، حينما أرادت غزو العراق، أصبح الإعلام الأمريكي يبث أخبارًا وتقارير عن «صدام حسين»، وأنه خطر يهدد حياة الأمريكيين، وأن صدام هو المسؤول الأول عن أحداث «11 سبتمبر» ويجب اقتلاعه من جذوره، هو ونظامه، والإعلام الأمريكي هنا، لم يكترث لجرائم صدام في حق شعبه، ولا للمجازر التي أحدثها في أبناء وطنه؛ فهم لا يهتمون لحياة الشعوب الأخرى.

وإن تم تسليط الضوء على جرائم صدام في حقه شعبه في الإعلام الأمريكي والعالمي، فإن ذلك يكون من باب تخويف الشعب الأمريكي وشعوب العالم مما سيفعله صدام حسين، لو امتلك القوة التي تمتلكها أمريكا. وأن على أمريكا أن تسعى إلى ضربة استباقيه؛ للإطاحة بالتهديد القادم من الشرق.

لم تكن فكرة أن صدام سيمتلك القوة «أسلحة الدمار الشامل»، تخيف أمريكا، ولكن كانت إنذارًا ـ لكل دول العالم ـ أن ميزان القوى يجب أن يكون في يد أمريكا ـ فقط ـ دون غيرها ، ولتكتسب الحروب شرعيتها، يجب أن تنطلق من رغبة شعب؛ فالشعب هو مصدر القوة لكل حكومة، ومن أجل ذلك حركت أمريكا إعلامها؛ لتكتسب الشرعية، حتى لو كان ذلك خداعًا للشعب الأمريكي وذلك ما حدث؛ فبعد احتلال العراق خرجت مظاهرات منددة بالحرب، وبخداع الرأي العام.

إعلام يلعب دورًا في تغيير أفكار المجتمع، وتغير رأي العالم في كل شيء، ونرى ذلك جليًا في إعلام أمريكا؛ عندما طرحت موضوع الحرب على العراق؛ إذ تم استعمال كلمة «ديمقراطية» كثيرًا، حتى ظن بعض أنها ستدخل موسوعة «جينيس ريكوردز» للأرقام القياسية؛ إذ سيطرت فكرة أن أمريكا سوف تذهب إلى المقبرة؛ لتحيي أموات الشعب الأمريكي، ولكن ما أن انتهت الحرب، حتى تبين أن الرأي العام خدع من قبل الإعلام، وأن الإعلام طرف في الحرب؛ لأن كل ما رأى الشعب من جثث في التلفاز تفترش الشوارع في العراق، ولم ير أو يسمع أو يلمس الشعب العراقي شيئًا من الديمقراطية المزعومة.

للإعلام قوة تفوق قوة البندقية والمدفعية، وهي وإن كانت كلمة، غير أنها أداة تدمير قويه في العصر الحديث، على سبيل المثال: نرى دور الإعلام في الهجمات الإرهابية التي حدثت في أوروبا مؤخرًا، وتحديدًا في «باريس» ومطار «بروكسل»، ولأن منفذي هجمات باريس وبروكسل مسلمون، وجهت فوهة بندقية الإعلام إلى الإسلام، واتهم الإسلام بأبشع التهم، وأقبح الكلمات، وتجوهل أي شيء إيجابي في الإسلام، ووجه الرأي العام إلى نبذ كل ما هو إسلامي، حتى وإن كان يخرق قانون الحريات؛ فهو مباح، لكن على الطرف الآخر، وهو ليس ببعيد عن مطار بروكسل، وتحديدًا في «ألمانيا»: «مترو أنفاق» يطعن فيه 3 أشخاص، يتوفون على أثره، ويجرح العديد من الأشخاص، ولأن منفذ الهجوم ـ ولله الحمد ـ ليس مسلمًا، يوصف المنفذ الإرهابي بأنه «مضطرب نفسيًا»؛ تبريرًا لما فعل، ولم يتم تداول القضية في الإعلام، على العكس تمامًا؛ غُض النظر عن القضية بسرعة البرق؛ ما أن تأكدت ديانة المنفذ.

وكذلك ما جرى للمسلمين «الصرب»: من قتل جماعي، واغتصاب، وحصار، وتجويع، وتخويف، وترويع آمنين، على يد الجيش الصربي المسيحي، المدعوم من قبل دول أوروبية، تُكُتم على الأمر في الإعلام، فلم نر ـ من قريب أو بعيد ـ في الإعلام العالمي والمحلي ذكرًا لماجرى للمسلمين الصرب، ولكن قامت الدنيا، ولم تقعد؛ للمحرقه اليهودية، وركز الإعلام تركيزًا كبيرًا على مظلومية اليهود؛ لتغطي على جرائم اليهود في فلسطين ولبنان، من قتل لنساء وأطفال، ومن مجازر في حق السكان الفلسطينيين!

لن اطيل في سرد أمثله كثيرة لاستعمال الإعلام، كأداة للحروب، وغزو الأوطان.

ضجيج الإعلام يفوق ضجيج المدفعية، والصورايخ الباليستية. الآن تستطيع تدمير دولة، وتغيير مصير شعب كامل، بكلمة واحدة؛ للكلمة طاقة قادرة على إحداث تغيير أقوى مما يحدثه العنف، إياك أن تترك الإعلام يحدث ضجيجًا في أفكارك؛ لأن ما يريده هو مصلحة من يخدمون؛ فهم لا يسعون إلى تغذية أفكارك، بما هو مفيد لك، على العكس؛ هم يسعون إلى زرع بذرة أفكارهم في أفكارك؛ كي تخدم مصالحهم وقضاياهم!

اجعل لك «فلتر»؛ تضعه على باب أفكارك؛ لتقرر وحدك ما ينبغي أن يدخل إلى أفكارك، وما يجب أن يمنع، ليس كل ما يقوله الإعلام صحيح!

كاذب من قال إن الإعلام حر؛ إنه جزء من سلطة الدول للسيطرة على الشعوب، وخدمة مصالح الحكومات، وأصحاب النفوذ، لا تجعل أفكارك، وأفكار أطفالك، ومن هم حولك، لقمة سهلة في أيديهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد